وجهاً لوجه

حوار مع إيفا إيلوز: عاطفتان تهددان الديموقراطية: الخوف والاشمئزاز

eva illouz

يطرح تنامي النزعات الشعبوية على صعيد الديموقراطيات أسئلة عدة في ذلك الدور المتفاقم للمشاعر في انتشارها. هل ذلك مضر بالعقلانية أم مكمل لها؟     

إيفا إيلوز Eva Illouz ) ( عالمة اجتماع وتشغل مديرا للدراسات بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية . لقد جعلت من علم اجتماع العواطف مجال بحوثها الرئيس . لها العديد من الأعمال ومنها كتاب : العواطف ضد الديموقراطية (premier parallèle,2022)

تلعب  العواطف حتما دورا في الخطاب السياسي ، الذي يكون هدفه هو الإقناع . تجدر الإشارة إلى أن البلاغة هي استعمال اللغة لأغراض عاطفية . فإذا كان ذلك يطرح مشكلة في الديموقراطية ، فبسبب الافتراضات العقلانية التي يتم العثور عليها فيها . أول افتراض من تلك الافتراضات ، فإن شخصا ما قد يدلي بصوته دفاعا عن مصالحه: يتعلق الأمر بالعقلانية في معناها الاقتصادي . الافتراض الثاني، يكمن في الفكرة التي تتركها كافة الآراء التي يتم التعبير عنها ، وينتهي الأمر بالرأي الجيد إلى الانبثاق عبر فعل العقل . وإلا فإن ذلك لن يكون له أي معنى في اعتبار التعدد في التعبير أمرا جيدا ! ويكمن الافتراض الثالث في فرضية يورغن هابرماس : بإمكان جماعات بشرية تنافس بعضها بعضا التوصل إلى إجماع عقلاني . سيكون بإمكان أفرادها أن يضعوا جانبا مصالحهم بغية الاتفاق على حل أفضل من أجل المصلحة العامة .

وذلك لأن الديموقراطيات تفترض أشكالا ثلاثة للعقلانية التي يطرح فيها سؤال العواطف بشكل حاد . لكن أيضا لأن السياسة طورت وسائل التواصل والتلاعب التي تصدر مباشرة عن أساليب دعائية . وفي الوقت الراهن ، ثمة حشد كامل من المستشارين يصنع العرض السياسي تبعا لأساليب التسليع العاطفي التي هي خاصة الاستهلاك .

بالنسبة لي ، كعالمة اجتماع ، لا توجد عاطفة جيدة أو سيئة في ذاتها . وبهذا فأنا أختلف عن الفيلسوف أو عالم النفس . تمتلك كافة العواطف وظيفة اجتماعية . إنها تظهر ، في السياق السياسي ، داخل بنيات سردية ، قصص ومخططات سببية . يتمثل الخطاب السياسي في تقديم تفسير لماذا توجد الأمور على هذا النحو ، وفتح إمكانية التغيير . انطلاقا من هذا التمفصل السردي تنشأ عاطفة مركزية ، رافعة عاطفية دائمة .

لذلك فأنا لا أعتقد أنه يمكن التخلص من المشاعر . يذهب المرء للاقتراع لأنه غاضب من الظلم ، مثلا : إنه حافز على التصويت يتم اعتباره مشروعا والذي نعتبر أنه لا يمثل تهديدا في حد ذاته للديموقراطية ، لذلك فليست العاطفة في ذاتها ، وإنما نمط العاطفة الذي يتم استحضاره هو الذي يكون شرعيا أو لا شرعيا .

تم إقصاء عاطفتين من الفكر الديموقراطي : الخوف والاشمئزاز . تعود صياغة فكرة ليبرالية الخوف إلى عالمة السياسة الأمريكية جوديث شكلار Judith Schklar) ( . وبالنسبة إليها ، فابتداء من اللحظة التي يحس فيها أحد أفراد الجماعة  بالخوف ، باعتباره فردا      من أفراد تلك الجماعة ، فإن المرء لم يعد بعد موجودا في نظام ليبرالي ـ أعني نظام تقوم فيه الدولة بحماية الأقليات ( السود ، المثليين ، اليهود ، إلخ . ) من الاضطهادات . لا يلجأ نظام ليبرالي ما ، بالنسبة إليها ،إلى الخوف لإثبات شرعية الحاكم . خلافا لذلك ، فإنه يتم اعتبار الخوف في كتاب الأمير لنكولا ميكيافلي (1532) ، وسيلة شرعية للحكم . إنها الطريقة لأكثر نجاعة ، بالنسبة إليه لمراقبة مواطني الجمهورية ولاستتباب النظام الاجتماعي . وبالمقابل ، يفترض في الحاكم ، في العصر الحديث ، أن يكون على ارتباط بالمحكوم بواسطة عقد اجتماعي : يتم فرض شكل تماثلي يكون كل منهما يكرس نفسه من أجله . لم يعد حضور الخوف منطقيا بعد . وعلى الرغم من ذلك ، فإن علماء الاجتماع قد أدركوا أن الأنظمة الليبرالية يتم تعريفها من خلال حمايتها وميلها أيضا إلى مضاعفة موضوعات الخوف : إرهاب ، تفشي الأوبئة ، إلخ . لم يختف الخوف البتة من أفقنا السياسي .

كما أنه لا يفترض في المرء ، في ظل الديموقراطية ، التعبير عن الاشمئزاز إزاء مجموعة بشرية ما . وبالنسبة لي ، فإن دونالد ترامب الذي يعتبر خارج المعايير الديموقراطية تماما ، يلجأ باستمرار إلى توظيف الاشمئزاز . لقد تحدث ، في الآونة الأخيرة ،عن المهاجرين الهايتيين الذين يأكلون الكلاب والقطط بمدينة سبريفيلد ، في ولاية أوهايو . والمقصود من هذه القصة هو خلق الاشمئزاز .  ويشكل الخوف والاشمئزاز من المهاجرين الذين يغتصبون ويسرقون آليات قوية للغاية لحملته . وتعتبر عاطفتا الخوف والاشمئزاز ، اللتين تم توظيفهما مرارا بواسطة الشعبويين ـ سواء كان جيرت فيلدرز (Geert Wilders) ، إريك زمور أو دونالد ترامب ـ متعارضة للغاية مع الديموقراطية.

أعتقد ، أنه في حالة الاشمئزاز ، ثمة تفاوت بين توجهين سياسيين . تذكروا هيلاري كلينتون ، في عام 2016 : لقد نعتت الذين صوتوا لصالح ترامب ب” سلة يائسين ” : ولقد شكل ذلك فضيحة حقيقية ؛ وكان ينبغي عليها تقديم اعتذار في اليوم الموالي ويعتقد العديد من الناس أن ذلك كلفها الانتخابات . عندما يتم التفكير في عدد التصريحات المخزية التي تلفظ بها ترامب حول الجنود القدامى ، ذوي الاحتياجات الخاصة ، النساء ، المهاجرين : ليس هذا أنه لم يكلفه شيئا فقط ، وإنما علاوة على ذلك ، فإن ذلك كان يرضي قاعدته ويعززها ضمن تأييده .

عندما قمت بكتابة كتاب المشاعر ضد الديموقراطية ، في عام 2021 ، كنت أسعى إلى فهم كيف تمكن بنيامين نتانياهو من البقاء في السلطة ـ وهو ما يبدو شيئا غير قابل للفهم . ولتحقيق هذا الغرض طورت شبكة قراءة للشعبوية الإسرائيلية . وقد بدا لي أني أمتلك القدرة على فهم تلك الشعبوية عبر ممارسة عواطف أربع : الخوف ، الاشمئزاز ، الكراهية وعشق الوطن . إن تلك البنيات السردية ، التي تشتغل معا، تسمح بتفسير سلطة نتانياهو ـ كما يكون بإمكان المرء العثور عليها لدى ترامب وآخرين .لقد تفاقمت كل تلك المشاعر ،في سياق الحرب : محبة الوطن، الخوف والاشمئزاز من العدو ، بطبيعة الحال . على أنه في معظم الأحوال ، فإن ذلك الاشمئزاز المعبر عنه من قبل حفنة من المتطرفين ،  يركز على أمور متنوعة داخل المجتمع : إنهم النسويون ، اليساريون ، المثليون ، العرب ، العلمانيون . وبالرغم من ذلك ، ثمة في الوقت الراهن خطاب مماثل للتضامن القومي حيث تم التكتم عن الاختلافات بين الجماعات داخل المجتمع ، بهدف تعزيز التضامن الداخلي حيال العدو .

لا . بإمكان المرء أيضا أن يلاحظ في الضغينة شعورا ديموقراطيا تماما. وقد يتساءل ” لماذا يمتلك هذا الشخص هذا الشيء وأنا لا ؟ ” ، هذا شيء مشروع . ليس الحسد عرضا من أعراض الديموقراطية  وفي تقديري ، إنه جوهرها . ولقد سبق لألكسيس دو توكفيل (Alexis de Tocqueville) الإشارة إلى ذلك . فانطلاقا من اللحظة التي يتم الإعلان فيها عن أن كل الرجال والنساء متساوون ، فلا مفر من أن يتم التقريب بين بعضهم البعض .

وبالنسبة لحب الوطن فهو ليس متناقضا البتة مع الديموقراطية . فلطالما كان اليسار وطنيا . فالحرب العالمية الثانية هي التي جعلت هذه العلاقة مع الأمة والوطن علاقة أكثر إشكالية . في المقابل ، من الممكن وضع تمييز بين الحب الشامل للوطن ، الذي يتوقع آليات من أجل القبول وإدماج الأجانب ، وبين حب حصري للوطن يرغب في الاحتفاظ بهذا الحب لمجموعة معينة .

أول خاصية للعواطف ، هو أنه بإمكانها الطغيان على مصلحتناـ فلو تفوه ، مثلا ، رئيسي بشيء وقح ، أن أغضب ، وأن يتم إعفائي من العمل ، فإني أفضل ، في تلك اللحظة بالذات ، غضبي على مصلحتي . نفس الأمر ، يستطيع المرء الاختيار أن يصوت لصالح شخص ما ضد مصالحنا، مادام هذا الشخص يعبر عن كراهيتنا وسخطنا. خاصيتها الثانية ، هو أن المشاعر تجعلنا أكثر صمودا إزاء الواقع . فإذا كنت أكن كثيرا من الحب لشخص ما فبإمكاني معرفة أنه يتصرف بشيء سيئ حيال الغير دون أن يغير ذلك من الحب الذي أكنه له .

بإمكان تينك الخاصيتين  تفسير استقرار القاعد الانتخابية لترامب ،بالرغم من الشكاوى أو اكتشاف خيانته لزوجته أثناء حملها . كل تلك الوقائع ليس لها أي تأثير حقيقي على قاعدته الانتخابية . أعتقد أن كل ذلك يمكن تبريره من كون أن الحث على التصويت لصالح ترامب ناتج عن مصدر عاطفي . إنها تندرج في بنية سردية ، قصة ، نسق يسمح بتفسير العالم : ” يرغب ناس واشنطن في انتزاع كل شيء منا ” ، ” إن المهاجرين هم بصدد الحلول محلنا” ، ” لقدعملت ثورة اليقظة على اغتيال كافة قيمنا “ ، إلخ .

لا أعتقد في وجود وصفة سحرية للتخلص من الشعبوية . يتوجب الشروع في إعادة بناء يسار يتسم بالمصداقية نوعا ما ، أكثر قربا من العمال . وبالفعل ، فإن الشعبوية     تتأتى من كون أن جزءا كبيرا من خطاب اليسار ، لم يتمكن من تقديم جواب عن الاستياء ، الذي تشعر به قاعدة كبيرة من العمال من الطبقات العمالية والمتوسطة ، والذين يعتريهم إحساس بعدم إحكام السيطرة على حياتهم اليومية . ويتأتى ذلك أيضا من كون أن السياسي أحبطه التعقيد الاجتماعي ،الاقتصادي والتكنولوجي المتنامي . على الخطاب السياسي أن يعكس القضايا الاجتماعية ، البنيات الاجتماعية ، العلاقات الاجتماعية ؛ إلا أن هذه الأخيرة أصبحت أكثر تعقيدا لدرجة لم تعد معها ممكنة . الميزانية ، التضخم الاقتصادي ، البطالة : فحتى علماء الاقتصاد لم يفهموا محدداتها بصفة دائمة . تحولت السياسة إلى قضية خبرة لا يتقنها حتى الخبراء أنفسهم . إن جواب السياسي لم يكن فقط في تبسيط خطابه ، بل ، إضافة إلى ذلك ، الانسلاخ عن ذلك التعقيد .

كذلك فإن بنيات السلطة أصبحت منتشرة ومعقدة وخاصة مع الشركات التكنولوجية الكبرى ، عمالقة الإنترنت ، الذين بحوزتهم ثروات أكثر من تلك التي لدى الدولة وسلطة إيديولوجية قوية للغاية . إن النظام الثنائي للفكر الماركسي ، على سبيل المثال ، حيث ثمة مالكون ومملوكون ، لم يعد يشتغل البتة . نحن كلنا عمال ـ متطوعون وطوعيون ـ لفكر غوغل والفيس بوك ، الشيء الذي يعقد كثيرا مجال الفكر والعمل السياسي .

أمام تعقيد السياسي والاقتصادي ، يفتقد المرء إلى سلطة حقيقية للفعل .وحدها السلطة الي تدوم ، هي سلطة خيالية يتم تسريعها بواسطة العواطف . تدوم العواطف أكثر في الخيال ـ إن فوبيا الموت الأسود مثلا ، هو تشغيل المرء لخياله .والمجازفة ، من خلال اللجوء المبالغ فيه للعواطف ، هي أن تعيش في عالم متخيل ، ألا تعود في اتصال بعد مع الواقع . خلق فضاءات رحبة خيالية ، مترعة بالإسقاطات والسيناريوهات العاطفية التي تغذي تأويلات مصابة بجنون العظمة للحياة الاجتماعية والسياسية . يسهم هذا في تعزيز الصراعات الداخلية في المجتمع .

الجواب التقليدي لسؤالكم هو الأمل الذي يعتبر عاطفة مركزية في فكر الأنوار . على أنه بالنسبة لي، الأخوة أولا وقبل كل شيء . إنها عاطفة تربط بين اللاهوتي والسياسي ؛ إنها التعبير العاطفي وذات أساس قوي للمثال الأخلاقي والسياسي للنزعة الكونية . إنها التجسد الملموس لتلك الفكرة المجردة . ليست الأخوة في حاجة إلى أن تموضع الآخر في مجموعته الخاصة في ذاتها . بإمكانها أيضا أن تتخذ من الأجنبي موضوعا لها، ذلك الذي لا ينتمي إلى جماعتي . وليس نقطة وصول ، بل نقطة انطلاق ، ولا يتعلق الأمر بابتكار مؤسسات أخوية ، بل بامتلاك وجهة نظر أخوية حول المجتمع وحول الآخر عند إنشاء مؤسسات .

………………………

مصدر النص : Les Grands Dossiers Sciences Humaines n 77 Décembre 2024 – janvier- février2025.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading