العوالم المتوازية ومراجعة التاريخ في رواية جريمة في بيت الرب للكاتبة شاهيناز الفقي✍عادل ضرغام

في روايتها (جريمة في بيت الرب) تقدم الكاتبة المصرية شاهيناز الفقي خطابا سرديا مغايرا لحادثة تاريخية مصرية قديمة، مستندة في ذلك إلى رؤى عقلية ومنطقية، لتأسيس قراءة ناقدة تحرّف المستقر، ولا تكفّ عن طرح الأسئلة التي تقوّض بنياته. وفي خطابها المغاير تشتغل على نسج سردية للمظلومين الذين ظلّت صورتهم في المؤسس التاريخي المتّفق عليه مشوبة بالقلق ومملوءة بالنظرة السلبية استنادا إلى السردية التي تمّ التأصيل لقداستها.
يتحوّل الخطاب السردي في أجزاء من النص إلى خطاب لا يرتبط فقط بنزع التقديس، وإنما بالانتصار لكل مظلوم تعرّض للظلم بشكل أو بآخر، وكأن هذا المنطق في زحزحة التاريخي، وتحويله إلى كتابة خطابية أيديولوجية منطق وثيق الصلة بوجهة النظر والرؤية. تتأسس الرؤية الجديدة على أسانيد علمية. منها تعدد العوالم المتوازية سواء بالتتابع أو التجاور من خلال انتقال الشخصية في الزمن ذاته من عالم معاصر إلى عالم سابق موغل في القدم، مع تحولات في الهوية مع كل لحظة تاريخية.
يؤثر هذا التوجّه على الرواية، ويجعلها وثيقة الارتباط بفكرة الزمن الأبدي، فالعوالم المتوازية تتيح التقدّم إلى المستقبل والعودة إلى الماضي، وفيهما تتمّ مناوشة التاريخ القديم، وكشف عوراته وفجواته وأحكامه الجائرة بحق المظلومين، ومراجعة الصور والإطارات التي وضعت لها وحبستها داخل هذا الحيّز، ومن ثم يشعر القارئ المتأمل بزلزلة ثباتها، وبالقدرة على نسج خطاب سردي مواز يباين السردية المستقرة على امتداد العصور والأزمنة.
في هذه الرواية نعاين عددا من المناحي الفكرية ترتبط بالعوالم المتوازية من جانب، وبفكرة المراجعة وإعادة النظر الخاصة بالتاريخ، سواء أكان تاريخا موغلا في القدم أو تاريخا قريبا. فالتاريخ في هذا النص الروائي يمثل وجهة نظر أو توجها أيديولوجيا، ومن ثم فليس هناك- إذا تمت الموافقة على وجود حقيقة- حقيقة واحدة، بل حقائق أو رؤى، وكلّها أيديولوجية ذاتية. الرواية تنزع القداسة عن الخطاب التاريخي المتفق عليه، وتعيد بناء وتأسيس فرضيتها انطلاقا من قناعات و أيديولوجيات، مستندة في تأسيس ذلك إلى حقائق وبراهين لها مشروعيتها، تجعلها تقف على بساط متساو مع الخطاب التاريخي المتفق عليه، أو الأكثر هيمنة وشيوعا.
الرواية- بالرغم من استنادها إلى أفكار معرفية مثل أبدية الزمن والعوالم المتوازية- لا تنفض يديها من الإشارة ولو من طرف خفي إلى السياقات الحضارية المحيطة، والإلحاح على المغايرة بين عالمي الأمس واليوم من خلال عرض القسيمين. وفي ذلك نراها موحية بمدارات التحوّل بين زمنين، راصدة الضعف أو الوهن اللذين يلحقان بالشخصية المصرية بشكل تدريجي، والانهيارات المفزعة الكاشفة عن التدخلات الخارجية التي تمثل الباب الواسع لحالة الضعف في العصور الفرعونية القديمة، بداية من حكم رمسيس الرابع، وانتهاء عصر الملوك الأقوياء بهذه الأسرة.
وإذا كان الاشتغال على المتغيرات التي تلحق بالشخصية المصرية يمثل توجها مهما، فإنها- في الوقت ذاته- تتوقف عند أسس صلبة متماسكة، مشيرة إلى استمرارها في التواجد قديما وحديثا، وكأنها تلمح إلى أسس تشكل في التحليل الأخير ملامح هوية ثابتة، قد تختفي أو يقلّ وميضها تحت تأثير هيمنة الزائل وخداعه، لكنها تطلّ مستعيدة عافيتها في اللحظات الحرجة المفصلية، لكنس وتقويض اللحظي أو العابر الذي يظلّ بالرغم من الوجود والاستمرار لفترات طويلة هشّا يمكن القضاء عليه.
العوالم المتوازية
تستند الرواية لتشكيل أبدية الزمن على ظواهر علمية لربط عالمي الماضي (نهاية حكم رمسيس الثالث، وبداية فترة حكم رمسيس الرابع)، والحاضر (من الثورة المصرية وما تلاها من أحداث)، بداية من ظاهرة (الديجافو) التي تقع للبطل، ومرورا بالتناسخ، وانتهاء بالعوالم المتوازية. تأتي ظاهرة الديجافو- الشعور بالمرور بالتجربة أو الحادثة في زمن ماض أثناء معايشتها حاضرا- جزئية غير ممتدة، ويأتي التناسخ قائما على فكرة التتابع الزمني انطلاقا من حركة الروح بعد الموت وتحررها.
تتجاوز فكرة العوالم المتوازية ما تقدمه ظاهرة الديجافو، وما يمنحه التناسخ، ففيها يمكن للإنسان- بأشكال وأسباب عديدة- أن يجمع عالمين أو أكثر، ويقيم فيهما بهويتين مختلفتين، مثلها في ذلك مثل الأحلام التي تأتي في كثير من الأحيان كاشفة عن وجود الأشياء الدالة على عوالم رمزية غريبة متوازية. البداية بظاهرة الديجافو بالنسبة للبطل سنوسي (لم يذكر اسمه إلا في نهاية الرواية) بداية تؤسس للمغاير وابتعاد عن العادية أو المشابهة مع الآخرين. وقد تعامل النص مع هذه الظاهرة على أنها خروج يمكن البناء عليه للاستمرار داخل أكثر من عالم بشكل فيه نوع من الديمومة بعيدا عن اللحظي والعابر.
تحتاج الفكرة الخاصة بالعوالم المتوازية جزئيات دالة تؤسس لمشروعيتها، وقد كشفت الرواية عن تحبيكات بها الكثير من القصدية لإقناع المتلقي بمشروعيتها، منها انجذاب البطل (سنوسي) بشخصية (عطية أو بوسي) التي يراها للمرة الأولى، يقول النص على لسانه (أشعر أني منجذب نحوها بشكل لم أعهده مع فتاة من قبل)، وفي تبرير هذا الانجذاب غير المبرّر يبني النص تحبيكاته على المشابهة بينها وبين شخصية (ميريت) في السياق الفرعوني القديم، من خلال إسدال المشابهة في دور كل واحدة منهما. فالأولى عطية تقوم بدور حيوي في تحقيق البطل لهدفه في خلق نسخة مغايرة للأمير بنتا-أور، وتقديم أدلة البراءة من جريمة المشاركة في قتل الأب الملك رمسيس الثالث.
أما الأخرى (ميريت)- حبيبة بنتا-أور- فتقوم بالدور الشبيه في مساندة الأمير في سياقها وزمنها الفرعوني. الانجذاب هنا يُقرأ في النص الروائي وكأنه بقايا ذاكرة بعد الانتقال من عالم إلى عالم مواز آخر، فحتى بعد الانتقال إلى عالم جديد تتبقى جزئيات حية تستطيع أن تكون حاضرة، وتشكل صلة بين العالمين، فالذاكرة تُبنى وتستعاد من خلال المشابهة في الشكل أو في الصفة. وهناك مقولات تشير إلى هذا التوازي، مثل مقولة الأب للبطل (لا تخف هذه ليست النهاية، بل بداية جديدة).
التشابه أيضا يفرض وجوده بين البطل/ والبطل الظلّ (سمير) الذي يمرّ بالمراحل ذاتها التي يمرّ بها البطل من الحركة والتوزع بين عالمي الماضي والحاضر، مع اختلاف سبيل كل شخصية منهما، فسمير من خلال أقراص أو حبوب الهلوسة، والآخر من خلال اختراق القوانين الكونية، والتغيير الذي يصيب أجزاء المعادلة، ولهذا يلحّ النص الروائي في جزئيات عديدة على أن البطل لم يتناول قرص الهلوسة، يقول النص (ربما تغيّر أحد أرقام المعادلة في ذلك اليوم الذي ابتلع فيه سمير القرص. قد لا أحتاج لقرص ينقلني إلى عالم مواز).
هناك في النص الروائي جزئية أخرى تدخل في إطار التحبيك الخاص بمشروعية الفكرة. فالنص الروائي يلحّ على التعدد، سواء في أسماء الأشخاص أو في وظائفهم، نجد ذلك واضحا مع الشخصية الظل (سمير) حين يخبر البطل معرّفا نفسه (أنا سمير عامل بناء)، لكنها تترجم عند البطل وفق فاعلية بقايا الذاكرة (أنا سفير عالم فيزياء)، وكذلك مع شخصية عطية حين تخبر البطل بأنها (خبيرة تجميل)، فنراها تترجم في وعي البطل بكونها (خبيرة تعليم).
هذا التعدد موحٍ بالتجليات السابقة للشخصيات ووظائفها في عوالمها العديدة المتوازية التي لم يشر إليها النص بشكل مباشر إلا من خلال هذه التحبيكات، وإشارات بسيطة أخرى. فشخصية سمير تأتي بأفعال تناسب عامل البناء، لكنها في لحظات فارقة- كما ألمح النص- تشير إلى عقل منظم غير عادي، وتقترب في ذلك الفعل من عالم الفيزياء، ويكشف ذلك عن عوالم أخرى مرت بها الشخصيات، وتركت أثرا كامنا يظهر في المنعطفات التي تستدعي وجودها.
لا تقف الخلخلة في سلوك الشخصيات وتباين تلقيه في الاسم أو الوظيفة التي تفتح النص على عوالم عديدة لكل شخصية، ولكن عدم اليقين أو الزلزلة تتعلّق في أحيان أخرى بجزئيات خاصة بالبطل، فهناك حوادث يتم الإشارة إليها على لسان البطل، وينفيها بمجرد المراجعة من آخرين. وهذا يثبت أن انتقال الشخص من عالم إلى عالم آخر لا يقضي على الذاكرة، إذ يتبقّى منها شيء، يمكن التوقف عنده، لأنه مغاير لمؤسس سابق في الحديث بين البطل وشخصية نسائية متخيلة تطلّ في بعض الأحيان لمراجعة أفكاره وتصرفاته وأقواله.
والوجود الثنائي أو الثلاثي المتعدد للشخصيات في لحظات زمنية متقاربة داخل هذه العوالم الذي يطلّ في فلتات اللسان يتجلّى في أجزاء عديدة من النص. في حواره مع تلك المرأة المتخيلة يشير إلى أن له ابنة، وحين تراجعه اتكاء على حوار سابق، نراه ينفي هذا الوجود قائلا (هل قلت ذلك؟). وفي حوار آخر يحادثها عن نجاته من الغرق حين كان طفلا في رحلة بالسفينة إلى مرسيليا مع أمه وإخوته، وقد وضعته أمه في صندوق.
يأخذ هذا الوجود المتعدد المتوازي شكلا أكثر تحبيكا وقصدية عند الحديث عن والديه، فنراه يتحدث عن والده في حدود وظائف وهويات مختلفة، فمرة مدرس تاريخ، وأخرى صانع أوانٍ فخارية، والأخيرة مسئول عن حفظ مخطوطات، أوجدت سرقة واحدة منها صراعا بينه وبين الوزير، ففصل من عمله دون تحقيق، ومات بعد إيداعه في السجن. ويستمر النمط ذاته في الحديث عن والدته، ففي واحد من أحاديثه يشير إلى كونها خياطة تحيك الجلابيب من الكستور، ومرة أخرى تعمل خادمة بعد سجن أبيه، وثالثة مهاجرة إلى فرنسا غرقت مع أولادها بالبحر.
التعدد في الأساس فقدان اليقين في الأحادية الفردية أو الهوية الذاتية، فنشعر- في ظل تعدد هويات البطل والأم والأب- أن هناك عوالم متوازية، يكشف عن ذلك التواجد الملموس في العالم الفرعوني القديم لشخصيتي البطل (سنوسي) الذي يعاين العالم لحظة وقوع الحدث، ويشارك في صنعه ومراقبته، ويلمح (سمير)/ ظل البطل أثناء رقصه مع الراقصين والراقصات في حفل يحضره الملك رمسيس الثالث، قبل قيام الثورة ضده ومقتله.
تستند الرواية في تجذير مشروعية الفكرة إلى النماذج المشابهة التي تأتي تأكيدا وتسويغا لها، من هذه النماذج الفتاة التي تحدثت عن عالم سابق، تحلّ فيه بوصفها زعيمة من زعماء المافيا، وقدّمت أسماء وتفاصيل ثبتت صحتها، وهي تفاصيل لا يعرفها سوى قادة المافيا. وهناك الطفل الذي أرشد إلى جثة مدفونة من زمن بعيد، وأعترف بأنه القاتل. فهذان النموذجان يأتيان لإسدال نوع من المشروعية على جدارة الفكرة، وإمكانية حدوثها وتكرارها بعد ذلك.
في وقوف أخير يستند النص الروائي إلى بعض الاكتشافات العلمية التي ترى أن اقتراب كوكب الزهرة من الأرض- وهي الظاهرة التي تحدث كل 584 سنة- ليس مجرد حدث فلكي، بل يمثل دورة نفسية وعاطفية مشدودة بشكل وثيق إلى الماضي، فتمنح الفرصة لبعض الشخصيات للعودة إلى الماضي، وإعادة المعاينة للعوالم، وتبدأ في تصحيح المسار.
وقد ألحت الرواية في أكثر من جزئية على فاعلية النسق الأخير، حين فرّقت تفريقا واضحا بين عودة البطل- أو انتقاله وهذا هو الصواب- من خلال السند السابق المتمثل في تغيير المعادلة الزمنية، وحدوث الاختراق الزمني، في مقابل عودة (سمير) المرتبطة بتعاطي حبوب الهلوسة. فالآولى عودة طبيعية وانتقال من عالم إلى عالم آخر، والأخرى عودة مصنوعة تحتمي بالمتخيل والزائف لغياب سلطة العقل، وقدرته على الخروج من الجفاف المعيش، والترويح عن الشخصية التي تمرّ بإشكاليات حياتية، تدفعها إلى البعد عن المواجهة باصطناع هذه العوالم.
يتجلّى النص الروائي نتيجة لهذا التعدد المتمثل في هوية الشخصيات المتغيرة من عالم إلى عالم، وتغيير المكان من معاصر إلى فرعوني مشدود للمعابد والطقوس القديمة، وتغيير الزمان بين ماض وآني، في إطار من الحركة وفقدان المركزية، فليس هناك حضور مهيمن لواحدة من التقسيمات السابقة. ولقاء الشخصيات- وخاصة لقاء سنوسي بسمير، ولقاء سنوسي بالفتاة عطية أو بوسي- لقاء يكشف ويفتت هذه الأحادية، وينفي المركزية، في ظلّ وجود حالة من الصراع الدائم بين البطل والشخصية النسوية الهلامية المتخيلة التي تطلّ مناقشة إياه في المنعطفات الكبرى لخطابه، وفي الفجوات التي يؤسس لها خطابه المغاير في مقابل الخطاب المؤسس، وكأن هذه الشخصية النسوية تأتي بوصفها إشارة للخطاب المتفق عليه، فحوارهما يثبت الاختلاف والنزاع. في بعض الأحيان يقنعها، ويثور ضدها، وفي أحيان أخرى تدلل له عن التناقضات أو الاختلافات في خطابه، لكنها في النهاية تتقبل هذا الخطاب الذي يمنح الأمير البراءة من جريمة قتل والده الملك، أو التآمر ضده.
وجود الخطابين معا بالرغم من التناقض يمثل قبولا بنسخ عديدة من التاريخ، وليس هناك أسبقية لواحدة على الأخرى، فكل خطاب منهما يحمل جزءا من المشروعية والموثوقية، لأن التاريخ- وفق منطق الرواية ومنطق ما بعد الحداثة- خطاب ذاتي مملوء بالانحيازات والأيديولوجيات، والتحبيكات السردية، وبوجهة النظر، وبسياق الكتابة وسلطتها الفاعلة، ويصبح التركيز أو التغييب لحادثة دون أخرى عملا مشروعا انطلاقا من وجهة النظر شديدة الخصوصية بالكاتب وثقافته وتكوينه.
مراجعة التاريخ والوجودي العيني
تبدو فكرة مراجعة التاريخ فكرة جوهرية في النص، وفي بعض الأحيان يخايل القارئ أنها تشكّل الأساس المحوري له والهدف المنشود منه. وقد يقلّ الاهتمام بهذا الهدف ويتفتت أثره، ويقل لمعان الفكرة بسبب استناد الرواية خاصة في فصول النهاية إلى جزئيات أخرى مشوّقة مثل الصراع بين الحفاظ على التاريخ المصري، ومحاولة اليهود أو بعض رجالهم صناعة تاريخ مزيف يمتد للأسر الفرعونية من خلال أكاذيب سردية وأشياء مادية واهية الدلالة على مشروعية الفكرة.
إن المراجعة الخاصة بالخطاب التاريخي المتفق عليه تمثل منطلقا أساسيا للنص. ويبدو أن النص الروائي أسس وجودا صلبا لهذا المنطلق من خلال والد البطل، حين يحكي لعطية أو بوسي عن طفولته البائسة، حين يعرض والده على الوزير فكرة إعادة كتابة التاريخ المصري، لأن التاريخ المدوّن به مغالطات عديدة، حتى التاريخ الفرعوني لا يخلو- وفق منطقه- من هذه المغالطات، فاتهمه الوزير بالخلل العقلي، وقرّر فصله نهائيا من العمل.
تظلّ هذه الحادثة مثيرا أساسيا للعمل وللحركة داخل النص الروائي، يفسّر محاولات المراجعة للخطاب التاريخي في تآلف مع منحى سردي يرتبط برفع الظلم عن المظلومين الذين ظلت صورتهم أسيرة إطار ثابت لا يتزحزح. فالرواية من خلال وجهة النظر الجديدة تحاول أن تعيد الاشتغال على السردية القديمة المستقرة، حتى تتلمس خيوط الظلم في الحكاية الواقعية التي يعاينها البطل في تنقله من عالمه المعاصر الآني إلى العالم الفرعوني القديم، في نسق لا يسلّم بالمستقر الثابت، ولكنه- فوق عدم تسليمه- لا يملّ من إعمال العقل والمساءلة المستمرة لهذا الخطاب، ومن فعل المساءلة يعيد الاشتغال على البردية التي تمثل في ذلك السياق الخطاب التاريخي المقدّس الذي تمّ الاتفاق عليه.
الأمير بنتا-أور- وفق البردية المرصودة التي تمثل التاريخ المتفق عليه- تآمر مع والدته (الملكة تي) وبعض القادة ورجال القصر ضد والده رمسيس الثالث، وشارك في قتله من خلال المكيدة. بنتا-أور هو صاحب المومياء الصارخة أو مومياء الرجل المجهول. ونظرا لسطوة الخطاب وتسكين شخصية الأمير داخل هذا الإطار، لم يعثر عليه ملفوفا داخل الكتّان كالعادة مع كل المومياوات الملكية الأخرى، بل كان ملفوفا بجلد الماعز المعروف حسب الاعتقاد في مصر القديمة بعدم النقاء، لأنه في منطقهم قد جاء بفعل شنيع.
الأشياء التي تكشف عن اكتمال الصورة وثباتها أشياء كثيرة، منها وجود وثاق على يديه وقدميه، ولم يتم تحنيطه على الاطلاق، والاكتفاء بتجفيفه بملح وادي النطرون. وقد جاء الخطاب المقاوم للسائد والمتفق عليه منطلقا من لحظة المعايشة والمرور بالتجربة، وليس معتمدا على كتبة التاريخ ومدونيه، حين يسجّلون ذلك من خلال السماع أو النقل من الآخرين. فخطاب البطل خطاب معاينة ومشاركة للحدث بالجسد، يتأثر بصيحات الثائرين الذين يدخلون إليه.
خطاب المعاينة يباين خطاب النقل والسماع، وفي ذلك ابتعاد عن قداسة الخطاب المؤسس المستقر، وتتكشّف بالتدريج جزئيات الزيف العالقة بصورة الأمير، فالخطاب يرصد أشياء مباينة تقوّض مصداقية الخطاب المستقر، وتعرّي فجواته كاشفة عن اتجاه مقابل، يقول النص من زاوية مراقبة الحدث على لسان البطل (تتوسّل ميريت إلى بنتا- أور أن يهرب معها، ويحافظ على حياته، لكنه يرفض رفضا قاطعا، مؤكدا أنه سيواجه المتآمرين، وينقذ والده، وأن لا يرغب في عرش ملطّخ بالدم).
الخطاب المغاير الجديد لا ينساق لسطوة الخطاب المؤسس، ويحرّك موقعية الأمير المتهم من صفّ المتآمرين إلى صف المدافعين عن الملك، وإن كان منطقه لا يخلو من نبرة الشعور بالظلم الواقع على العمّال والفلاحين بسبب الملك وحاشيته والكهنة والحرّاس. فارتباط الأمير بشخصية (ميريت) الفتاة المنتمية إلى عامة الشعب له دور في تجلية ونمو البناء والتمدد الروائي نحو الهدف، لأن هذا الارتباط كشف عن السرداب الذي تستخدمه ميريت في اللقاء بالأمير، وهو السرداب نفسه الذي يستخدمه البطل سنوسي/ الغريب في الدخول إلى القصر ومعاينة الثورة ضد الملك، ورؤية المتآمرين القادمين من بلدان بعيدة عن مصر.
والإيمان بهذه الرؤية التي تنفي التهمة عن الأمير، لا يمكن أن تكون فاعلة إلا إذا كانت مستندة على حجج عقلية منطقية مقنعة من جانب، ومن جانب آخر يجب على صاحبها-لأنه داخل الحدث ومشارك فيه- أن يقدّم فاعلا آخر يقوم بالتآمر وعملية قتل الملك. تتجلّى أولى جزئيات الزحزحة من خطاب إلى خطاب آخر في دفع الشبهة عن الأمير بنتا-أور في الاشتراك في قتل أبيه، ويتمّ ذلك من خلال الاتكاء على قداسة الأب في السياق والفكر الفرعوني على امتداد العصور.
في تجلية هذه الفكرة، يقول النص الروائي على لسان البطل (في الحقيقة أنني اتكأت في إثبات براءته على المنطق ودراسة سيكولوجية الإنسان المصري، وعلى قراءة التاريخ الذي لا توجد به حادثة واحدة مشابهة عن ابن يقتل أباه). ويتوازى مع هذا الأمر المستند إلى التاريخ الفرعوني بكامله، رأي الأمير الشرعي الذي أصبح الملك رمسيس الرابع في أخيه بنتا-أور، وإسناد الرأي إليه لا يخلو من قصدية، ويضعه في إطار الشاب الحالم الذي يحب الطبيعة والحيوانات، ويقرأ الأشعار والترانيم، وهذه الصورة تبعده عن عملية القتل، وعن التفكير في التآمر على أبيه.
السند المقدّم هنا لنفي الحدث المتفق عليه تاريخيا، وتفريغه من مضمونه، وبناء حججه لإحلال سردية مغايرة، تكفل للأمير بنتا-أور البراءة من قتل أبيه، يرتبط بمكانة الأب في التراث الفرعوني، ويجعلها مكانة مقدّسة، فلم يحدث فيما سبق- في منطق النص- أن قتل أو شارك ابن في قتل أبيه. وفي ظل ذلك يعيد الخطاب الجديد توجيه التهمة نحو الأم. فأمّ بنتا-أور- وهي ليست زوجة الملك الأولى- لم تكن مصرية خالصة، فأمها أسيرة حرب تزوج بها أحد المصريين، وأنجبت الملكة (تي) التي تزوجها الملك وهو يكبرها بثلاثين عاما.
من أجل تأسيس منطقية لهذه التهمة، يجدل النص ارتباطات تجعل السلوك أو فعل التآمر والمشاركة في القتل مبررا من الأمّ، فيلمح النص إلى أن لها حبيبا، يقتل نفسه منتحرا، بسبب فقدانها وسطوة الملك، بالإضافة إلى شعور ملتو بداخلها بأن الملك قتل أهلها وقام بأسر كثيرين من شعبها. وفي ظلّ هذه التعالقات يصبح الاتهام منطقيا، ويتزحزح الاتهام بعيدا عن بنتا-أور، ويبعده عن التورّط بالمشاركة في هذه الجريمة.
السند التالي لنفي التهمة يرتبط بعملية القتل ذاتها، فقد أثبت التشريح أن طعنة الملك لم تكن قاتلة، وأجزم العلماء أنه لم يمت في الحال، بل مات بسبب مضاعفات وآثار الجروح. وهذه فكرة لها مشروعيتها، لأن الأمير الشاب- وهو الذي نشأ على القوة والفروسية- لا يمكن أن تكون طعنته غير قاتلة، بافتراض كونه شابا، ومدرّبا على القتال مثل أبناء الملوك.
وقد يوجهنا النص إلى تفكير مغاير يرتبط بضلوع النساء في التخطيط للقتل والقيام بتنفيذه، يبرّر ذلك أن التاريخ أطلق على هذا الحدث (مؤامرة الحريم)، نظرا لفاعلية دور الملكة (تي)، ومن جنّدتهم من خدم وسحرة وقادة ورجال دين.
قتل رمسيس الثالث- وهذا سند يضاف إلى أسانيد مشروعية الخطاب المقاوم السابقة- أصبح مطلبا اتفق عليه الفريقان، المؤيد للأمير الشرعي، والمؤيد للأمير بنتا- أور، فعملية القتل حدث يرتبط بثورة كبرى لا تقف عند حدود الأمير الصغير. ومن هنا تأتي قيمة الحضور الجسدي للراوي داخل الحدث. ففي مجابهة خطاب مقدّس تم الاتفاق حوله، خاصة حين يتعلّق الأمر ببردية من برديات السلطة، كان يجب أن يكون هناك دليل أكثر قوة، يقترب من سلطة هذه البردية، وليس هناك أكثر نجاعة في تحقيق هذا الهدف أفضل من الحضور الجسدي أو المادي، ومعاينة الحدث لحظة بلحظة من خلال المراقبة والمقاربة.
الاعتماد على آلية العوالم المتوازية- بوصفها آلية تمثل التلاحم والوجود العيني- له دور في مراقبة الحدث، وفي الوصول إلى أدلة مهمة، فتتشكّل لهذا الخطاب سلطة مباينة للخطاب المتفق حوله. ومن خلال هذا الوجود العيني يتجلّى أن الأمير بنتا-أور يرفض قتل والده، وأن هناك متآمرين تكفّلوا بالقيام بالأمر، بل تفصح المعاينة عن أن الأمير وأمه- غير المصرية بالرغم من ضلوعها في المؤامرة والتخطيط- كانا ضحية مؤامرة أكبر ترتبط بأطراف خارجية، فأصحابها ينظرون إلى الأمر من منظور المصلحة والمنفعة، حيث يرتبط الأمر بإضعاف مصر، ويبقى الملك رمسيس الثالث آخر الملوك العظام.
تكشف المحاورة بين بنتا-أور وميريت حبيته عن محاولته في كشف الخونة وإنقاذ أبيه بمشاركة الغريب/ البطل، ويتجلّى أو ينكشف له مشاركة أمه في التآمر على والده لأسباب منطقية، ويعاين كلاهما القاتل الحقيقي، فقد قتلت الملك (نانيس)، ويشيّد النص أسبابها المنطقية لهذا القتل، ويقتل بعض أعوانها القادمين من ممالك أخرى الأمير بنتا-أور الذي رفض حبّها، لارتباطه بميريت.
يكشف الخطاب المقاوم في نهاية النص- لأنه ينطلق من معاينة الحدث وصنعه- عن أشياء صمتت عنها المدوّنة أو البردية التاريخية المتفق على مشروعيتها وقداستها، وهذه جزئية على نحو كبير من الأهمية، لأن هذا الخطاب يحرز تقدما يؤسس لمشروعيته وموثوقيته. فمآل الملكة (تي) أو نهايتها أمر لم تكشف عنه البردية أو الوثية التاريخية الرسمية، فقد أبانت المعاينة المحايثة لوقوع الفعل عن غرقها في النيل، والتهام التماسيح لجسدها، وكأن تلك النهاية في منطق (ميريت)- لرفضها اقتراح الغريب/ البطل في إنقاذها من الغرق- نوع من التطهير.
وتختم الرواية بفقدان الوثيقة المناوئة التي كتبها بنتا-أور، وسلمها إلى ميريت التي سلمتها بدورها إلى الغريب أثناء هروبه، ويقظته بجانب الهرم الأكبر للعودة إلى العالم الموازي الآني، وكأن في كل تاريخنا المدوّن الرسمي وثيقة مناوئة تجعلنا حتما نعيد التفكير في كل نص، ولا نسلم له عقولنا بسهولة.





