تجليات النور والقداسة في القصيدة العمودية المعاصرة:قراءة نقدية في سيميائية التجلي الصوفي لقصيدة : بنت العراق


الشاعر حامد خضير الشمري – العراق
الناقد د.عبدالكريم الحلو – العزاق
═════════════════
الفصل الاول
قصيدة : بنت العراق
حامد خضير الشمري
لمسَ الإلهُ جبينَها فتألَّقا
وزها الوجودُ بنورِها وتأنَّقا
حوريةٌ هبطتْ من الفردوسِ قد
بهرَتْ بروعتِها الحِجى والمنطقا
ضلَّت فظلَّت في الثرى أعجوبةً
حتى استحالَ بنفسجاً أو زنبقا
أنَّى تحلِّقْ تغمرِ الدنيا شذاً
وإذا تهادتْ في يبابٍ أورقا
أعيَتْ سليمانَ الحكيمَ وجِنَّهُ
وجنودَهُ وسَمَتْ فعزَّ المرتقى
فكأنَّها أولى نبياتِ الهوى
هيهاتَ يوماً مثلُها أن تُخلقا
خطواتُها نَغَمٌ ومن إيقاعِها
فاضَ الفؤادُ صَبابةً وتدفقا
فيها من الأسفارِ نفْحُ قداسةٍ
يُضفى عليها كلَّ حينٍ رونقا
فيها تُقى الزهراءِ، عفةُ مريمٍ
وجمالُ عشتارٍ عليها أشرقا
ما أنجبتْ أو أرضعتْ إلا الألى
بهروا الكواكبَ بالشهامةِ والنقا
من لمْ يفُزْ يوماً بها لن يرتوي
ممَّن سواها في الورى أو يعشقا
طهُرتْ فلا يرقى سوى مَلَكٍ لها
أو مُخْلَصٍ وُهِبَ النبوة واتَّقى
أغفو بهمستِها كأنّي شاربٌ
خمراً تلألأ في الدِّنانِ مُعتَّقا
رقّتْ كما البلور حتى أنَّني
أبصرتُ فيها الرافدينِ ترقرقا
الحبُّ وحيُ الله يبقى فائحاً
حتى إذا ما العاشقان تفرقا
حلوٌ مُحيّاها وشهدٌ ثغرُها
وعلى ربى الشَهْدينِ مِسكٌ مُنتقى
بنتُ العراق أصالةٌ وجلالةٌ
بلغت بما فيها الكمالَ المطلقا
توطىة :
” بنت العراق “
هي لم تكنْ قصيدةً
مرَّتْ كغيمةٍ صيفيّةٍ ومضت،
بل كانتْ وطناً صغيراً
أقامتْه في صدري
شهرينِ كاملين
كلُّ صباحٍ
تفتحُ لي نافذةً
على ضوءٍ جديد
وكلُّ مساءٍ
تغلقُ باباً من أسئلتي
وتتركني أخفَّ قلباً
وأعمقَ حيرة
كانت تجلس قبالتي
ككائنٍ من نورٍ وأنفاس
أصغي لنبضها
وأرتّبُ أنفاسي
على إيقاع خطاها
كلّما قلتُ :
ها قد بلغتُ معناها
انفرج فيها أفقٌ آخر
وأضاءت في عتمة فكرتي
مصباحاً لم أكن أعرفه
شهران
وهي تعلّمني
أن النصَّ مرآةٌ
ترى فيك ما لم تره في نفسك،
وأن الحرفَ صبرٌ
يختبرُ صدق العابرين،
وأن التأمّلَ شراكةٌ خفيّة
بين قارئٍ يتلمّس الطريق
ونصٍّ يعرف أكثرَ مما يقول
لم أقرأها فحسب
بل سكنتُها
وتركتُ لها في روحي
مقعداً دائماً
لا يُزاحمه كلام.
ثم نهضتُ منها
كما ينهضُ عاشقٌ
وقد تعلّم أخيراً
كيف يرى
بنتَ العراق
═══════════
الفصل الثاني
مقدمة البحث :
لكي نفهم تموّج الخطر في شعر حامد خضير الشمري، لا بدّ أن نداهم الروح أولًا، فنكشف أغوارها ودهاليزها، ونسبر أسرارها الخفيّة ، إذ لا يُقرأ هذا الشعر من سطح عبارته، بل من عمق ارتجافه الداخلي.
وبعد ذلك نتبيّن مفهوم الجمال لديه : أهو جمال الطمأنينة ؟
أم جمال المكابدة؟
أهو صفاء الصورة أم توتّرها؟
عندئذٍ فقط ندخل مسارات رحلتنا النقدية مطمئنين، آمنين من التعجّل، سائرين في الاتجاه الصحيح،
حيث يتكشّف النص أمامنا لا بوصفه ألفاظًا، بل تجربةً روحيةً مكتملة الأبعاد.
هنا أصبح الولوج إلى البعد الروحي
قبل التحليل الفني ضرورة علمية :
( ١ ) مداهمة دهاليز الروح :
عشق الشمري لبغداد وأزقتها وسيداتها يدل على حساسية فائقة تجاه البيئة المحيطة والجماليات الدقيقة.
هذه القدرة على الاستشعار العميق للتفاصيل، سواء في المكان أو الأشخاص، تشير إلى شخصية عاطفية عالية الانفعال، مفتوحة على الانطباعات الجمالية، وتمتلك القدرة على التحول العاطفي إلى رمز شعري.
عدم زواجه ممن يحب يعكس صراعًا داخليًا بين الرغبة والالتزام الشخصي أو القيمي ، هذا الصراع قد ينشأ من:
خوف من فقدان الحرية الإبداعية، فالحياة الزوجية التقليدية قد تحد من مساحة الشاعر التعبيرية ، حساسية مفرطة من الخيانة العاطفية أو الجرح النفسي، مما يجعله يختار الانعزال العاطفي كوسيلة للحفاظ على نقاء شعوره.
تحويل الجرح أو الصدمة العاطفية إلى وقود شعري، أي أن الشاعر لا يكبت شعوره، بل يحوّله إلى طاقة إبداعية، فيصبح الحب معلقًا في النص الشعري بدلاً من الواقع.
كمالحب كوجود وجداني
وليس علاقة تقليدية
الشمري يعيش الحب على المستوى الوجودي والرمزي أكثر من المستوى الواقعي. فهو لا يحتاج إلى التملك أو الزواج، بل إلى تجربة العاطفة في فضاء رمزي وجمالي ، هذا يتوافق مع سمات الشخصيات الرومانسية المركبة نفسيًا، التي تجد الحب مصدرًا للمعنى والارتقاء الروحي أكثر من كونه علاقة حياتية عملية.
الصدمة الناتجة عن عدم القدرة على الزواج ممن يحبها لم تُضعفه نفسيًا،
بل أشعلت وجدانه وجعلته يحوّل الألم
إلى شغف شعري متوهج.
هذا يدل على شخصية تحوّل الألم النفسي إلى طاقة إبداعية، وهو ما يشبه عملية “التحويل النفسي ”
عشق الشمري لمدينة بغداد وأزقتها وسيداتها جعل من تجربته العاطفية رحلة أسطورية؛ فهو يعيش المدينة والمرأة كرمز كامل للكمال والجمال والوجد، وليس كواقع يومي محدود.
هذا يشير إلى ميل نفسي للانغماس في الرمزية والفانتازيا، وهي خاصية تعزز الإبداع الشعري لكنها تجعل من الشخص حذرًا في العلاقات الواقعية.
( ٢ ) فلسفة الجمال عند الشمري :
الجمال عند الشمري وليد التوتر
وليس السكون ، يشكل الجمال في تجربة الشمري محورًا بنيويًا لا عنصرًا زخرفيًا عابرًا.
إنه ليس وصفًا للشكل، بل رؤيةٌ للعالم. فالجمال عنده قيمةٌ عليا تتقاطع فيها الروح بالوطن، والأنثى بالهوية، والرمز بالتاريخ.
الجمال بوصفه قداسة :
يتجاوز الشمري الجمال الحسي إلى جمالٍ مؤلَّه، حيث تتعانق الصورة الأنثوية مع الإشارات الدينية والأسطورية.
إنه يرفع الجمال من مستوى الإدراك البصري إلى مستوى الإشراق الروحي، فيصبح الكائن الجميل حاملًا لنورٍ يتجاوز المادة.
الجمال كهوية وطنية :
✦ في قصائده، تتحول المرأة إلى استعارة للوطن، ويغدو الوطن أنثى متجلية في هيئة كمال ، هنا لا يعود الجمال فرديًا، بل جماعيًا ، جمالًا يختزل حضارة العراق وعمقه التاريخي، ويمنح القارئ شعورًا بالفخر والانتماء.
الجمال كطاقة تأثيرية :
✦ لا يقف الجمال عند حدود الوصف، بل يصبح قوة فاعلة تغيّر المحيط. فالشخصية الجميلة عنده تُربك الحكمة، وتُدهش العقل، وتؤثر في الكون الرمزي للنص.
✦ إنه جمالٌ فاعل لا ساكن.
الجمال والمثالية :
✦ يميل الشمري إلى تصوير الجمال في صورته المطلقة، حيث تتضاءل الهشاشة البشرية أمام كمالٍ متعالٍ.
وهذه النزعة المثالية تمنح نصوصه نبرة فخمة عالية، لكنها تُبقيه في فضاء رمزي أقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع اليومي.
فلسفة الجمال لدى الشمري لا تقوم على الحُسن بوصفه مظهرًا، بل على الجمال بوصفه حقيقةً كونيةً وروحية.
إنه يرى الجمال تجليًا للنظام الأعلى في الوجود، وانعكاسًا لانسجامٍ خفيٍّ بين الإنسان والعالم.
الجمال بوصفه مثالًا أعلى :
✦ يميل الشمري إلى المثالية ، فالجمال عنده ليس ناقصًا أو عابرًا، بل متعالٍ، يقترب من الكمال الأفلاطوني.
الشخصية الجميلة في نصوصه تتجاوز حدود الجسد لتغدو رمزًا للنقاء، والسم، والخلود.
الجمال والقداسة :
✦ يتداخل الجمالي مع المقدّس في شعره تداخلًا عضويًا.
فهو يستحضر رموزًا دينية وتاريخية ليؤكد أن الجمال ليس زينةً حسية، بل إشراقًا روحيًا ، هنا يصبح الشعر وسيلةً لاكتشاف البعد النوراني في الإنسان.
الجمال كهوية وانتماء :
✦ عند الشمري، يتجسد الوطن في صورة جمالية ، الأنثى ليست فردًا فقط، بل استعارة حضارية، تختصر التاريخ والذاكرة والهوية. وهكذا يتحول الجمال إلى قيمة وطنية، تُعيد تشكيل الانتماء عبر اللغة.
الجمال كقوة تأثيرية :
✦ الجمال في نصوصه ليس ساكنًا، بل فاعلٌ ومؤثر ، إنه يغيّر المعنى، ويصنع الدهشة، ويمنح النص طاقةً شعورية عالية. فهو ليس موضوعًا للوصف، بل محرّكًا للرؤية.
بعد هذه المقدمة الطويلة
نستطيع القول :
” القراءة السطحية تُضلّل الحكم النقدي
بينما المنهج الواعي يسبق إصدار القيمة
بهذا التمهيد يصبح المدخل النقدي
أكثر تماسكً وأقرب إلى لغة البحث الأكاديمي الرصين.”
══════════════════
الفصل الثالث
الدراسة النقدية
( صوفية – رومانسية )
لقصيدة «بنت العراق»
يفتتح الشاعر نصّه بلمسة إلهية:
«لمسَ الإلهُ جبينَها فتألّقا»
وهنا ندخل مباشرة في أفقٍ صوفي ، فالنور ليس وصفًا جماليًا فحسب، بل تجلٍّ. إننا أمام صورة قريبة من مفهوم “الفيض” في التجربة العرفانية، حيث الجمال أثرٌ من أثر العلو، والأنثى تصبح مرآةً لنورٍ متعالٍ.
الرومانسية هنا لا تنفصل عن الروحانية؛ فالحب ليس نزوعًا جسديًا، بل إشراقٌ كونيٌّ:
«وزها الوجودُ بنورِها وتأنّقا»
فالوجود يتأنّق بها، أي أنّها مركز الجمال ومحرّك الإيقاع الكوني.
الأنثى بين الفردوس والأسطورة :
«حوريةٌ هبطتْ من الفردوس»
فنحن أمام إسقاط سماوي يمنح الشخصية بعدًا مثاليًا. لكنها لا تبقى في السماء؛ إنها “تضلّ في الثرى”، فتجمع بين العلوّ والتراب، بين المثال والواقع.
ويكتمل البعد الميثولوجي بذكر ( عشتار ) حيث تتداخل القداسة المسيحية (مريم)، والطهر الفاطمي (الزهراء)، والجمال الرافديني الأسطوري، في تركيبٍ رمزي يجعل “بنت العراق” أيقونة حضارية جامعة.
البعد الصوفي
«الحبُّ وحيُ الله يبقى فائحاً»
يصرّح بالجوهر الصوفي للنص.
فالحب هنا وحيٌ، أي وسيلة معرفة وكشف.
وهذا يقارب مفهوم “المحبة” عند المتصوفة، حيث العشق طريقٌ إلى المطلق، لا مجرد علاقة بشرية.
«أغفو بهمستها كأني شاربٌ خمراً»
تحيل إلى الخمرة الصوفية، خمرة المعنى
لا الشراب، نشوة الفناء في الجمال.
الرومانسية المثالية
وتقديس الأنثى
والقصيدة تنتمي بوضوح إلى الرومانسية المثالية؛ فالأنثى مطلقة الصفات:
نور، قداسة، طهر، كمال.
هي ليست فردًا بقدر ما هي رمز:
رمز الوطن،
رمز الأرض،
رمز العراق المتجسّد في صورة أنثى.
«رقّت كما البلور حتى أنني
أبصرت فيها الرافدين ترقرقا»
يتحوّل الجسد إلى شفافية وطن، وتصبح الأنثى مرآةً للهوية.
النزعة الكمالية والبعد المثالي
تبلغ القصيدة ذروة المثال في:
«بلغت بما فيها الكمال المطلقا»
وهنا يصل الشاعر إلى ذروة التقديس، وهو ما ينسجم مع الروح الصوفية التي ترى الجمال انعكاسًا للكمال الإلهي.
أفق التجلي الوجودي عند الشمري
قصيدة «بنت العراق» لا تُقرأ بوصفها مديحًا أنثويًا تقليديًا، بل بوصفها خطابًا يتوسّل لغة التجلّي ليعيد تشكيل الواقع في صورةٍ مثالية متعالية.
هنا تتحول المرأة إلى كينونة رمزية تتجاوز الجسد والتاريخ، لتغدو معنى وجوديًا مشرقًا.
التجلّي بوصفه إشراقًا علويًا
المطلع: «لمس الإله جبينها فتألّقا» يضعنا في فضاء إشراقي؛ فالجمال ليس صفة مكتسبة، بل أثرٌ من أثر العلوّ. هذا انتقال من الوصف الحسي إلى الإشعاع الميتافيزيقي.
الأنثى هنا ليست فردًا،
بل تمثيلًا للعراق – الهوية – القداسة. وعندما يقول:
« أبصرتُ فيها الرافدين ترقرقا»
يصبح الجسد وعاءً للتاريخ والجغرافيا، أي أن الكينونة الفردية تنحلّ في الكلّ الوجودي.
بـ «بلغت بما فيها الكمال المطلقا» يضع النص في أفق أفلاطوني؛ حيث المثال أعلى من الواقع، وحيث الكمال قيمة متخيَّلة تُستحضر شعريًا لا تاريخيًا.
الانسلاخ من الواقع
الشاعر لا يصف امرأة واقعية، بل يجرّدها من المحدودية الزمنية.
تتراكم صفات القداسة:
( الزهراء، مريم، عشتار)
لتصنع نموذجًا أسطوريًا مركّبًا.
هنا يحدث انسلاخ جمالي
من اليومي إلى المتعالي،
ومن الواقعي إلى الرمزي.
القصيدة إذن تمارس نوعًا من الهروب الإيجابي من واقع مأزوم نحو مثال متخيَّل نقيّ.
يبقى السؤال الحائر والمهم :
هل دخل الشمري بقصيدته هذه
الى معسكرات و أحوال الصوفية ؟
إذا استعرنا مصطلح “الأحوال” في التجربة الصوفية، نجد إشارات واضحة:
حال السكر الروحي
«أغفو بهمستها كأني شارب خمراً…»
الخمرة هنا ليست حسية، بل رمز للوجد؛ وهو توظيف معروف في الشعر الصوفي.
حال الفناء في المحبوب
تحوّل الأنثى إلى تجلٍّ مطلق يقترب من مفهوم الفناء في الجمال الإلهي.
حال الشهود
«أبصرتُ فيها الرافدين ترقرقا»
هذه لحظة كشف، حيث تتجلى الحقيقة في صورة رمزية واحدة.
لكن — منهجيًا — لا نستطيع عدّ النص صوفيًا خالصًا؛ لأنه لا ينتهي إلى وحدة وجود صريحة، بل يبقى في إطار تمجيد وطني-رمزي مضمَّخ بلغة صوفية.
خلاصة نقدية
الشمري هنا يمزج بين:
التجلي الصوفي
المثال الأفلاطوني
الرمز الوطني
الأسطورة الأنثوية
إنه لا يدخل “معسكر” الصوفية بالمعنى العقدي، لكنه يوظف أحوالها الجمالية ليصنع صورة متعالية لـ “بنت العراق”، حيث يصبح الجمال طريقًا لفهم الوجود، لا مجرد وصفٍ للملامح.
ولو أردنا توصيفًا أدق :
هي قصيدة تصوّف جمالي رمزي
أكثر منها تصوفًا عقديًا خالصًا.
══════════════════
الفصل الرابع
التقييم العام :
القصيدة تمثل مزجًا بين الرومانسية العاطفية والتصوّف الجمالي ،
حيث تتحول الأنثى إلى كائن نوراني جامع بين السماء والأرض،
بين الأسطورة والدين،
بين الحب والوطن.
إن “بنت العراق” ليست امرأةً فحسب، بل رؤية مثالية للعراق في أنقى تجلياته ، وطن متجسد في صورة أنثى،
وعشقٌ يرتقي إلى مقام الكشف.
نحن أمام نصٍّ يحتفي بالجمال بوصفه طريقًا للسموّ، ويؤمن أن الحب إذا صفا، صار ضربًا من العبادة.
قصيدة «بنت العراق» مشبعة بروح وجدانية عالية تمزج بين الرومانسية والتقديس .
يؤسس الشاعر صورةً نورانية متعالية، فيجعل الشخصية الأنثوية أثرًا من أثر العلو، ويمنحها بعدًا إشراقيًا ينعكس على الوجود كله.
هذا الارتفاع في النبرة يمنح القصيدة طابعًا احتفاليًا، ويضع المتلقي أمام نموذجٍ مثاليٍّ مقصود، لا أمام شخصية واقعية محدودة.
على مستوى البناء، تتصاعد الصورة من الجمال الفردي إلى الرمز الحضاري :
فالأنثى لا تبقى امرأةً فحسب،
بل تتحول إلى تمثيلٍ للعراق ذاته، خصوصًا حين تتكاثف الإشارات الدينية والأسطورية في آنٍ واحد، مثل استدعاء ( عشتار ) إلى جانب الرموز الروحية الأخرى.
هذا التداخل يمنح النص عمقًا ثقافيًا ويُغني طبقاته الدلالية.
لغويًا، القصيدة قوية السبك، واضحة الموسيقى، محافظة على جزالة التعبير ورصانة التركيب.
الصور البلاغية تقليدية في بعض مواضعها، لكنها تأتي متماسكة ومنسجمة مع الجو العام للنص، مما يحفظ وحدته الشعورية ويمنع التشتت.
أما من حيث الرؤية، فالقصيدة تقوم على مثالية عالية قد تُقرأ بوصفها نزعة تعظيمية تصل إلى حد التقديس، لكنها منسجمة مع طبيعة النص الذي يكتب الوطن في صورة أنثى مكتملة الصفات.
إنها قصيدة تمجيد وهوية، تحتفي بالعراق عبر استعارة أنثوية مضيئة،
موتضع الجمال في مرتبة القيم العليا.
بوجه عام، نحن أمام نص متين البناء، واضح العاطفة، غني بالإشارات الرمزية، يعكس شاعرًا متمكنًا من أدواته الكلاسيكية، ومؤمنًا بأن الجمال قيمة عليا تستحق أن تُقال بأبهى صورة.
الخاتمة :
إنتهى المشوار
و لم تنته القصيدة
عند آخر بيت
بل تبدأ من هناك
فـ“بنت العراق”
ليست امرأةً تُوصَف
بل معنى يُكتَب
وهويةٌ تمشي على قدمين
وذاكرةٌ كلما حاول الزمن أن يبهتها استعادت ضياءها من طين الرافدين
إنها خلاصة حضارةٍ لا تُختصر
وجمالٍ لا يُقاس بالمقاييس العابرة
بل يُدرَك بوصفه طاقة حياة
وامتداد روح
وارتباطًا عميقًا بين الإنسان وأرضه
فيها يلتقي العشق بالوطن
ويتصالح الرمز مع الواقع
ويصبح الجمال رسالةً
لا زينة ووفاءً لا ادعاء
وحين نغلق الصفحة
لا نغلق المعنى
لأن العراق
حين يتجسّد أنثى في النص
يتحول إلى وعدٍ دائمٍ
بأن الجمال يمكن أن يكون مقاومة
وأن الحب يمكن أن يكون هوية
وأن الشعر يمكن أن يكون
وطنًا آخر لا يُغادَر
أودّعكِ لا لأن المعنى انتهى
بل لأن القلب اكتفى بما لا يُقال
أودّعكِ يا بنتَ بغداد،
يا ظلَّ النخيل
إذا مال على كتف الغروب
ويا ضحكةَ الماء
حين يمرّ خفيفًا
بين ضفّتَي دجلة في المساء
أودّعكِ يا مدينةً
كلما ابتعدنا عنها اقتربتْ فينا أكثر
يا وشمَ الحضارة على جبين الوقت
يا صلاةَ الطين إذا تعلّم كيف يكون نورًا
ولكِ يا أعظمية التاريخ
يا دفءَ الأزقّة القديمة
يا رائحة الكتب المختبئة
بين شبابيك البيوت العتيقة
يا همسَ المقاهي حين يتعب الشعراء ويتركون على الطاولات بعض أرواحهم
أغلق القصيدة الآن
لكنني لا أستطيع أن أغلق
نافذة الروح على بغداد في صدري،
ولا أن أطفئ صوتكِ
وأنتِ تمشين حقولا اللغة
كأنكِ قدرٌ جميل
إن كان للقصائد عمرٌ
فأنتِ عمرُها الأطول
وإن كان للوداع معنى
فهو أن نبقى أوفياء لما أحببناه
حتى ونحن نبتعد اخر الدنيا
في منافي الغربة
د. عبد الكريم الحلو
كاتب وناقد أدبي عراقي



