الكلمات العابرة – موسى غافل
أمست تلك الذكريات تزورني ليلاً و أنا أطرح رأسي على وسادتي. فأمضي مستدرجاً أيام كنت ألتقي (رُقيَّة) ، و انا القي في طريقها ، ممازحاتي العابثة دون اكتراث.
قبل زواجها لا تبدو ، سوى طفلة هزيلة ، أرهقها العوز . اعتدت أن أمازحها فأقول لها و أنا ماض في طريقي :
ـ أتوافقين أن أخطبك ؟
فتغادرني مهرولة و هي تزمُّ شفتها السفلى.
بعد أن تزوجت .. اعتدت أن التقيها ، و قد تغيرت ملامحها تماما . و بدت تتسم بالرشاقة و الجمال الأخّاذ . فأحييها باحترام و أمضي في طريقي . هذا كل ما يخطر ببالي . لا يوجد أي أمر آخر .
تطلّب الأمر الوظيفي أن أنتقل نهائياً و معي عائلتي إلى مدينة أخرى . فتَخَطَّتْ عبرها الأعوام ،أربعين عاماً و نيف . و تراكم غبار الزمن على الكثير من الذكريات . و لم يعد ذلك الصفاء متوفراً في بالي ، فقد أُثقلت رأسي العديد من الأمور اللاحقة .
بعد كل هذه السنين ، فوجئتُ بعدة مكالمات ، من أقاربي ، تكررت كثيراً تقول : إن (رقية) تسأل عني و ترجوني أن أصلها كي تشاهدني . و عجبت من ذلك .. كيف بقيت هذه المرأة تحتفظ بذكراي بعد أفول كل هذه الأعوام ؟ و ما هو الدافع الذي دعاها لهذا الإلحاح كي تلتقيني ؟
أَعَدْتُ ذكريات تلك الأيام . و بدأتُ أستدرج أحداثها و أرَتِّب مفرداتها التي لم يكن فيها ما يثير الاهتمام ، و أنا أتساءل :
- أي شيء استدعاها أن تلح بطلبي ؟ !
و عند سفري إلى مدينتي السابقة ، بعذرِ تَفَقِّد أقاربي ـ وفي الحق هي : استجابة لرجائها ـ فاستأذنت الدخول إلى دارها ، و لاقيت الترحاب بعد غيابي الطويل ، فعائلتها من معارفي .
ظلت عيناي تصبوان لملاذات البيت علّها تطل . لكن الوقت ظل يمضي دون جدوى ، بسبب غيابها عن الدار . و سرعان ما عدتُ ، من حيث أتيت . و افترضت ان عائلتها ستخبرها بمجيئ . و لم أشغل بالي من بعد ، بهذا الموضوع .
بقيت وصاياها لم تنقطع .واستمرت المكالمات تأتيني من معارفي بإلحاح . و لم يكن لديّ الوقت أن أقطع هذه المسافة الطويلة . لكن الأمر شغل بالي بقوة . و داعب قلبي شعورٌ بالشوق و تحتّم عليَّ ان استجيب . لكني اعتدت أن أكون متماهلاً لطول الطريق . فأرجأت ذهابي إلى فرصة مناسبة .
استلمت مكالمة ملحة جدا من معارفي . تقول : إنها بحالة خطرة و ترقد في المشفى . فشغلني ذلك كثيرا . و شكل في قلبي ندماً قاسياً . وأسرعت على الفور إلى المدينة التي ترقد فيها ، إذ تبعد بحدود المئة و الخمسين كيلومتر .
وصلت على عجل . وجدتُ عائلتها تمكث في ممرات المشفى يكلكل عليهم الوجوم . و بعد السلام التقتني أختها باكية و جَرّتني جانباً ، و هي تقول :
- إنها تسأل عنك و تقول : ألم يأتِ ؟
في غرفة الانعاش ، صعقتُ بحالتها وهي تبدو على شفى الهلاك. تستلقي على سريرها بذلك البهاء . لا يبدو أن حالتها الخطيرة قد أمضت بسلاحها كي تعبث بجلال مُحيّاها .
اقتربت اختها منحنية فوقها قائلة بصوت رقيق مسموع ، كأنها تريد أن تنتزعها مما هي فيه : - هذا هو ابراهيم قد جاء . افتحي عينيك و أريحي قلبه ؟
التفتت اختها نحوي و قالت :
ـ اقترب منها و دعها تسمع صوتك .
اقتربت منها. ركعت على ركبتيّ ، من الجهة اليسرى، و مالَ حنكي بثقله على حافة سريرها ، و كأن رأسي ينوء بثقل ما لم أألفه من ندم :
ـ رُقَيَّة .. هذا انا ابراهيم . أَلستك راغبة أن تشاهديني ؟
لم تفتح عينيها بل شاهدت دموعها تنحدر ببطء .
كنت أنظر للعداد الذي يَعِدُّ ضربات القلب ، كأني أرجوه ألاّ يعلن نهايتها . لكنه أبى إلاّ أن يمضي بأنينه الموجع ، و بدا كما لو أنه ينتكس ، ثم يستيقظ من جديد ، كي يئن متعثراً .
بدا أنينه ثقيلاً قاسياً ، أسرعت للطبيب بمفردي ، مستنجداً. لم يقل شيئاً ، بل جاء معي بخطواته الثقيلة . كنت أراها ثقيلة جداً . و عندما وقف بمحاذاة السرير تعلق نظري منشداً إلى فم الطبيب كما لو ان حياتها رهينةً بين شفتيه .
مكث قليلاً بصمت .. ثم رفع الجهاز ليعلن توقف قلبها .






