السرد الأدبي

تناثرات القوّة – د. وجدان الخشاب / العراق

صورة لامرأة ترتدي حجابًا أزرق اللون وتضع نظارات شمسية على رأسها، تبتسم برفق. الخلفية دافئة وفاتحة.

   الصفير والعويل المتوهجان ، يدفع كل منهما بصداه الفاضح إلى أُذنيه الغافيتين في ظلِّ رقودٍ فرشَ دثاره الآسر مطمئنًا ينتظر / ارتجّت مفاصله وطيَّرت آلاف الكُتل المتلامعة من عينيه ، لتمرَّ عبر جسده المُثقَّب بالارتجاف / للحظة بدا مشدودًا إلى أرض لم تعُدْ تبدو له أرضًا / إنَّها الحيرة القَنوط تلك التي فاجأته بقوة نابضة استيقظت جذورها / تدافعت أغصانها وأوراقها وأعصابها ثمَّ تناثرت هباءً على ما يبدو جسدًا له .

   اندفع كدسٌ من الهواء / أحسَّ به يرفضه حين حاول أن يتفيأ بهبوبه { ها أنتَ مرّة أُخرى بين يدي خيالاتك / ادفعْ بها خلف أسوار لا أحد يعرف أين تنتصب ، أو سِر بها خلف مشعلٍ يُضئ سنين ضائعة لينقذها من جنوحها … خيالاتك هشّةً وفانيةً وعتيقةً تمامًا ، تتشمس في صحراءٍ للطحالب والقواقع، أو ربَّما لأعشاش اللقالق المحنّطة ، ادفع بها … نعم أو ادفع به الملح في قدح الشاي المسائي ودعه يتعكر } …

   يصرخ / لمن ؟/ يحاول / التأريخ يصمت ويتغافل / الرمل الحارق لم يعُد يعني أرضًا / الأرض رغم علاماتها ومساريها بدت فارغة / الكون مُجوَّف يهيم فيما يشبه الأحراش المتراكمة / العيون مطبقة على حزنٍ يلمع .

احترّت رئتاه … لهاث … اللهاث هواء أصفر … بل شيء من هواء بلا رائحة / بدا خائفًا … أو ربّما الخوف ذاته كان خائفًا ! كلّ ما حوله بدا خامدًا إلاّ هو الجاثم بقوّة جسد مُلقى بإصرار باهت على الأرض !

  لماذا يلج قبورًا مسالمة تطوي ذكريات تتستر، وأسرار تصدم ثمَّ تتهاوى لتُنسَ مرّة أُخرى في ظلامٍ طاغٍ وغير عابئ . امتدَّ … لم يمسك إلاَّ فراغًا / بدأ يقطر دمعًا أو ندمًا مثل غيومٍ دكناء تطمح أن تفعلها ولا تجرؤ … الغيوم !

الغيوم !

لم تكن خرساء … دائمًا كانت تمطر وتمطر … لكنَّها الآن خاملة جاحدة تجثم على أنفاس الفراغ !

   تلفّتَ ، تبدت له الأشياء أجسادًا مسدولة ، بل ربّما هي أرواح تهيم ويعلو لهاثها … لهاث أثقل من أنفاس الهواء ، أجساد مغمورة تتساند في استرخاء … وترقد على ما دُعي شبابًا يومًا ما ، تُدفِّئه وتصرُّ على ألاَّ يغمره النسيان .

   مُكوَّمًا بدا وهو يصغي إلى هديرها ، تلك المتاهة المغلّفة بالحلوى واللُعب ، وكثيرًا من منطوقة : تعال / المتاهة الطفلة ، بل هي مرسومة طفولية تحيك قصّة حبوٍ وأيدٍ حانية تلاحق فضولها ، تسندها وتدفع عنها أذىً وغبارًا ودمعة … لكنَّه كان يندفع بعيدًا / يعتزل ويرنو / هكذا هو دائمًا / يرنو من زاوية عالمه إلى اُفق بدا له ممتدًا وخرافيًا أيضًا / هل يندفع إلى يوميات الخرافة بأساطيره وحبكاته وموجات مزاجه الكثيف مثل زخّة مطر ؟

يدنو ويفتحه سجل طفولة مهجورة لم تتفق مع أي شيء ، لكنَّها تلهج أمام عينيه لتدفع إلى ذاكرته السؤال ذاته : هل كانت طفولة تمامًا ؟

ذاكرته .. تترك السؤال مُعلَّقًا وتزحف بعيدًا ، كما يزحف الضجر حاملا عجائز كسالى يتلاشون وتذوب أقدامهم في تلاحق السنين … تزحف تاركة مخاوفه تتساءل :

هل يكتفي بالارتماء وراء سوء اللحظة الحاضرة مصغيًا إلى أنفاس الأجساد الهامسة أو الهادرة ؟

هل – حقًا – يكتفي ؟

بائسًا يمتدُّ / مهزومًا من مراسمها يومياته التي استيقظت لتُشجِّر أحزانه وأساه … بل ربّما كانت تستنطقه :

هل كنتُ طفولة ! لنمشِ معًا مُنقبين !

لكنّه يخاتل …

يهرب مذعورًا مرّة أُخرى !

ها هو … تحاصره الأوراق والأقلام وما يشبه سكين الخاصرة … ومحابر تسفح الحرف الغامق … تترصد ذاكرته صحبة مشاغبة لأوزار تتلوّن بدهاء أو ما يشبه كبرياءً ممزوجًا بخوف … خوف يجرِّده ليرمي به إلى عزلة بلهاء ، ويتساءل : هل كانت أوزارًا ؟

أم كانت رغبات مورّثة بفيض خيال / يحار بها / هو / الحائر الغائم أبدًا برغبات ومطامع بدت الآن مدائنًا أو ربَّما مدافنًا بشواهد غائمة الأحرف …

   أطلقَ ما يُدعى صراخًا .. ليتراكم على وجه الفراغ الذي دفع به إليه ليبتلعه مجبرًا مع الهواء / صراخ .. صراخ .. يرّن بإلحاح تدفقَ على صفحات مخطوطات غامضة .. تفتح أبواباً سرّية ومساكن خاصة تمامًا ، وتنشرها لشمس نهار صيفي …

وهكذا …

لم يعد يستدفئ بالأنفاس الموعودة / الماء الحارة تغادر / اختناق أغبر يتوهَّج / هل هي المساحة البيضاء – ذاتها – التي سكب عليها أصباغ اعترافاته الملوّنة لتسترخي ولا تقوى على الوقوف ؟

أين رائحة الملح التي بثّتها الاعترافات المخيفة – النادمة – لهالكين يندفعون وراء مادة اعلانية لها ذائقتها الكريهة ؟

   تسلّقها تلك العيّنات من الاعترافات .. ليحوِّلها إلى آثار دالّة في متاهة دروبه المؤدية إلى اللا مكان … أو ربَّما إلى أعوامه المظللة بزمان بلا توقيت .

   تلك نبضات صائتة لهالكين / وهذه صخور لا تحتفظ بآثار من خوّضوا في ضحالة مياه الحياة / وهنا .. ها هو مكوَّم يشبه جسدًا ما وفي فمه لسان لم يتوقف عن الصمت .

انتفض فبدا للحظةٍ .. ضئيلا / يتوارى في ذرّة من هذا السجن الرملي الأزلي / وحيدًا / وحدة صبيرة هرمة تعبُّ ماءً آجنًا فيصادرها الخوف / تتوارد الصور والعلامات فتملأ فمه ، ويتوق إلى تدفقٍ ما يسحل الراحة بعده .

   هام هنا وهناك ، لملمها لحظات الدمع المضيء والمعتم معًا / جبلها بدمٍ لفظته العروق المطحونة بوهجٍ من كبرياء متحجر يتشرّب بالبكاء / ليخبئها – اللحظات إيّاها – في ثنايا ناضجة تنتظر مَن يهوي عليها .. فيناثر وجودها الغامض .. لتصبح حطامًا مُعلَنا .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading