كتابات حرة

المثقف الحقيقي لا ينطلق من مشروع أيديولوجي ولا من مستنقع سياسي-سيّار الجميل

صورة لجمهور يرتدي بدلة رسمية وقميص بأزرار مع شارة على صدره، تظهر شخصًا متوسط العمر بابتسامة، مع خلفية بسيطة.

المبدعون يموتون ان كبلّوا أنفسهم بالأغلال

آمنت ايماناً عميقاً منذ زمن بعيد بأنّ المثقف الحقيقي لا يمكنه أن ينطلق من حزب أيديولوجي ولا من مستنقع سياسي ، وأن يبقى مستقلاً برأيه وموقفه . والمثقف هو غير المبدع ، فان كان هذا حال المثقّف ، فكيف بالمبدعين الذين ستكبلّهم السياسات والسلطات والخنادق الأيديولوجية؟ وثمّة مثقفين ومفكّرين ومبدعين في العالم أكدّوا هذا المنحى . انه طرح عميق ومركزي في نقاش علاقة المثقف بالسلطة والأيديولوجيا، وهو نقاش قديم-جديد في الفكر الحديث. سأحاول تقديم رأي مُفصّل أؤمن به ، مع تمييز المفاهيم، ثم الإحالة إلى مفكرين فرنسيين وغيرهم دافعوا – بصيغ مختلفة – عن هذا المنحى أو ناقشوه نقديًا.

أولًا: في التمييز بين المثقف والمبدع وينبغي أن يكون فهمها بدقة ضرورة أساسيّة مهمّة :

• المثقف: فاعل نقدي وحيوي ومعرفي ، وظيفته الأساسية إنتاج المعنى، والرصد والاحاطة والنقد والتفكيك والمساءلة، وله منطقه في إضاءة مناطق العمى في المجتمع والسلطة.

• المبدع (شاعر، روائي، فنان ، مؤرخ ، رجل قانون ، عالم اجتماع ، تشكيلي ، ناقد …الخ باعتراف العالم ): يشتغل على الحساسية، والخيال، والشكل، والتشكيل ، واللغة، والسرد والتميّز والمنهج الذي يختاره بحرفية عالية وقد ينتج موقفًا سياسيًا أو أخلاقيًا ضمنيًا لا مباشرًا.

أين يكمن الخطر هنا ؟ ان وجدنا – مثلاً – :

• انخراط المثقف في حزب أيديولوجي يُحوّله من ضمير نقدي إلى ناطق تبريري أو ببغاء سردي.

• أما المبدع، فإذا خضع للسياسة، فإن الإبداع ذاته يتحوّل إلى دعاية أو شعار يخدم السلطة أياً كان نوعها سياسيّة او اجتماعيّة .

ثانيًا: لماذا يصعب على المثقف أن يكون حزبيًا ويبقى مستقلاً؟

ان الأيديولوجيا بطبيعتها مغلقة ، فهي تقدم أجوبة جاهزة وتفرض لغة محدّدة وتُقسّم العالم إلى خير/شر .. بينما يعيش المثقف الحقيقي حياته وهو يتساءل ويبحث عن أجوبة دامغة بواسطة العقل والمنطق عن الماضي والحاضر ويشكّ في المسلّمات ويبحث ويفكّر في أي زمن يعيشه معرفياً ، ويشتغل على التعقيد والتناقض .. لذلك فالجمع بينهما غالبًا تناقض بنيوي.

ثالثًا: مفكرون فرنسيون وغيرهم أكدوا هذا المنحى :

1. كارل مانهايم Karl Mannheim : من مؤسسي علم اجتماع المعرفة ، أكد على المعنى الكامن وراء الواقع الاجتماعي، ومفهوم “الحقيقة”، ودور المثقف التجريبي في البحث عن هذه الحقائق. وفي كتابه “مقالات في علم اجتماع الثقافة”، نشر بعد وفاته عام 1956. قال : “ترتبط الأيديولوجيا بمفهوم الواقع، بينما تركز الثقافة بشكل أكبر على عقل الفرد وكيفية إدراكه لهذا الواقع، وكلاهما “يهتم بدور المثقفين”.

2. جوليان بندا (Julien Benda) في خيانة المثقفين (La Trahison des clercs) وكان من أوائل من هاجموا تسييس المثقف ، ورأى أن المثقف حين ينخرط في الصراعات السياسية أو الحزبية: “يخون مهمته الكونية والأخلاقية” وبالنسبة له، المثقف يجب أن يدافع عن القيم المجردة (العدالة، الحقيقة) لا عن المصالح مهما كانت طبيعتها .. باستثناء المصالح العامة ( والمرسلة عند المسلمين) . وهذا ما اقتنعت به منذ بواكير الشباب .

3. ألبير كامو (Albert Camus) رفض الانتماء الحزبي، خصوصًا الشيوعي ، وانتقد المثقفين الذين برروا العنف باسم التاريخ أو الثورة ووجد في الإنسان المتمرد، دافع عن: الأخلاق ضد الأيديولوجيا والإنسان ضد الفكرة المجردة . وقال : “كل أيديولوجيا تقتل إنسانًا واحدًا هي أيديولوجيا مجرمة.” كامو مثال نادر لمثقف/مبدع حافظ على استقلاله ودفع ثمنه عزلةً وتشويهًا.

4. ريمون آرون (Raymond Aron) في كتابه “أفيون المثقفين” : هاجم اليسار الفرنسي الذي قدّس الأيديولوجيا الماركسية ورأى أن المثقف الحزبي: يفقد حسه النقدي ويتسامح مع الاستبداد إذا كان “من معسكره” وعن الأغبياء في الحظيرة نفسها ! آرون دافع عن العقلانية الباردة بدل الحماسة الأيديولوجية. وكنت قد تأثرت بكتابه “أفيون المثقفين منذ ان كنت في الإعدادية وكان قد ترجم الى العربية .

5. بيير بورديو (Pierre Bourdieu) دافع عن استقلال الحقل الثقافي ورأى أن المثقف يجب أن يكون مستقلاً عن السوق، ومستقلاً عن الدولة، ومستقلاً عن الأحزاب لا النخب ، لكنه لم يدعُ إلى الانسحاب، بل إلى نقد السلطة من موقع مستقل، ووجد أن الاستقلالية هنا هي شرط للفعل لا للهروب .

6. ميشيل فوكو (Michel Foucault)رفض نموذج “المثقف الكلي” الحزبي ، وتحدّث عن المثقف النوعي (Specific Intellectualالذي لا ينطق باسم أيديولوجيا ، بل يشتغل على مواقع محددة للسلطة والمعرفة. والمثقف – عنده – ” ليس من يقول للآخرين ماذا يفعلون، بل من يزعزع ما يُعتبر بديهيًا.” أن فوكو يعارض التحزّب، لا الاشتباك النقدي .

7. ويرنر ستارك Werner Stark عالم اجتماعيات المعرفة وكان من اتباع كارل مانهايم ، يقول : ” الفكر الأيديولوجي .. هو شيئ مشبوه يجب أن نتغلّب عليه ونطرده من فكرنا ” .. ويضيف بأن “المثقف الذي يقع ضحيّة الأيديولوجيا يكون هو خاضعاً للأوهام في فكره الخاص ، واذا ضللّ الآخرين ، فهوة يفعل ذلك عن غير قصد منه أو ارادة ” !

8. كليفورد غيرتز Clifford Geertz الانثربولوجست الشهير ، قال في كتابه ” تأويل الثقافات ” : ان مفهوم الأيديولوجيا السائد الان هو مفهوم تقويمي يحتوي على الكثير من اطلاق الاحكام التحقيرية ضد المثقفين الحقيقيين من ذوي المعرفة الاستقلاليين ذوي المنتج الحر

9. كولن ولسن Colin Wilson الروائي الذي وصف في كتابه اللامنتمي ( 1956) عزلة المبدعين (من شعراء وفلاسفة) عن مجتمعهم وعن اقرانهم وتساؤلاتهم الدائمة، وعزا ذلك إلى الرغبة العميقة في ايجاد دين موضوعي وواضح يمكن له أن ينتقل إلى الاخرين، دون أن يقضوا حياتهم في البحث عنه.

10. صموئيل فيترسي Samuel Fitoussi ( صحافي فرنسي من الجيل الجديد) في كتابه : ” لماذا يخطئ المثقفون ؟ “( 2025)، مستعرضاً عدّة أمثلة لما أسماه ب “انحرافات المثقّفين وضلالاتهم” منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: بدءاً بسارتر ودو بوفوار، إلى ألتوسير وأراغون ، وأمثالهم الذين يراهم قد دافعوا عن أيديولوجيات وحركات وأنظمة شموليّة كالشيوعيّة والماويّة والكاستروية ، وغيرها .. وبررّوا كل ما اقترفته الدكتاتوريات من أعمال العنف والقمع وتسويغهم لكلّ ذلك أخلاقيّاً وفكريّاً مع تحليله الآليات الذهنيّة والنفسيّة التي تحكم آراء المثقفين وتحيزاتهم المؤكدة .

رابعًا: وماذا عن المبدعين؟

إذا كان هذا حال المثقف، فكيف بالمبدع؟ انّ التاريخ يُظهر أنّ أعظم الإبداعات ظهرت خارج الانضباط الأيديولوجي حين يُكبل المبدع سياسيًا، فهو يفقد الغموض وتُختزل الرمزية عنده هروبا من المواجهة، ويتحول العمل إلى منشور. ومن أمثلة هؤلاء: جورج أرويل: انتقد الشمولية من موقع أخلاقي لا حزبي، ورأى وثيودور أدورنو أن الفن حين يُسخّر سياسيًا يفقد قدرته النقدية ، أما رولان بارت، فقد حارب “اللغة الجاهزة” الأيديولوجية. ويمكنني اضافة صفة ” العناد ” التي تتحكم في الذهنية السائدة عند المثقفين المؤدلجين، فهم لم يعترفوا أبداً بخطايا حزب ، أو فجائع ارتكبها دكتاتور،أو تفاهة أيديولوجيا، أو تخلّف جماعة اسلام سياسي، أو فصائل وذيول تتحصّن بمسميّات دينية .. وهم لم يقتنعوا أبدا بأنهم جميعاً يمارسون الخطيئة على سلاسل الأجيال .

خامسًا: ملاحظات تكميلية (للتوازن)

ليس كلّ انخراط سياسي خيانة، وهنا يجب التمييز بين: الانحياز الأخلاقي ضدّ الظلم، وضدّ الاستبداد .. وعندي أنّ المثقف والمبدع معاً لا يمكنهما الابتعاد عن ابداء الرأي الفكري أو السياسي شريطة أن يعبّر عن نفسه لا أن يكون ببغاوياً لما تطالبه سلطة دولة ، أو قيادة حزب، أو مرجعية كهنوتية . وشريطة الّا ينخرط في أي مستنقع سياسي أو أيّ خندق أيديولوجي .. وحتى ان كان مأزوماً في شبابه وآمن بالالتزام الحزبي المغلق .. لكنه ان فاق وعيه مع الأيام وخرج من مأزقه ، فقد كسب الجولة .. حتى جان بول سارتر – الذي دافع عن “الالتزام” – انتهى عمليًا إلى مراجعة مواقفه حين رأى كيف تُفسد الأيديولوجيا الحرية والانطلاق .

خلاصة الموقف .. انّ المثقف والمبدع يتفاعلان مع الحياة ولهما الحق ان يدليان برأيهما لامتلاكهما فكر وموقف، ولكن شريطة استقلاليتهما . انني أعتقد بأن هناك من يوافقني في الجوهر: فالمثقف الحقيقي لا يبدأ من حزب بل من سؤال، وأن لا يعتمد على مؤدلجات في صناعة شهرته .. وأنّ الاستقلالية ليست حيادًا، بل مسؤولية موضوعية وأخلاقية مضاعفة . وأنّ المبدع كلما اقترب من التخندق، ابتعد عن الخيال والجمال والأعمال المدهشة ..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading