حنين الصايغ… الأنوثة وسرديات التمرد

تحمل سرديات «الجماعة» طابعا سيميائيا، يتستّر على المخفي من أسرارها وعلاماتها، وعلى نحوٍ يجعل من القصِّ واسطة للتعرّف على ذلك المخفي، وعلى حمولاته الرمزية والأنثربولوجية، لاسيما تلك التي تكون فيها الميثولوجيا عنصرا بنائيا في تشييد عمران ذلك القص، وما يمور به «متخيلها السردي» من إحالات وتمثلات، ليست بعيدة عن علاقته بسرديات الهوية والطقوس والجسد والمكان، وبكل ما يتعلق بخفايا المجتمع الطقوسي الذي تتمثله عوالم «الجماعة الدرزية».
رواية «ميثاق النساء» للكاتبة اللبنانية حنين الصايغ الصادرة عن دار الآداب 2023 تنفتح على ذلك المخفي ومتخيله السردي، من خلال القيام بخرق مركزيته السردية، ودفع الشخصية الرئيسية « أمل بو نمر» التي «تعيش حياة ريفية محافظة في قريتها الدرزية في جبل لبنان إلى التمرد، وإلى إعادة صياغة وجودها كدافع للتعرّف على كثير من تناقضاته وصراعاته، حيث يتحول الهروب إلى شغف بتحرير ذاتها من التابو وقيوده، ومن المركز الميثولوجي للهوية والمكان وهيمنته، حيث تجد في أسئلة حريتها تمثيلا لوعي وجودي مفارق، تستغرقه الذات المتمردة، عبر استدعاء وظيفة المغامرة، وبالاتجاه الذي يجعل منها أكثر شغفا بالتمرد، وأكثر هوسا بتمثيل سردي مراوغ، يقوم على استثمار توظيفات فلاديمير بروب في كسر مسار الحكي، وفي إعادة هندسة الوظائف السردية، وإعطاء شخصية البطلة حضورا فارقا، تتعالى به عبر تحريك سرديات موازية، تتنامى فيها المغامرة، وحساسية الكشف عن عقدة الذات والآخر، وعما يتبدى من علاقات شائكة بين اللاوعي الميثولوجي، والوعي القلق بالإرادة والحرية والحب.
قرار الهروب من الضيعة «عينصورة» يتحول إلى خيار وجودي، وإلى موقف للتجاوز، فسرية الهروب تتحول إلى واقعة فاضحة لخرق المألوف، في المكان والهوية والجسد، وفي سياق توصيف «الرحلة/ الهروب» حيث الكشف عن تناقضاتها، وتعرية ما يتقوّض فيها، من المكان/ الضيعة، لصالح المكان/ المدينة/ الجامعة، وفي كسر فعل الانتظار «الأسطوري» لصالح فعل الالتئام مع العلم والمعرفة، ومع صورة الآخر المتعالي في الجامعة الأمريكية، حيث تفقد الحياة في مجتمع الضيعة الدرزي إيقاعها، ليكون التمرد على الذات والهوية، رهانا على التحرر من ذاكرة مركزيتهما السردية، وعلى النحو الذي يذهب إلى أنسنة فكرة التمرد، وإلى تغيير مسار السرد من خلال تنشيط ضمائر السرد، إذ يستعيد ضمير المتكلم وظيفته الاعترافية، ليبدو الأكثر تمثيلا لفاعلية الذات المتمردة/ المفكرة..
اختيار العنوان ليس بريئا، فهو عنوان مراوغ، يحمل معه إشهارا أوليا للإيحاء بتمثيل ذلك الخرق السردي، فبقدر استعارته من إحدى رسائل «كتاب الحكمة» لدى طائفة الموحدين الدروز، فإنه يتحول إلى هاجس رمزي تستعيد معه «البطلة» أسئلتها الوجودية، عن ذاتها، وعن حريتها، وعن توقها إلى تسويغ مغامرة التجاوز، عبر الاندفاع إلى الكشف عن كثير من خفايا المجتمع الدرزي، وعمّا يحوط به من أسرار وغموض وطقوس، كثيرا ما تكون المرأة ضحيتها، حيث العزل والكبت والحرمان، وحيث الطقوس المقيدة التي تجعل من «الميثاق» قيدا وحكما تتبدى من خلاله تعاليم الشيوخ الدروز لمريديهم، على مستوى تمثيل عزلة المكان/ الجبال والقرى النائية، أو على مستوى تمثيل الهوية المعزولة والجسد المعزول..
سردية القص في الرواية تبدو وكأنها قريبة من السيرة، تلك التي تتحول فيها حياة «البطلة» إلى حكاية تُروى بضمير السرد/ أنا المتكلم، لتغوص عبرها في عالم حافل بالأسرار والقصص والطقوس، حيث تعمد إلى ربط فعل التمرد بالكشف عما يفضحه من أسرار، ومن هواجس تستدعي سردية موازية لفكرة الخلاص، بوصفها خيارا، أو استفزازا لمواجهة ما يشبه الخطيئة التي تحتاج إلى تطهير، وإلى وعي مفارق، يُحرّض على الاعتراف بها، عبر المغامرة في الحب والعمل والعلم، وحتى في الشعر، إذ يحمل الكتاب الشعري الذي كتبته البطلة/ الروائية عنوانا لافتا وغامضا، إذ تكشف عبارة «فليكن» عن شيفرة غاضبة لاختيار المصير، واحتجاجا خفيا، تبدو الأقرب إلى ما يشبه لعبة تفاوض مع الجسد والوجود، لتأطير فعل الاختيار بوصفه فعلا للوعي، الذي ترتقي فيه الإرادة إلى مستوى الانخراط في التمرد، وبغواية تحرير الجسد من التاريخ، ومن سلطة الخطاب، كمقابل لتحرير تلك الإرادة ذاتها من تاريخ العزلة، وتحرير المكان الدوستوبي من الهامش/ الضيعة/ البيت الزوجي، إلى أفق المدينة، حتى تبدو الأمكنة الجديدة – بيروت، الجامعة الأمريكية- وكأنها أمكنة يوتوبية..
الجسد وتحرير الغياب..
من الصعب عزل كتابة الرواية عن الوعي القصدي، وعمّا يُحيل إليه من شيفرات، تربط هذا الوعي بظاهراتية السرد وبتمثيله للتحولات التي انغمرت بها سيرة البطلة، في لحظة تمردها الوجودي، أو في لحظة احتفائها بحرية الجسد وحرية المكان، حيث تتحول ثنائية «التمرد والاحتفاء» إلى مواجهة فلسفية مع عالم غامر بالصراعات والتناقضات والإكراهات، إكراه الهوية والمكان والطقوس، وحتى إكراه الزوج «سالم» ومحدودية عالم الأب «الشيخ علي» ومحظوراته. هذا ما يبدو واضحا في مبنى حكايتها، حيث الاستجابة لتمرد جسدها، عبر «البحث عن ذاتها خارج إطار الزواج التقليدي» وكذلك عبر ما تسرده عن حكاية جدها الشيخ الدرزي في الفصل الأول «الجدار» حيث يعيش الجد حرمانا وجوديا بعد طلاق زوجته، والدخول في جحيم طقوسي يمنع عنه التواصل لثلاثين عاما معها، بعيدا عن التلذذ برائحة وصوت أنثاه التي تدخل في عزلة التابو، فلا يملك سوى اللغة بوصفها طقسا داخليا ضديا، ينشد من خلاله استدعاء الغائب عبر طرقه الجدار، وعبر مونولوج الاعتراف بالقول «سامحيني يا أمّ علي يلعن الشيطان تسرّعت».
سردية الرواية تقوم على الرغبة بتحطيم رمزية هذا الجدار، من خلال ثيمة الهروب، وتقويض المكان، والعلاقة مع الرجل، حتى يبدو عنوان الرواية وكأنه إحالة ضدية، تستبطن تقويضا لفكرة «السجن» الرمزي الذي يُحرّض على التمرد عليه، وعلى المقايضة معه، عبر الخضوع إلى مساومة خيار الزواج، مقابل القبول بتعاليمه، الذي يُعدّ خرقا للمألوف، وشروعا للتفكير بالخلاص منه، حيث الهروب من المكان «المعادي» بتوصيف باشلار، ومن الزوج الطقوسي الذي ظل يمارس انتهاكه الجنسي لثلاث عشرة سنة، عبر سلطته في إكراه الجسد على الانجاب من خلال عمليات التلقيح الاصطناعي، التي جعلت من جسدها مشوها ومسكونا بالعطب الروحي والوجودي.
تحرير الجسد، عبر تحرير الغائب منه يمكن أن يكون لعبة سردية فارقة، أرادت الروائية من خلالها، استدعاء حضور الذات الفاعلة، ليس بوصفها نقيضا، بل كتمثيل لوعيٍ فلسفي لمفهوم الأنوثة الفاعلة، ولما يرتبط بها من وعي أنثروبولوجي لمفهوم الهوية والعلاقة مع الآخر، والنظر إلى الطقوس والأزياء والعلاقة مع الرجال، ليس بوصفها سلطة، أو «ميثاقا»، بل كونها حياة رتيبة وموحشة تتطلب التجاوز على ممنوعاتها، وعلى قسوتها، وعلى عزلتها التي تتكرس عبر إكراهات الجسد والمكان والحب. الرهان على تحرير الجسد يضعها أمام مفارقات معقدة، بدءا من علاقتها مع المكان، وليس انتهاء بعلاقتها مع الرجل، الذي تعشق، وهو المختلف، والبعيد عن ملتها، لكنها تجد في حريتها وعيا بتجاوز أزمتها في الجنس والحب والنظر إلى الآخر، بما يجعلها مسكونة بمفارقات وصراعات وجودية، وفي مأزق يُدخلها في صراع نفسي من الصعب إجهاض الممنوع المخفي فيه، وهو ما يُسقطها في نوبة من الكآبة والألم، فلا تجد سوى المزيد من الحرية والحب والسفر، خلاصا رمزيا، وللسيطرة على خوفها الذي يعكس أزمتها الوجودية..
نسوية الرواية وسردية المدينة..
هل يمكن القول إن هذه الرواية «نسوية» بالمعنى الجندري؟ وهل إن حمولتها السردية تدل على هذا التوصيف، وعلى ما تعترف به الساردة؟ هذه الأسئلة تفتح جدلا حول هوية الروائية النسوية، وحول علاقتها بالوظائف، وتمثيل المبنى السردي ومتنه لأغراضها، ما يجعلنا أمام قراءة تتلمّس دلالتها من خلال العنوان، كعتبة سردية، وعبر توظيف الضمير السردي «أنا» المتكلم» وكذلك عبر الحبكة الروائية التي تدور حول المرأة واحوالها وتحولاتها، وحول الطابع الحكواتي الذي تقوم بسرده الروائية بلغة شعرية، تتماهى مع سردية الأنثى وهي تعترف وتتمرد وتبحث عن خلاص لوجودها عبر التمرد على الهوية وعلى المكان..
تحمل رواية «ميثاق النساء» سؤالا أنطولوجيا عن علاقة الحكايات فيها مع سردية المدينة/ المكان، ليس بوصفها ملاذا، بل بدلالتها كفضاء للحرية، وللاعتراف بخطايا الجسد، فما تصنعه المدينة عبر أمكنتها الموازية – الجامعة، المقهى، الشارع – يأخذ بعدا يتجاوز ما هو رمزي إلى ما هو واقعي، حيث تتحول إلى المدينة إلى مكان متعال، له سردياته الفائقة، سردية «المتكلمة» التي تلبس قناعا شهرزاديا، تحكي عبره عن تحولاتها الشخصية، وعن علاقة الحكي بخلاصها، وعن سيرتها التي تستعيد الماضي كنوع من التطهير، إذ تبدو حكايات الجد والجدة والمجتمع التقليدي المعزول، نظيرا للعلاقة الغرائبية مع الزوج، ومع السيرة والهوية، وهو ما يجعلها أكثر انحيازا للمغامرة، بوصفها وعيا بحريتها، وبرغبتها الانعتاق من عقدة الجسد المنتهك، ومن عقد «الهويات القاتلة والمقتولة» وعلى نحوٍ يجعل من واقعية السرد تمثيلا للاحتفاء بالحياة، عبر الاحتفاء بالجسد أولا، والاحتفاء بالحب ثانيا، والاحتفاء باللغة ثالثا، حتى يتبدى هذا الثلاثي وكأنه تمثيل لـ»ميثاق ضدي» تكتبه الأنثى التي تعي تناقضات جسدها وهويتها.. وعي الجسد يعنى وعي علاقتها بالآخر، فبقدر كابوسية هذه العلاقة القهرية التي عاشتها البطلة مع الزوج، فإنها وجدت في علاقتها مع أستاذها خلدون إحساسا بالألفة، والشغف، وحتى علاقتها مع الكاتب حامد بدت وكأنها قناع لاحتواء وجودها، وللتعرّف عليه بعد تمردها، لاسيما بعد هروبها وتحولها الهوياتي والعاطفي، لأنه يحمل معه قناع رجلها الآخر بالمعنى الإشباعي والتعويضي..
كاتب عراقي






