القصة القصيرة

العشيرة لا تموت أبداً✍️وسام طيارة السوري

508580940 1215748166520854 8608338971449940957 n 1

سلسلة قصص العشيرة / جزء 1

حكاية عن قرية تصلي لذكرياتها، وتخاف أن تحلم.

“في قريتنا، الخوف أقدم من اللغة، والسكوت أشرف من النجاة.”

كانت “الوهابة” ليست مجرد قرية، بل كائناً حياً له جلد من التقاليد، ومعدة تهضم الأحلام.

هواءها قديم، تُعطر الرياح فيه نفسها بالبخور كي لا تُتهم بالتمرد، وكل حجرٍ فيها يحفظ قصةً لا أحد يُسمح له بتغيير نهايتها.

في “الوهابة”، إذا وُلدت وفي رأسك فكرة، يُقال إنك مُصاب.

وإذا سألت: “لماذا؟”، يُقال إنك ترفض النسب.

وإذا لم تُقسم أن جدك كان أسداً، فلن تُمنح الاسم، ولن تُدفن بين موتى العائلة.

تُقام في كل عام “مزاينة كبرى للبلادة”، يتنافس فيها الكبار على أغبى عادةٍ حافظوا عليها دون تعديل.

– “ما زلنا نزوج أبناء العم فقط، حتى لو كانوا ككرات الصديد!”

– “وما زلنا نحرم البنات من الإرث، لأن خالنا كان يُحب الذهب!”

– “ومن يرفع عينه على شيخ العشيرة، يُقطع رأسه رمزياً.. ثم فعلياً لاحقاً!”

ويصفق الحضور، ثم تُنشد الأشعار عن أمجادٍ لم يروها، لكنهم مستعدون للموت لأجلها.

دخل راشد على الخط، حفيد الشيخ المؤسس، لكنه خرج عن النص.

كان غريباً؛ لا لأنه من خارج القبيلة، بل لأنه لا يضع العقال، ولا يؤمن بأن الشرف عضلة وراثية.

قال لهم:

“أفكارنا تمشي على عكازات، وقلوبنا تعيش في توابيت. العادات لا تصنع هوية، بل قيد ملون.”

قال خاله: “اسكت، هذا كلام يفتح أبواب الجن!”

قال ابن عمه: “أتخون دماء جدك؟”

قال راشد:

“أنا لا أخون، بل أحاول أن أُنقذ.”

فكروا.. لحظة واحدة فقط.

ثم اتفقوا على نفيه.

لم يُنفى لأنه كفر، بل لأنه فكر بصوت مرتفع.

خرج راشد، وكانت عيناه تنظران إلى القرية كما ينظر الأب إلى طفله حين يختار السيف بدل القلم.

مرت سنوات.

وبقيت “الوهابة” كما هي، يُديرها شيخٌ مات منذ خمسين سنة، لكن صوته ما زال يخرج من المآذن، يُنذر، يُهدد، ويُحرم الهواء إذا حمل فكرةً جديدة.

ثم عاد ابن راشد،

رجل نحيل، يحمل دكتوراه في الهندسة العصبية، وألماً لم يجد له علاجاً،

دخل بصمت، ولم يُظهر نسبه، لكنه كان يشبه الحكاية.

سأله شيخ العشيرة:

– “من تكون؟”

أجاب بهدوء:

أنا من نسل من أحبكم أكثر من أنفسكم.. ولهذا رحل.

أرادوا ضربه، طرده، دفنه.

لكن أحدهم سأله همساً: “هل ما زالت الحياة خارج هذه القرية تختلف؟”

قال:

هناك لا أحد يفتش قلبك قبل أن يمنحك اسمك.

نظروا إلى بعضهم.

ولأول مرة لم يُصفق أحد.

بل نزل المطر فجأةً.

كان المطر أول شيء لم يُباركه الشيخ الراحل.

ولهذا.. خافوا.

في نهاية العام، نُصبت مأدبة عظيمة لأرواح الموتى.

جلس الأحياء على الأرض، بينما وُضعت المقاعد للموتى فقط.

قرأ الشيخ الأكبر وصية الجد المؤسس:

“لا تغيروا شيئاً.. ولو تحولنا إلى غبار.”

وأطاعوا ذلك.

ثم قام طفلٌ من الخلف، وسأل:

“لكن ماذا لو كان الغبار نفسه قد تعب؟”

صمت الجميع.

#يتبع

ختاماً:

الذين يمشون إلى الوراء لأن أجدادهم كانوا هناك، لن يروا النور.. حتى لو وضعوه في جيوبهم، لأن الجيوب كانت مثقوبة منذ ولادتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading