جذور الفساد – عبدالناصر هارون/ سورية

ما إن وصلنا مدخل الإسعاف..حتى اجتمع عدد كبير من الممرضين والممرضات؛ وكأنهم كانوا ينتظرونا.. أو أنهم شعروا بصيد ثمين..وهذه هي القاعدة الأساسية في المشافي الخاصة..على وجه السرعة انزلوا أمي من الحافة ووضعوها على تذكرة الإسعاف وانطلقوا بها إلى إحدى الغرف للمعاينة..سمعت أحدهم يقول : اذهب إلى المحاسبة وادفع سلفة تأمين..قلت نعم..حاضر…أكملوا عملكم..كانت أمي شبه ميتة..دفعت للمحاسب مبلغاً كبيراً ؛ قال لي هل تعرف أجور هذا المشفى..قلت لا..لكنني أعرف أنها أغلى مشفى في المدينة..قال حسنا..عليها العافية..عدت إلى الإسعاف بسرعة وجدتهم قاموا بكل ما يلزم من تصوير وتخطيط للقلب..واستدعوا أشهر دكتور قلبية ليراقب حالتها ويعالجها..
في هذه الأثناء توقفت أختي الصغرى عن البكاء والنواح وابي بدأ يستعيد قواه حين طمأنه الطبيب ..وأن وضعها سيتحسن..
نقلوا أمي إلى غرفة العناية المشددة وأعطوها كل مميعات الدم..وعلقوا السيروب..في هذه الأثناء طلبني الدكتور بشيء من الهمس وقال لي: أمك معها( جذع دماغي) لم افهم ما هذا المصطلح ..فقلت:
ماذا يعني؟؟
قال : يعني انسداد الشرايين..بمعنى جلطة قلبية..أحسست بالخوف والانهيار..
قال: الأمر بيد الله..نحن فعلنا كل مايلزم من أجلها..كانت أمي بحالة موت سريري فقط تشير بنظرها إلينا دون أن تستطيع الكلام..ابدا
مضت تلك الليلة المشوبة بالخوف والقلق
أختي لم تتوقف عن البكاء لكن ابي كان مايزال متماسكاً يود أن يبكي لكن ربما كبرياؤه كان يمنعه..
في الصباح الباكر أتى الطبيب المعالج..ربما كان يدرك أن أمي ليست بخير..حاول وضع السماعة على صدرها..لكنها كانت تشير بالنفي..فقلت له لا تريد أن تكشف عن صدرها أمامك..لأنها لم تنكشف على طبيب طوال عمرها..ففحصها من فوق الثياب..
قال لي: وضعها سيء للغاية..سنعطيها رذاذ وتنفس اصطناعي..
قلت ارجوك تصرف دكتور…إنها أمي..
جاءت الممرضات على عجل ونقلوها إلى غرفة الإنعاش…
مضت بضع دقائق حتى أعادوها إلى سريرها..شخصت عيناها بي وكأنها تودعنا
سمعت شخرة طويلة ..ثم توقف كل شي
وكأن الحياة توقفت حينها..مددت يدي ومسحت ووجهها وأغمضت عينيها وطبعت قبلة على جبينها..انفجرت أختي بالبكاء و النواح وهنا رأيت أبي يبكي والدموع تنهمر من عينيه..
طلبوني إلى المحاسبة لأسدد ماتبقى..
كان كل أخوتي وأولادهم ينتظرون أمي..
لكن أمي ماتت….
وقفت أمام غرفة الموتى..لأستلم جثة أمي
لكن حارس الموتى رفض وبكل وقاحة..
استغربت لماذا يتمترس وراء الباب ويرفض تسليم الجثة وأنا غير مدرك من شدة الحزن لفراق لأمي..
نظرت باندهاش لهذا التصرف..ولكني عرفت
أنه يريد الإكرامية..إكرامية الميت..
فناولته قطعة نقدية مجزية..أخذها بكل ندالة وصفاقة وابتسم في وجهي معربا عن رضاه..ففتح الباب..وساعدني بإخراج أمي إلى الشارع..
وقتها أحسست بتفاهة الحياة وتفاهة قيمة الإنسان في هكذا وطن..





