حرام -ديانا مريم
بعد أن سمعت والدتي تقول إنها مريضة ولن تقوى على إيقاظنا صباحاً، رسالة مبطنة منها أن اعتمدن على أنفسكن. صرتُ المسؤولة عن تحضير مائدة الإفطار لأخواتي، رغم البرد والعتم والاستيقاظ المبكر. على مدى أيام دراستي، في المرحلة الإعدادية، بشكل يومي، خوفاً من التأخر عن المدرسة. ناهيك عن صوت الموجهة العالي مسؤولة الدوام، الذي لا يكاد يغادر سمعي. كان منبهي هو صوت ساعة الحائط المعلقة على الجدار الفاصل بين غرفتنا و غرفة الأهل في بيتنا العربي الواسع بفسحته، حيث تدق الساعة على تمام الوقت، ونصفه. بيتنا الذي يحتوي عدداً كبيراً من الأشجار المثمرة، لا تهدأ أغصانها والأوراق عن عزف موسيقاها الشجية التي في بعض الأحيان تبعث على الخوف و القلق، الأصوات، والخيالات التي ترسمها على الأرض والجدران المحيطة بالبيت، أمام خيال صبية بعمر الورد، المُحبة والمتسامحة، وفي بعض الأحيان غير قادرة عن الدفاع عن أبسط حقوقها لسبب في بنيتها، وأسباب لا تعي أبدا كيف يجب عليها أن تتجاوزها أصلا، في بيت كثيره بنات. يتهيأ لها وجود أشخاص يختبؤون خلف الظلال ليلاً و نهاراً. “حرام” أن يغادرن البيت صباحاً دون وجبة الفطور، حيث الدوام الطويل في بعض الأحيان. أمام قلبي الموجوع دائما، كنَّ يتمادين في انتظاري لأداء المهة بنجاح، دون أن يكلفن أنفسهنَّ بالمساعدة ولو بأقل الأشياء. كلما قلتُ كلمة حرام، يزيد اتكاؤهن على قلبي الصغير، لا أنسى يوم دقت الساعة دقة واحدة، خانني تقدير الوقت، لاستيقاظي المتكرر الذي هو الخامسة والنصف صباحا، كانت قد تنبهت أعصابي لنفس الساعة كل يوم. بعد ان أعددتُ الإفطار مرتبكة خائفة، جلستُ أمام المدفأة الخجولة أسرح جديلة شعري الطويل، سمعتُ صوت الساعة تعلن أن الوقت هو الثانية ليلاً، يا لهول المفاجآة، كيف سأخرج بهذا الوقت من الغرفة، لربما تسلل حرامي من بين الأشجار، أو حتى خيال قطة، مازاد ضربات قلبي، يا لحزني كيف انقطع نومي والكل نيام، متى سأنتهي من تأنيب الضمير، ولا أحد يفكر بي. أيقظتُ أختي التي تقربني عمراً (فقط) أخبرتها بالوقت، نهرتني بعصبيتها ومزاجيتها المعهودة وقالت: لمَ توقظينني إذن؟ قلت: أخاف أن أخرج من الغرفة بهذا الوقت، قامت على مضض وهي تتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة، حسناً ها أنا قمت، مجرد أن سمعت هذه الكلمة دبّت الروح في أعماقي، أطفأتُ أنوارَ المطبخ بسرعة بعد أن أحضرت إبريق الشاي، هي عادت لفراشها الدافئ، أما أنا تكورت حول المدفأة آخذة عهدا على نفسي، لن أبقى تحت رحمتكن ستكون آخر مرة أقوم بها بتحضير فطوركن، سألغي كلمة حرام من قاموسي، سأكتفي بسندويشة تدفئ حقيبتي. كان قراراً حاسماً بالنسبة لي، أطفأ كل أشكال تأنيب الضمير. أمي التي أخبرتها بعد عودتي من المدرسة، لم تطفئ اشتعال قلبي، إذ كررت كلمة “حرام، حرام،” أكثر من مرة، فعرفت أنني أم صغيرة بالفطرة.






