القصة القصيرة

باتسي تادرس – أوجيني

فتاة ترتدي بلوزة ذات أكمام منتفخة وقصة ضيقة، تقف في الشارع وعلى وجهها تعبير غير رسمي، في خلفية جدار رمادي وأشجار خضراء.

في ليلة من ليالي ديسمبر الباردة، أما من جديد..؟ قلتها لنفسي قبل أن أتخذ قرار السفر المفاجئ إلى بورسعيد.

كعادتي جلست بالقرب من النافذة؛ أراقب المدى وأغيب شيئا فشيئا في اللاهناك. تعتريني حالة أشبه بالإسقاط النجمي، كأني أنسل من جسدي تدريجيا بينما يتوقف الزمن و…

ترررررررررررررن..!!!!!!!

استفقت رغما عني حيث أعلن السائق أننا على أعتاب حارسة القناة بورسعيد.
عدت من جديد إلى الحياة في شوارعها الساحرة،
أكاد أسمع صوت تنهدها، فرحة بلقائي، خاصة سانت أوجيني التي كانت في أوج تألقها.

كلما مررت لإلقاء التحية
داعبت رأسي رؤى مشوشة كأنها قادمة من أعماق البحر
أحاول تجميعها كقطع البازل لكن سرعان ما تأتي الرياح وتبعثرها في كل اتجاه.

لا أعلم سر حبي العجيب لتلك المدينة، خصوصا سانت أوجيني.
أهو بسبب اسمي؟ أوجيني.

لكن من هي أوجيني على أيّ حال؟
لم أبالِ يوما بمعرفة قصتها.
كل ما كنت أشعر به هو تلك الألفة الغريبة التي لا تفسير لها، وتلك الدفقات الشعورية التي لا تفسير لها عندي.

وآه من تلك الرؤى التي تبعث برأسى، حتى كأنه ليكاد ينفجر.
أخذت أحركه ذهابا وإيابا كمن يحاول أن ينفض غبار حلم ثقيل عن رأسه.

وفجأة صاحت الرياح في وجهي معلنة ثورة على حليفتها الوحيدة، طار وشاحي..!!
لكنه لم يكن وشاحا عاديا أبدا..
ركضت خلفه ، كأنه يدعوني للحاق به ،كأنه يعرف الطريق
كان نجمتي ونبراسي. كنجم المشرق ذاك الذي ظهر للمجوس ليدلهم على مكان الطفل المسيح.

كلما اقتربت منه ابتعد أكثر فأكثر تراءى لي طيف غريب ولكنه مألوف:” اختلاف مؤتلف”، فتاة جميلة للغاية تقف بثوب أبيض مزركش تقف عند عتبة سانت أوجيني.
أصفى ابتسامة رأيتها في حياتي، توقف الزمن من حولي، نبضات قلبي وحسب. مدّت يدها أشارت إلى الوشاح كان على أعتاب الكنيسة؛ فاقتربت بخطوات مترددة، عادت لي الرؤى من جديد وذاك الطنين.

هذة المرة اختلف الوضع كأني أخطو خارج الزمن..أو داخله بين ثنياته وطياته المفقودة.

لمحتها فجأة بثوب الرهبان تهرب متخفية من زواج لا تريده، لطالما أرادت التبتل بعيدا عن تراهاتهم ،تخفت في زي رجل تاركة خلفها عرشا يعج بالزيف؛ باحثة عن النور الحقيقي ساكبة ماءه المقدس على روحها.

سمعت ترانيم خافتة..أهازيج من زمن سحيق لا أعرفه، رهبان يتهامسون فيما بينهم أوجيني.. ..فارتعشت

فجأة تعاقبت الرؤى/ الصور من حولي، تسارعت المشاهد المرئية واللامرئية في آن، وجوه باهتة ،أجراس مهللة ، صلوات هامسة، خطوات ثقيلة، وآخيرًا- تجلى السيف.
وصلت إليها لحظة الخلاص، رأيتها،كانت تبتسم. نعم تبتسم في وجه الفناء.
خفتت الأصوات،راح الطنين..، وضحت الرؤى، تلاشت كأنها لم تكن.
سكن الوشاح بين يدي دافئا، ضممته إلى صدري، فانسابت منه رائحة ياسمين عطر وبخور
كصلاة تلوح مقدسة في محراب سماوي.
شخصت ببصري نحو سانت أوجيني، كان كل شئ كما كان لكنه لم يكن.
داعبت نسمة رقيقة شعري
ولم يزل الوشاح ينبض بين يدي.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading