الشعر وسرد الواقع – محمود العشيري
المبحث الرابع: القصيدة فِعْلُ إنجازٍ: الصياغة الخِطابيَّة للسرد
(١) يُغْفِل التعاملُ المعاصر مع الشعر الجاهلي — في بعض وجوهه — الاعتبار التداوُلي في تناول القصيدة، ويقف من الشعر عند حدود القصيدة بما هي نص مغلق، هذا التعامل قد يحيط ببعض السرود التي تحاول أن تروي سياقه أو تدَّعي مناسبته، ولكنه يستمد منها تغذيةً ما لفهمه للنص في إشاراته المغلقة. إنه بالأحرى يستعين فقط بهذه السرود المصاحبة على فهم إشارات النص وبناء اتساقها.
وما نود أن نؤكده هو الحاجة إلى تجاوز هذه الرؤية التي تجعل من النص في ذاته على الدوام غاية الفهم ومنتهى الطَّلَب، دون اعتبارٍ لكونه أحيانًا مُكَوِّنًا في حَدَثٍ تواصلي أكبر منه، يتجاوز النص فيه مجرد كونه ذا بُعْدٍ توثيقي إلى أن يغدو فعلًا إنجازيًّا، إذا استعرنا المفهوم من «جين أوستين».
ومفاد هذه السطور أنه ليس من اللازم أن يكون السرد هو غاية النص؛ بل قد يدخل السرد بوصفه «توثيقًا» لخدمة ما هو «إنجازي» — على ما سنُبين — وما هو توثيقي هو ما يُكْسِب ما هو إنجازي بُعْدَه الوجودي وبعضًا مما ينقله من حيز المشروع إلى حيز التحقق، فعلى البحث أن يطمح — في تجارب لاحقة — إلى أن يَمُد بَصَره إلى القصيدة في علاقاتها بمُستعمليها وعلاقة ذلك بانبِنائها وتقاليدها، وبخاصة أن الخطاب الأدبي في الشعر الجاهلي يقف في كثيرٍ في صدارة الخطابات التي تحيل مكوناتها — بصورةٍ أو بأُخرى — على مرجعيات اجتماعية (وهذا لا يمنع بالتأكيد أن يحيل تجريد هذه المواضعات على معانٍ وتجارب لها طابع الإطلاق وقابلية الاستعادة في لحظات أخرى تالية).
وهنا سوف يتجاوز الكتاب القصيدة بوصفها بناءً مغلقًا أو منغلقًا على ذاته إلى انفتاحه على سياقيَّة تداوُلِه، فنعالج استعمال القصيدة؛ بمعنى أن نتجاوز إنتاج النص إنشاءً تَلَقِّيًا إلى النظر في مردوده، فننظر في استعماله بوصفه علامة في سياق تداوله الأول على الأقل.
وفي هذا المدخل لا نُسْلِم النص لموقفه الغائي أو لمقصده، وإلا قَتل المقصد ما فيه من فن، غايتنا أن نُولي الغرض والمقصد حقيقَ اهتمامه حسب ما يلوح، ونتصدى لمحاولة تذويب الموقف الغائي من كل القصائد الجاهلية — على سبيل الخصوص — وإسلامها لانفراد الموقف الجمالي بها. إن الموقف الغائي حقيقٌ بالعناية، ولكن هذا لا يمنع النص أن يورق بعيدًا عن مقصده، عن أن تتفاعل علاماته لتنقلنا إلى عوالم بعيدة من المعنى والتأويل.
لقد كان هناك على الدوام اعتقادٌ يقوم على أن التكلُّم بشيءٍ ما — وعلى الأقل في جميع الحالات التي تستحق النظر — هو دائمًا ليس إلا إثباتَ ذلك الشيء، وتقريره، والإسناد إليه (بالمعنى النحوي والمنطقي لمفهوم الإسناد). ولكن مع نظرية «جين أوستين» في الأفعال الكلامية أصبحنا نلتفت إلى أن التكلُّم بشيء ما قد يعني فعله وإنجازه، وبعبارة أخرى: أن قول شيءٍ ما هو إنجازه. فقد ذكر «أوستين» أن هناك عددًا من العبارات لا «تُخْبِر» أو «تَعْرض» أَيَّ شيء، ومن هنا فهي جمل ليست «صادقة أو كاذبة»، ولكن «النطق» بها نفسه هو حدث أو جزء من حَدَث.٢٧ فقولنا:
- «نعم. أقبل أن تكون هذه المرأة زوجتي الشرعية» متلفِّظين ﺑ «نعم» هذه في أثناء عقدنا الزواج.
- أو أسمي هذه الباخرة: «بَلقِيس».
- أو «أَتْرُكُ هذا المنزل ميراثًا لأخي» كما يحصل عند قراءة الوصية.
- أو «أراهنك على أن السماء ستُمطر غدًا».
إن تلفظنا بهذه الجُمَل في سياقاتها المخصوصة ليس «وصفًا» لحال قيامنا بالفعل، وليس «إثباتًا» لكوني قائمًا به، بل إن النطق بالجملة هو إنجازها وإنشاؤها. فأن أعقد عقد الزواج من طَرَفي هو أن أنطق بهذه العبارة، وأن أسمي الباخرة هذا الاسم هو أن أنطق بذلك، وكذا توريثي المنزل، وكذا الرهان هو قول شيءٍ ما. ومن هنا يَعُد «أوستين» هذه العبارات عبارات «إنجازية» أو «إنشائية»؛ إذ إنها تُنشئ فعلًا وتعمل على إنجازه. و«الفعل» هنا هو «الحدث» أو «النشاط» الذي ننجزه بتلفُّظنا بهذا النوع من الجُمَل. «ومفاد الفكرة المركزية التي دافع عنها «أوستين»: أن تحديد الفعل اللغوي الذي نستعمل له، بصور معيارية، جملةً معينة هو الذي يعطينا تلك الجملة».٢٨
ينظر «أوستين» للفعل اللغوي كجنسٍ عام من وجهات ثلاث هي:
- التلفُّظ، وهو ما يختص «بمخارج الحروف المادية».
- النطق، ويتعلق «بمقاصد العبارة».
- الخطاب، ويهتم «بمقاصد المتكلم الخارجة عن العبارة والمفهومة من السياق».
ومن هنا نراه يُفَرِّق بين أنواعٍ ثلاثة من الأفعال اللغوية:
- (١)الفعل القولي Locutionary act وهو فعلٌ لقول شيء ما. هو فعل التلفظ بجملة تفيد معنًى انطلاقًا من معاني ألفاظها.
- (٢)الفعل الإنجازي Illocutionary act وهو فعل يُنْجَزُ بقول شيءٍ ما. كأن يكون فعل أمر أو نهي أو استفهام أو نداء … وهو فعل لا يكون متحققًا سطحيًّا في الجملة.
- (٣)فعل جَعْل الإنجاز Perlocutionary act وهو فعل يُنْجَز بقول شيءٍ ما.
والفعل هنا إنجازٌ وأثر، كإقناع شخصٍ بشيء، أو إزعاج شخص، أو حَمْل شخصٍ ما على كلامنا …٢٩
على أن هذه القسمة ليست غاية في النقاء في جميع الحالات؛ ففي الفعل القولي «نقول شيئًا»، لكننا نستخدم التعبير أيضًا في أغراض محددة كالتحذير أو إعلان حكم … وبهذا المفهوم نؤدي أيضًا حَدَثًا إنجازيًّا وهو ما قاد أوستين وآخرين ممن اتبعوه إلى التسليم بأن العبارات الناتجة (التوثيقية) هي مجرد نوع من الحدث الكلامي.٣٠
إن شروطًا كثيرة يجب أن تتحقق حتى يتحقق الإنجاز الذي نأمله، وفي مقدمتها استناد الخطاب إلى النيَّة والمواضعة، في محاولة لملء الهوَّة بين المعطى المحسوس والإدراك الحِسِّي. فالوعد بشيءٍ ما نحو: «أعِدُ بأن …» يجب أن يُتَلَفَّظ به على نَحْوٍ جادٍّ حتى يتحقق المقصد من الجملة.
(٢) وعلى هذا النحو سنستعير إطار نظر «جين أوستين» للأفعال في النظر إلى القصيدة؛ حيث يصبح حدث التلفظ بالقصيدة هو إنجازٌ لفعل وإنشاء لحدث، أو أنه أمر له نتائجه وانعكاساته الملموسة في واقع التواصل. إن الفعل والنتيجة هنا أمورٌ ليست من قبيل المجاز أو النتائج المرجوَّة أو الفعل المؤجل، أو واقع التواصل. وما كان يقوله أوستين حول الجملة: «بإنجاز «س» أكون فاعلًا «ص»: By doing X, I am doing Y».٣١ نحاول أن نقوله على النص، على القصيدة.
ولعل تاريخ الأدب لم يَنْسَ بحالٍ تلك القصائد التي نجَحَت في تحقيق فعلها الإنجازي، كتلك التي أبرمت عَقْدًا أو نقضته أو أعلنت ولاءً أو أبرأت ذِمَّة أو اعتذرت … إن ضمير المتكلم في مثل هذه النصوص ليس مجرد «استعمال» أو «تكوين لغوي» ولكنه إطار يفرض المتكلم خلاله نفسه كذات في مقابل آخر أو آخرين، يستلزم وجودهم وجود هذا الضمير/الذات.
إن اللغة هنا لا يُنْظَر إليها في حدود كونها نظامًا من العلامات التي تعتمد على اختلافات داخلية، ولا كونها تحيل إلى محتويات متعينة، ولكنها في ذاتها — حال النطق بها — فعل يتم إنجازه. إن القصيدة على هذا النحو — مع ما تقدِّمه من سَرْد — ممارسة اجتماعية.
إن الفعل الإنجازي يرتبط بمضمون قَضَوي في الجملة. وإذا كانت التراكيب القضوية تقوم على مفهوم «الحقيقة»، فإن المفهوم المركزي للأفعال الإنجازية هو «الرضا»، أو لنقُل «نجاحه». ويصبح الأمر «مُرْضيًا» أو «ناجحًا» حين يكون متقبل الأمر، الذي هو المستمِع أو المتلقي، قد أنجز الفعل الذي أُمِرَ به أو دُعي إليه أو … إلى آخر صيغ الأفعال الإنجازيَّة. ولعل هذا لن يكون حتى يتحقق لديه «حقيقيَّة» المضمون القضوي.
ومن هنا فعندما يُقَدم السرد في الخطاب التداولي فإنه لا يُقَدَّم من باب التخييل، وإنما يَتَلَبَّس السرد مستوى الخطاب الجاد والحقيقي. وتحاول اللغة أن تعود إلى مرجعيتها الحقيقيَّة التي تحيل إليها، حينئذٍ أيضًا، أنماط التخييل.
وعندما تنحو القصائد والمقطعات إلى أن تهيمن عليها صيغ الخطاب وتتوجه بقوة نحو إنجاز أفعال فإن قُوى تماسك الطابع السردي تأخذ في الانحلال إلا ما يَدْعم أفعال الإنجاز على مستوياتٍ محدودة ومتفاوتة، ويغدو الأمر رهين «تأكيدات أفكار مركزية». إن السرد يتباعد بانفراط العلاقات العِلِّيَّة بين الأحداث، فما يهم في مثل هذه القصائد والمقطعات — على سبيل الخصوص التي تُنْذَر لتحقيق الإنجاز — ليس هو وصف تغيرات الأحوال، وإنما هو تقديم مُسَوغات وتفسيرات وتمهيدات موازية، ومعالم موقف ووجهات جانبيَّة. أمورٌ تصاغ «كأفكار» أَولى من صياغتها كأحداثٍ تقع، (حتى وإن كان مفهوم السرد قارًّا في عمق كل «فكرة» كما نعتقد). والمخاطَب في هذه القصائد الإنجازية حاضرٌ حقيقةً في مستوى تحقيق مقصدها، في سياق إنتاجها الأوَّل، حاضرٌ تقديرًا في السياقات التالية لإعادة إنتاجها اللاحق.
وعندما ننظر للقصيدة بوصفها فعلًا إنجازيًّا لا يعني هذا استهلاكها بوصفها شيئًا نفعيًّا فقط. وإنما هي حينئذٍ تعبر عن دور العلامة/القصيدة في الحياة، وما كان للقصيدة أن تؤدي هذا الدور الذي أدته لو أن تغيُّرًا آخر اعتراها من حيث الإيقاع أو صياغة التراكيب أو التخييل والمجازات وما إلى ذلك من أنساق الانبناء الفني، فالقصيدة لا تحقق وظيفتُها الإنجازية مضمونها أو محتواها فقط، وإنما هي محصلة تضافُر مكوناتها كلها. لقد حققت فعلها على هذا النحو لكونها لها هذا الطابع العلاماتي الخاص.
(٣) لقد هجا بشر بن أبي خازم ﻣﻔ (٩٦) أوس بن حارثة بن لَأمٍ الطائي، وكان قد ذكر أُمه في بعض هجوه. فلما أن أسرته بنو نبهان من طَيِّئ ركب أوس إليهم فاستوهبه منهم، وكأن أوس قد نذر ليُحرقَنَّه إن قدر عليه. فقالت له أُمه سُعدى: قَبَّح اللهُ رأيك؛ أكرم الرجل وخلِّ عنه، فإنه لا يمحو ما قال غيرُ لسانه! ففعل. فجعل بشرٌ مكان كل قصيدة هجاء قصيدة مدح له.٣٢ هنا، لا يمحو الكلامَ غيرُ الكلام، وحتى القتل لا يُزيل مَعَرَّةً ألصقها الكلام. الحياة هنا موازية للكلام ومساوية له في طقس تبادلٍ قائم على: أهبكَ حياتكَ = تهبني لسانك فحياتُك لك، ولسانك لي.
يقول «مَقاس» العائذي في ﻣﻔ (٨٥):
(١) أَوْلَى فأَوْلَى يا امْرَأَ القَيسِ بَعْدَما
خَصَفْنَ بآثارِ المَطِيِّ الحوافِرَا
(٢) فإنْ تكُ قد نُجِّيتَ منْ غَمَراتها
فَلا تأتِيَنَّا بَعْدَها الدَّهْرَ سادرَا
(٣) تَذَكَّرَتِ الخَيْلُ الشَّعِيرَ عَشِيَّةً
وكُنَّا أُنَاسًا يَعْلِفون الأياصِرَا
(٤) فَوَاللهِ لَوْ أنَّ امْرَأ القَيْسِ لمْ يَكُنْ
بفَلْجَ عَلى أن يَسْبِقَ الخَيلَ قادِرَا
(٥) لَقَاظَ أَسِيرًا أو لَعَالجَ طَعْنةً
تَرَى خَلْفَهُ مِنها رَشَاشًا وقاطِرَا
(٦) فِدًى لأُنَاسٍ ذَكَّرُوهُمْ مَعِيشَةً
تَرَى لِلثَّريدِ الوَرْدِ فيها نواخِرَا
(٧) فإنَّ بَنِي عِجْلٍ هُمُ صَبَّحُوكُمُ
صَبُوحًا، يُنَسِّي ذَا اللَّذَاذَةِ سَاعِرَا
(٨) أجِئْتُمْ إِلَينَا في بَقِيَّةِ مَالِنَا
تُزَجُّونَ من جَهْلٍ إلينَا المنَاكِرَا
يَصْرِفُ النَّصُّ الخطابَ من البيت الأول إلى (مُخاطَبٍ) بعينه هو «امرؤ القيس بن بحر بن زهير بن جناب الكَلبي» هذا المخاطَب هو المعني بالتهديد والوعيد والتعيير والتهكُّم. وكلها أفعال ينجزها الشاعر «مَقاس العائذي». ولتتحدد الأسماء هنا؛ إذ نتحدث عن إنجازٍ أَوَّليٍّ يحدد الشاعِرُ نَفْسُه فيه مُخَاطبَهُ بوصفه الآخر بالنسبة له، مُعبِّرًا في ذلك عن صوته الخاص وصوت جماعته.
«أَوْلى فأوْلى يا امرأَ القَيس» بهذه العبارة يفتتح «مَقاسٌ» نَصه ويُنْجِز في اللحظة نفسها فعل «الوعيد»، الذي يُصَدِّر به خطابه «امرأ القيس الكلبي». وبالبيت الثاني المصاغ شَرْطيًّا ينجز فعل «تعييرٍ» لخصمه. هذا التعيير الذي «يَقْدَح» به حياته التي يحياها مع الذلِّ؛ ذل النجاة فرارًا مهينًا من موتٍ مُحَقَّق. وكذا «يمنع به» تكرار الفعل وإعادة الكَرَّة، فالرأس التي تتطامَن بالتعيير لا ترتفع لملاقاة مَنْ سَبكها في موضع الذليل.
وعلى الحقيقة، ربما كانت العبارة تحقق بالفعل (فعل التعيير) وتنجح فيه بوصفه فعلًا إنجازيًّا، ولكن ليس من الضروري أن تنجح في تحقيق «الامتناع المستقبلي» عن تكرار الهجوم من قِبَل الخصم بوصف هذا الامتناع «لازم فعل الكلام». إن فعل «التعيير» يقع، ولكن إنجاز ما يترتب أو يلزم عنه ليس قيد التحقق على سبيل اللزوم. خاصةً وأن هذا الامتناع مستفادٌ من إنجاز فعل التعيير السابق أو العبارة التي تنجزه. وقد يؤسس البيت الثالث لمعاني من نحو:
- «انهزمت خيلهم، فلم تتلوم، حنينًا إلى معالفها، وإلى ما عُوِّدَت من تعاليقها من الشعير والقَتِّ، ونحن على عادة البدو، فخيلنا تصبر على ما تيسَّر لها من أنواع العلف.»٣٣
- أو «أنكم تعلفون خيلكم الشعيرَ في الأمن، فإذا صِرْتم إلى الحرب وفارقت خيلكم الشعير ذَبَلَت وقَل عَدْوُها.»٣٤
وقد يكون صِدْق البيت أو العبارة — بالمعنى المنطقي أو التخيِيلي — مُهِمًّا على مستوى النص، على مستوى تسجيل قوة قومه وضعف الآخرين وخورهم ودعتهم. ولكن ما هو قيد النص بوصفه خطابًا، ما هو قيد التواصل هو هذا «التهكُّم» الذي ينجزه الشاعر بقوله هذا الكلام الخبري. إن إنجاز التهكم لصيق هذا الخبر الذي قد يحتمل الصدق أو الكذب.
ويعود النص بعد ذلك لينجز ببَيتَيه الرابع والخامس «تعبيرًا» آخر، وكذا «تهكمًا» بالبيت السادس. إنه على الإجمال ينجز أفعال «الوعيد» و«التعيير» و«التهكم» عبر التلفظ بجمل النص المتوالية. وفي ضوء هذه الأفعال الإنجازية تأتي أفعاله الخبرية. إن النص يحتاج لكُل ما هو «خبري» لمساندة ما هو «إنجازي»، إنه بحاجة لما يحتمل الصدق أو الكذب، لمساندة ما لا يحتمل الصدق أو الكذب، ولكن عبر هذه «النيَّة أو القصد» التي هي مؤسِّسة للأفعال الإنجازية نفسها، عبر هذه النيَّة تُصاغ الجُمَل على نيَّة الصِّدق، حتى في تكذيب الأقوال، فالمتكلم صادقٌ حتى في تكذيبه. وعلى هذا النحو تقدم الصيغُ الخبرية «الحكاية» وتُقَطِّرها بين هذه الأفعال الإنجازيَّة المتعددة؛ فيقدم «الحدث المركزي» في الحكاية وهو «فرار امرئ القيس من المعركة» في البيتَين الثاني والرابع، هذا الحدث تُصاغ حوله أحداث أُخَر أقل مركزية، هي بمثابة الأنوية والوسائط٣٥⋆ من الحدث المركزي الذي هو حدث وظيفي، ومن هذا القبيل: «خَصَفْن بآثار المطِي الحوافرا»، «تذكَّرت الخيلُ الشعير عشيَّةً، وكُنا أناسًا يعلفون الأياصرا».
قلنا: إن عبارةً مثل: «أَولَى فأَولَى يا امْرأ القيس» لم يُقْصَد بها في كلها ولا في جزئها أن تُخْبر عن أمرٍ ما، أو أن تُبَلِّغ معرفةً عن حَدَثٍ مخصوصٍ قد وقع، بل إن الشاعر يُنْجز بها «وعيدًا» لمخاطَبِه. ولكننا نضيف أن هذا الوعيد عندما يَصْدُر عن شَخْصٍ لآخر ولقبيلته فإنه لم يكن ليُنْجَز لو لم يصدُر عن ذي الصفة المؤهلة لإصداره، بمعنى أن يكون المتكلم في وضع يُبيح له أن ينجز الفعل، وإلا عُدَّ الفعل وكأنه لم يكن. فوضعيَّة الشاعر في القبيلة، وطبيعة التعاقد حول ماهية القول الشعري وطبيعته، وسياق القصيدة وموضوعها، مقومات كثيرة تتدخل لتحديد ما إذا كان الفعل إنجازًا حقيقيًّا، أو أنه في المقابل «عديم الأثر»، أو ربما كان مجرد «شروع في الإنجاز»، على ما بين المستويات الثلاث من تفاوت، وعلى ما في كُلٍّ دَرَجات أُخَر.
إن وضعية الشاعر في القبيلة ووضعه المؤسسي (خارج-اللساني) يدخل كمقومٍ رئيس لإنجاز تلك الأفعال الكلامية التي يتبنى فيها الشاعر وجهة نظر القبيلة، ويصبح بهذه الوضعيَّة لسان حالها. وطبقًا لمقاييس «سيرل» لتصنيف الأفعال الإنجازية يتقرر أن هناك عديدًا من الأفعال الإنجازية بحاجة إلى مؤسسة خارج لسانية لإنجازها، وغالبًا ما تكون هذه الأفعال بحاجة إلى وضعيَّة أو موقف خاص بالمتكلم والمستمع في حضن المؤسسة.٣٦
إن الشاعر لكي يقوم بإعلان حَرْب، أو الاعتذار عن جُرْم، أو مباركة فِعْل يتصل بالجماعة، لا يمكنه إنجاز ذلك بعيدًا عن أن يكون صوتًا مُعْتَمدا للمؤسسة أو الجماعة التي يتكلم باسمها. لا يمكنه ذلك بعيدًا عن أن يكون صوتًا مغروسًا في عمق الائتلاف الذي يمثله. حينئذٍ، وربما حينئذٍ فقط، يصبح كلامه نافذًا وفعلُه ناجزًا.
لقد احتل الشاعر الجاهلي — على وجه الخصوص — موضعًا مُحَدَّدًا في بِنية مجتمعه بوصفه لسان حال الجماعة، وكانت وضعية قيمته تعود إلى كفالته استراتيجيات الإعلام والمناوأة اللفظية، وإدراج المآثر حيز التاريخ بصياغةٍ مُنحازة (القصيدة)، تعبر بالطبع عن رأي القبيلة.
إن الشاعر الذي تكفُل له القبيلة حق الرعاية والجزاء والتشريف مُطالَبٌ على الدوام بألا يتخلى عن دوره، وما ينطق به دومًا هو صياغة لأفقٍ غير مصوغ، قارٍّ في وعي الجماعة، والشاعر أكفأ أعضائها على صياغته.
لقد كان الشاعر الجاهلي — على العموم — قَبَليًّا بكل ما في هذا الوصف من امتلاء، وكان هو مؤسسة الدعاية السياسية والاجتماعية الأولى للجماعة، وعندما كان ينجز بكلامه فعلًا فهو إنجاز القبيلة، هو صوتها الذي ينتقل بمآثرها وأمجادها ودعاويها. وعمق صوته الذي ينغرس في قلبها لم يكن إلا لأنه يلبي احتياجاتها، ويحمل رسالتها. ولعلنا لا نجد عمق هذا الصوت في فترات لاحقة من تاريخ الشعر العربي،٣٧ فترات لم يعُد فيها الشاعرُ المعبرَ الرسمي عن صوت القبيلة، أو العشيرة الدينية بعد ذلك في العصر الإسلامي، هذه العشيرة الآخذة في التوسُّع. لقد غدا «مدافعًا» عن عائلة ممسكة بزمام السلطة أو عن حزبٍ معارض يناوئ السلطة الحاكمة، ثم أصبح مدافعًا عن مصلحةٍ شخصية يرومها، دفعت بشعره إلى مجرد ممارسة هي محض تسلية متفاوتة في إبداعيتها، ومن هنا يتفاوت رصيد مصداقية الصوت.
إن ما نؤكده إجمالًا هو أن القصيدة قد تحقِّق فعلًا إنجازيًّا ما، أو تجعل شخصًا ما ينجزه، ولكن هذا الإنجاز أو جعل الإنجاز لا تحققه بالضرورة مقومات لسانية داخل القصيدة، بل قد تحققه شروطٌ خارج لسانيَّة، ربما يكفل إنجازَها التواطؤ على عرفيتها، في مقدمتها وضعية الشاعر الخاصة في القبيلة وصدوره عنها.
تذكُر النصوص أن أهل بيت من «بني ثعلبة بن سعد بن ذُبيان» رَهْط «مُزَرد بن ضِرار الذُّبياني» قد جاوروا في «بني عبد الله بن غطفان»، فذهب رجلٌ من «بني عبد الله» يقال له «زُرعة بن ثوب» إلى غلامٍ من «بني ثعلبة» يقال له «خالد بن عبيد»، وكان للغلام إبلٌ كرام حِسان، وتَسَفَّه «خالدًا زُرعةُ»، ولم يزل به يخدعه حتى اشترى الإبل منه بغنم؛ قِيل أخذ ستة عشر من الإبل وأعطاه ستين عنزًا ونعجة، فرجع «خالد» إلى أبويه فأخبرهما، فقالا: هلكتَ والله وأهلكتنا، وانطلق أبوه إلى «زُرعة» فأبى أن يردها، فأتى «مُزَرِّدًا»، وقَص عليه القصَّة، فقال «مُزَرد»: «أنا ضامِنٌ لك إبلك أن تُرَد عليك بأعيانها». فأنشأ قصيدته ﻣﻔ (١٥) التي مطلعها:
ألا يا لِقَوْم والسَّفاهةُ كاسْمِها
أعائِدَتي من حُبِّ سَلْمَى عوائِدي
وأهْداها إلى بني عبد الله، فَرَدوا على الغلام إبله.٣٨
إن القصيدة على هذا النحو تُنْجِزُ فعلًا على وجه الحقيقة عندما تَضْطَر «زُرعةَ» إلى رد الإبل، أو بالأحرى تضطر القبيلة التي تُلْزِم «زُرعة» بذلك. وهي هنا لا تثبت معنًى كُليًّا يدور بين الإثبات والنفي، وإنما تنجز هذا المعنى. هذا المعنى الذي يَدُلُّ على إنجازه فِعْلٌ آخر لزَم عنه، وهو رَد الإبل. إن القصيدة هنا «تفك عَقْدًا أُبْرِمَ بناءً على خُدْعة»، والقوة التي تُلْزم بنقض هذا البيع هي طاقة التشهير التي تكتنزها.
وعلى نَحْو آخر يكتب «المثَقِّب العَبْدي» قصيدته التي مطلعها: «ألا إن هندًا أمْسِ رَثَّ جديدُها» ﻣﻔ (٢٨)، يطلب بها من «النُّعمان بن المنذِر» أن يطلق سراح قبيلته «بني لُكيز العبديين» وتتكاتف المكونات السردية للقصيدة معًا لتكوين أرضية صالحة لإنجاز الفعل، الذي هو «رجاء» أو بالأحرى «أَمْرٌ» قَدم فيه «المُثَقِّب» فروض الولاء ومَدَح «النعمان» وذكر له من الصفات ما به يستحيل عليه العدول عن الاستجابة لطلبه، فطقس الهدية٣٩⋆ يحكم إطار التبادل فيما بين المثقِّب والنعمان، بما يستوجب من المُهْدَى أن يرد الهدية بأحسن منها، هذا فضلًا عن الإلزام الأدبي بما يعقبها من مطالب، ومن هنا يتوجب على النعمان تلبية مطالب «المثقب». وطقس الهدية جزء من إطار التبادل الطقوسي الأوسع الذي يصبح فيه قول «المثقب» قصيدتَه طقسًا تبادليًّا تصبح فيه القصيدة مساوية لحياةٍ بشرية أو لحياة بشر؛ يملك «النعمان» أسرى هم أهل «المثقب»، والمثقب بما لديه من طاقة شعرية يملك «القصيدة»؛ كلماته النافذات المثمنة تمامًا في المجتمع العربي القديم.
ما ينتجه الشاعر من سَرْد يُدْرَج كُله في سياق إنجاح إنجاز فعله «الطلبي» الذي يؤخره لآخر النَّصِّ:
فأنْعِمْ أبَيْتَ اللَّعْنَ إنَّك أصْبَحَتْ
لَدَيْكَ «لُكَيْزٌ» كَهلُها ووَليدُها
وأَطْلِقْهُمُ تمشِي النساءُ خِلالهمْ
مُفَكَّكةً وَسْط الرِّحالِ قُيودُها
ب (٢٧، ٢٨)
وهذا الطلب يظل هو «المقصد» الأكبر الذي يقود القصيدة نحو تماسكها. ويُقَدَّم قبل هذا الطلب وعبر النَّص كُله:
- تنصُّلًا واعتذارًا ب (١٧–١٩).
- مَدْحًا وثناءً ب (١٤–٢٦).
- إدلالًا بالحُرْمة وتذكيرًا بسوابق الخدمة ب (١٤).
هذا فضلًا عن وحدة الوصل والهجر والسفر ب (١–١٣) التي يجعل فيها السفر صالحًا لأن يكون وصولًا إلى الممدوح المخاطَب بالنص.
وهذا البناء الذي بناه عبر «موتيفات» الوصف والهجر والسفر كثيرًا ما كان يعطي علاقات توازٍ مع مناط النص الأكبر، فلا تبدو هذه الأجزاء بعيدة عن مطلب الشاعر وعلاقته ﺑ «النعمان» كما يصورها النص بعد ذلك.
إن الأبيات الثلاثة الأُوَل من النص تثبت الانبتات فيما بين «هند» والشاعر، فقد أخلَقَ جديد وصلِها، وضَنَّت بما كانت تمتعه به من سلامٍ ونحوه، إنها أبدًا لم تكن ممنوعة، فقد آثرت القطيعة مع إمكانية مَدها الوصل. ولعل الموقف هنا يتوازى مع «النعمان» الذي يُمْسك الأسرى مع إمكانية إطلاقهم، هذه «القدرة» التي يثبتها المدح صراحةً بعد ذلك ب (١٦، ١٩، ٢٠–٢٦).
وتثبت الأبيات كذلك علاقة حميمية فيما بين الشاعر و«هند»، يتمنى عودتها، هذه العلاقة غَيَّرها تَقَلبُ «هند» وانخداعها عن صديقها بمستحدثات الصداقة. هذه العلاقة الحميمية لعلها هي العلاقة المضمَّنة في قول الشاعر:
فإنَّ «أبا قابوسَ» عِندي بَلاؤه٤٠⋆
جَزَاءً بِنُعْمَى لا يَحِلُّ كُنُودُها
ب (١٤)
إذ يستلزم الإدلالُ بالخِدْمة وجليل الأعمال معرفةً عميقة تُوجب تحقيق هذه الفِعال. نقول: هذه العلاقة الحميمة تتغير أيضًا لأسباب قد يتجاوزها النص في كُلٍّ؛ يتجاوزها حال «هند» وكذا في حال «النعمان» وقبيلة «لُكَيز». ولكن ما لا يفوت الشاعر تقريره تواصي القبيلة بالإجناب وطول عنودها.
ويحذف الشاعر من «موتيف» الرحلة ضمير المقصود في هذه الرحلة التي يقطعها على ناقته:
فأيقَنتُ إن شَاءَ الإلهُ بأنَّه
سَيُبْلِغُني أجْلادُها وقصِيدُها
ب (١٣)
يقول التبريزي: «ويُبْلِغُني، يقتضي مفعولين، فحذف أحدهما وهو ضمير المقصود، وكأنه قال: يُبْلِغُني الملك.»٤١ هذا صحيح. وربما كان صحيحًا أيضًا أن يكون المقصود بهذا الضمير المحذوف هو الوصل المعنوي إلى هدفه (إطلاق سراح القبيلة).
وسواء أكان المقصود في الرحلة الملك — على ظاهر المنطق والأفعال — أو كان إطلاق سراح القبيلة، على سبيل المجاز، بما يجعل الرحلة رحلةً رمزية — فإن الوحدة كلها تتحرك نحو التلهُّف على الوصول في سباقٍ محموم بين الشاعر وناقته نحو الهدف ب (٦: ١٣)، ولا يكاد أي وصفٍ يخرج عن هذا الإطار الذي يؤسس للوصول بدءًا من قُوتها إلى سرعتها، إلى مجرد إغضائها وتهويمها عند الراحة، إلى الهِرِّ الذي ينهشها عند مَعْقِد غرزها، فتندفع في جري محموم، تتكلف فيه ما يؤديها إلى الهُلْك من الإسراع.
(٤) إن نصوصًا عديدة في المفضليات تكاد تنبني على هذه الطبيعة الإنجازية، أو بعبارة أخرى يفوتنا الكثير لو أننا لم نلتفت إلى طابعها الإنجازي في النظر النقدي لبنائها وتشكلها وقيمتها على الإجمال. ومن هذا القبيل: ﻣﻔ (٢، ٣، ٧، ١٠، ١٢، ١٥، ٢٦، ٣١، ٣٣، ٣٧، ٨٠، ٨١، ٨٢، ١٣٠) هذا فضلًا عن احتواء نصوص أخرى على أجزاء بعينها ذات طابع إنجازي على نحو ما نجد في ﻣﻔ (٨٣، ٨٩) وغيرها.
في ﻣﻔ (٢) يُغِيرُ «حزيمة بن طارق التغلبي» على رهط «الكلحبة العُرَني»، ويستاق إبلهم، فيأتيهم الصريخ، ويركبوا في إثره، فَيُهْزَم «حزيمة»، ويُستنقذ منه ما كان قد أخذه، ويفلت «حزيمة» من «الكلحبة» ويأسره غيرُه. وهنا يتوقف الشعر ليقول كلمته. و«حزيمة» الذي يفلت فعليًّا من «الكلحبة» يعود «الكلحبة» ليأسره فعليًّا بهذا النصِّ. إن اعتذار «الكلحبة» مما أفلت منه «حزيمة» بهذه الأبيات يُعيدُ أَسرَه مَرَّة أخرى. فلا فارق بين أن يؤسَر فعليًّا أو يُهْزَم حتى يوشك على الأسر؛ إذ الهزيمة لاحقة به في كلا الحالين، ومشارفة الفعل كفيلة بإلحاقه موطن العار:
فإن تَنْجُ منها يا «حَزِيمَ» بنَ طَارِقٍ
فقد تَرَكَتْ ما خَلْفَ ظَهْرِكَ بَلْقَعَا
ب (١)
إن المُقَطَّعة إعادةُ أَسْرٍ لفارِسٍ هَرَب.
وعندما تندد قصيدة الجُمَيْح ﻣﻔ (٧) التي مطلعها:
سائِلْ مَعَدًّا: مَنِ الفوارِسُ لا
أَوْفَوْا بجيرانهمْ ولا غَنِمُوا
عندما تندد بغدر «بني عامر»، بغدر «خالد بن نِضلة» وإخلاف عهد الجوار فإنها تنجز فعلًا «تعزيريًّا»، فالتفوُّه بها فِعْلُ تعذيرٍ وإحراقٍ وعقابٍ لازم. إنها توقع بهم فعلًا «تعييريًّا»، لا تريم معيرته عنهم ولا تتحول.
والمفضلية (٨٦) ﻟ «راشد بن شِهاب اليَشْكُريِّ»، التي يخاطب فيها «قيس بن مسعود الشيباني»؛ تندرج في إطار ما تُنْجِزه من توعد وتهديد خاصةً من خلال ما تأتيه في البيتين الرابع والخامس:
فمَهلًا أبا الخنساءِ لا تَشْتُمَنَّني
فَتَقْرَعَ بعدَ اليَوْم سِنَّكَ من نَدَمْ
ولا تُوعِدَنِّي إنَّني إن تُلاقِني
مَعِي مَشْرَفيٌّ في مَضارِبِهِ قَضَمْ
هذه المعاني التي تحققها الأفعال الإنجازية تَغدو هي المركز الذي يضم حوله الشبكة الدلالية لمكونات النص، فما في النص من نَعْتٍ للسيف والقوس والسهم والرمح، وذكره ما كان بينه وبين خصمه من كرم جوارٍ وصُحْبة كلها أمور سردية، لكنها دعامات يتحامل عليها الفعل الإنجازي في اكتساب «مصداقيته».
١ ⋆المحايثة Immanence: مصطلح يدل على الاهتمام بالشيء «من حيث» هو ذاته، وفي ذاته، فالنظرة المحايثة نظرة تُفَسِّرُ الأشياء في ذاتها، ومن حيث هي موضوعات تحكمها قوانين تنبع من داخلها، وليس من خارجها.
(انظر: مسرد المصطلحات الذي أعده د. جابر عصفور ملحقًا بترجمته لكتاب إديث كريزويل، عصر البنيويَّة، دار سعاد الصباح، الكويت، ١٩٩٣م، ص٣٩١).
٢ جان موكاروفسكي، الفن باعتباره حقيقة سيميوطيقيَّة، ترجمة: سيزا قاسم، ضمن كتاب: أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة؛ مدخل إلى السيميوطيقا، إشراف: سيزا قاسم، ونصر حامد أبو زيد، دار إلياس العصريَّة، القاهرة، ط١، ١٩٨٦م، ص٢٨٦–٢٩١.
٣ ⋆⋆العلامة sign هي أيَّة وحدة ذات معنى، يتم تفسيرها باعتبارها تحل محل شيء آخر غيرها، أو تنوب هي نفسها عنه. وتوجد العلامات في شكل مادي (فيزيقي)؛ مثل الكلمات والصور والأصوات والأفعال والأشياء.
وليس للعلامات معنى أصلي ملازم لها، أو كامن بداخلها؛ فالعلامات تصبح علامات فقط، عندما يقوم مستخدموها بإكسابها معناها، من خلال إحالتها إلى شفرة معينة معروفة.
انظر: دانيال تشاندلر، معجم المصطلحات الأساسيَّة في علم العلامات (السيميوطيقا)، ترجمة وتقديم: أ. د. شاكر عبد الحميد، مراجعة: أ. د. نهاد صليحة، أكاديميَّة الفنون، وحدة الإصدارات.
٤ ⋆في الترجمة «حقيقة سيميوطيقية» واستبدلنا «سيميائية» ﺑ «سيميوطيقية» لتوحيد المصطلحات على طول الكتاب.
والسيميائيَّة: هي العلم الذي يَدْرُسُ ظواهر الثقافة بوصفها أنظمةً من العلامات. وهي المقابل العربي للمصطلح «السيميولوجيا Semiology» الشائع في الكتابات الفَرنسيَّة منذ أن أرسى فرديناند دي سوسير مفهوم هذا العلم، والذي نجده عند رولان بارت، وليفي شتراوس، وجوليا كريستيفا، وبودريار. وهي المقابل أيضًا لما يشيع في التيار المعرفي الأنجلو-سكسوني تحت مصطلح سيميوطيقا Semiotics، كما عند تشارلز سوندرزبيرس، ومن جاء بَعْده من أمثال موريس، وريتشاردز، وأوجدن، وسيبويك.
فهما مترادفان، وإن كان «جريماس Greimas» يُفَرِّقُ بين المصطلحين في الفرنسيَّة بأن:
سيميوطيقيا: مصطلح يحيل إلى الفروع، أي إلى دراسة أنظمة العلامات المختلفة. أما سيميولوجيا: فمصطلح ينطبق على الهيكل النظري للعلم.
انظر:
• مَسْرَد المصطلحات الملحق بكتاب: أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة؛ مدخل إلى السيميوطيقا، ص٣٥١، ٣٥٢.
• معجم المصطلحات الأساسية في علم العلامات (السيميوطيقا)، ص١٩١.
• هذا البحث الضافي حول المصطلح وصياغته بكتاب: المصطلح النقدي، د. عبد السلام المسدي، ص٩٧–١١٢).
٥ حازم القرطاجَنِّي، منهاج البُلَغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق: محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط٣، ١٩٨٦م، ص٨٩.
٦ ⋆لا يدخل الشعر عند الفارابي مثلًا في باب الألفاظ الصادقة؛ وإنما هو عنده ألفاظ كاذبة. وليس الكذب هنا صفة لما «يوقع في ذهن السامعين الشيء المعبَّر عنه بدلَ القول»، وإنما صفة لما «يوقع في ذهن السامعين «المحاكي للشيء». إنه يقول: «ولا يَظُنَّنَّ ظانٌّ أن المغلِّط والمحاكي قولٌ واحدٌ؛ وذلك أنهما مختلفان بوجوه: منها أن غرض المغلِّط غير غرض المحاكي؛ إذ المغلِّط هو الذي يُغَلِّطُ السامع إلى نقيض الشيء حتى يوهمه أن الموجود غير موجود، وأن غير الموجود موجود. فأما المحاكي للشيء فليس يوهم النقيض، لكنِ الشبيه.» فالمحاكاة إيهام بشبيه الشيء حيث الشعر والتخييل، أما المغالطة فهي إيهام بنقيض الشيء».
انظر: الفارابي، رسالة في قوانين صناعة الشعراء، ضمن كتاب: فن الشعر لأرسطوطاليس، ترجمة: د. عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، ص١٥٠-١٥١.
٧ تزفيتان تودروف، الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت، رجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، المغرب، ط٢، ١٩٩٠م، ص٣٥، ٣٦.
٨ ياروسلاف ستيتكيفيتش، سينيَّة أحمد شوقي وعيار الشعر العربي الكلاسيكي، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد السابع العددان ١، ٢؛ أكتوبر ١٩٨٦م، مارس ١٩٨٧م، ص١٣.
٩ د. أبو القاسم أحمد رشوان، مُعلَّقات العرب؛ مكانتها الاجتماعية والفنيَّة، مطابع الدار الهندسيَّة، القاهرة، ص١٩.
١٠ د. فخر الدين قباوة، هامش تحقيق شرح اختيارات المفضل للتبريزي، ٣: ١٥٣٠.
١١ ⋆يُنْظر أحيانًا للنصوص بوصفها سلاسل من الإضمار — كما عند «هارفنج» — بحيث أن سلاسل الإضمار حسب نظريته هي الوسيلة الحاسمة في بناء النصوص. فبعض الوحدات اللغوية، كالأسماء والأفعال (التي تصلح أن تُكَوِّن ما يُسمى بالمرجع) يُحال إليها برموز لغوية أخرى مطابقة لما تعود إليه، كالضمائر (التي تكوِّن حينئذٍ ما يُسمى بالراجعة)، وهذا الاستبدال الإضماري يضمن عند هارفنج بعد تحقُّقه وحدةَ سياق النص. ولذلك يُعَرَّف النص عنده بأنه «وحدات لغوية متتابعة مبنيَّة بسلاسل إضمار متصلة».
وتتحدد بداية نَصٍّ ما في نموذج هارفنج بظهور «المرجع التركيبي» وغياب الراجع. فكل الجُمل التي يرتبط بعضُها ببعض بسلاسل إضمار بَدئيَّة تُكوِّن نَصًّا. وعندما تتوقف سلاسل الإضمار هذه أو يُسْتَبْدل بها أخرى يبدأ بذلك نَصٌّ جديد. وعلى هذا النحو فكل الجمل التي يرتبط بعضُها ببعض بغير الإضمار — عند هارفنج — تنتمي إلى نصوص مختلفة.
انظر: فولفجانج هايته من، ديتر فيهفيجر، مدخل إلى علم اللغة النَّصِّي، ترجمة: د. فالح بن شبيب العجمي، جامعة الملك سعود، الرياض، المملكة العربية السعوديَّة، ١٤١٩ﻫ/١٩٩٩م، ص٢٧، ٢٨.
١٢ د. تمام حَسَّان، الخُلاصة النحويَّة، عالم الكتب، القاهرة، ط١، ١٤٢٠ﻫ/٢٠٠٠م، ص٩٢.
١٣ الرضي، شرح الرضي على الكافية، تصحيح وتعليق: يوسف حسن عمر، جامعة قاريونس، ١٩٧٨ﻫ/١٣٩٨م، ص١: ٩١.
١٤ ⋆ثمة فارقٌ بين التأريخ والتاريخ؛ إذ التاريخ History: هو جملة الأحوال والأحداث التي يَمُرُّ بها كائنٌ ما، وتَصْدُق على الفرد والمجتمع، كما تصدق على المظاهر الطبيعيَّة والإنسانية. وعَدَّ هيجل التاريخ جزءًا من الفلسفة؛ لأنه ليس مُجَرَّد دراسة وصفيَّة، بل هو أقرب إلى التحليل وبيان الأسباب.
أما التأريخ Historiography: فهو تسجيل هذه الأحوال والأحداث أو أي عرض نسقي لها. إنَّ صاحب التأريخ مَعنيٌّ بجمع الحقائق التاريخيَّة ووثائقها مع تسجيلها تباعًا، في حين أن المؤرخ أو صاحب التاريخ يرتبها ترتيبًا يتلاءم مع ميوله الفكرية والذوقية، وقد يتناولها بالمناقشة والشرح.
انظر:
• د. علية عزت عياد: معجم المصطلحات اللغوية والأدبيَّة، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، ١٩٩٤م، ص٥٧، ٦٥.
• إبراهيم فتحي، معجم المصطلحات الأدبيَّة، دار شرقيات للنشر والتوزيع، ط١، ٢٠٠٠م، ص٦٤.
١٥ والاس مارتن، نظريات السرد الحديثة، ترجمة: حياة جاسم محمد، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ١٩٩٨م، ص٩٢.
١٦ والاس مارتن: السابق، نفسه، وانظر أيضًا، مقال بول ريكور: الحياة بحثًا عن السرد، ص٤٢. وفي هذا يقول أرسطو: «إن عمل الشاعر ليس رواية ما وقع، بل ما يجوز وقوعه وما هو ممكن على مقتضى الرُّجحان أو الضرورة، فإن المؤرخ والشاعر لا يختلفان بأن ما يرويانه منظوم أو منثور … بل هما يختلفان بأن أحدهما يروي ما وقع، على حين أن الآخر يروي ما يجوز وقوعه. ومن هنا كان الشعر أقرب إلى الفلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ؛ لأن الشعر أمْيَل إلى قول الكليات، على حين أن التاريخ أميل إلى قول الجزئيات … إن الشاعر … ينبغي أن يكون أولًا صانع القصص قبل أن يكون صانع الأوزان، لأنه يكون شاعرًا بسبب ما يُحدِثه من المحاكاة، وهو إنما يحاكي الأفعال. وإذا اتفق أن صَنَع شعرًا في أمرٍ من الأمور التي وقعت فإن ذلك لا يؤثر في كونه شاعرًا، إذ لا شيء يمنع أن بعض الأمور التي وقعت قد جاء متفِقًا مع قانون الرجحان وقانون الإمكان، فعلى هذا الاعتبار يكون هو صانعها.»
انظر: أرسطوطاليس، في الشعر، حققه مع ترجمة حديثه ودراسة لتأثيره في البلاغة العربيَّة: شكري محمد عياد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٣م، ص٦٤، ١٦٥.
١٧ راجع: جوزف هورس، قيمة التاريخ، ترجمة: نسيم نصر، سلسلة زدني علمًا، منشورات عويدات، بيروت/باريس، ط٣، ١٩٨٦م، ص٧٨–٩٤.
١٨ روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ترجمة: د. تمام حَسَّان، عالم الكتب، القاهرة، ط١، ١٤١٨ﻫ/١٩٩٨م، ص٢٠٣.
١٩ ⋆من هذه القصائد التي تتضمن فعل الإبلاغ المشتق من الجذر «بلغ»:
• ﻣﻔ (١٠)، ب (٢٩)
• ﻣﻔ (١٢)، ب (٢٧)، ب (٢٩)
• ﻣﻔ (٤٥)، ب (٣)، ب (٥)
• ﻣﻔ (٤٨)، ب (٦)
• ﻣﻔ (٦٤)، ب (٧)
• ﻣﻔ (٦٦)، ب (١)
• ﻣﻔ (٨١)، ب (٣)
• ﻣﻔ (٩٧)، ب (١٥)
• ﻣﻔ (٩٨)، ب (٤١)
• ﻣﻔ (١١٨)، ب (١٩)
• ﻣﻔ (١٢٤)، ب (١٨)، ب (١٩)
ومن تلك التي تتضمن فعل القول «قُلْ»:
• ﻣﻔ (٧٠)، ب (١)
• ﻣﻔ (١٠٠)، ب (١)
• ﻣﻔ (١٢٩)، ب (١)
٢٠ ⋆⋆القوالب الصياغيَّة: صورة من صور التكرار التي يقوم عليها الشِّعر الشفوي، تشتمل على التكرارات الحرفيَّة، أو القريبة من الحَرْفيَّة.
انظر: جيمز مونرو، النَّظم الشفوي في الشعر الجاهلي، ترجمة: د. فضل بن عمَّار العماري، دار الأصالة للثقافة والنشر والإعلام، الرياض، ط١، ١٤٠٧ﻫ/١٩٨٧م، ص٣٦–٣٨.
٢١ ⋆ومن هذا القبيل:
• ﻣﻔ (٤٥)، ب (٥–٧)
• ﻣﻔ (٦٤)، ب (٧–١٢)
• ﻣﻔ (٨١)، ب (٣–٩)
• ﻣﻔ (٩٧)، ب (١٥–٣٨)
• ﻣﻔ (١١٨)، ب (٤١–٥٦)
• ﻣﻔ (١٢٤)، ب (١٨–٢٤)
٢٢ ⋆⋆ومنه مثلًا:
• ﻣﻔ (٧١)، ب (١–١٥)
• ﻣﻔ (٨٤)، ب (١–٤)
• ﻣﻔ (١٢٩)، ب (١–٨)
٢٣ يقول عَميرة:
فمَن مُبْلِغٌ عَنِّي إياسًا وجَنْدلًا
أخا طارقٍ، والقولُ ذو نَفَيانِ
ﻣﻔ (٦٤)، ب (٧)
٢٤ ⋆والموتيف Motif: هو وحدة موضوعاتيَّة صغرى متكررة في العمل الفني.
أما التيمة Theme (موضوعة): فهي وحدة موضوعاتية أكثر تجريدًا، أو وحدة دلاليَّة أكثر عموميَّة تتمظهر بواسطة مجموعة من الموتيفات، فالسفر في القصيدة الجاهلية تيمة أو موضوعة تتشكل من عدد من الموتيفات كالناقة والصحراء والهجير والذات المسافرة والعوائق …
انظر: قاموس السرديات، ص١١٦، ١٩٩.
٢٥ التبريزي، شرح اختيارات المُفَضَّل، ١: ٢٩٥.
٢٦ هامش تحقيق المفضليات، ص٥٥.
٢٧ انظر في ذلك: أوستين، نظرية أفعال الكلام العامة؛ كيف ننجز الأشياء بالكلام، ص١٥–٢١.
٢٨ عبد الحميد جحفة، مدخل إلى الدلالة الحديثة، دار توبقال للنشر، المغرب، ط١، ٢٠٠٠م، ص٢٩.
٢٩ انظر: أوستين، السابق، ص١١٣–١٢٨.
٣٠ راجع: ف. ر. بالمر، علم الدلالة؛ إطار جديد، ترجمة: د. صبري إبراهيم السيد، دار قطري بن الفجاءة، الدوحة، قطر، ١٤٠٧ﻫ/١٩٨٦م، ص٢١٢. هذا مع شيء من الاختلاف في ترجمة بعض المصطلحات.
٣١ أوستين، نظرية أفعال الكلام العامة، ص١٢٨.
٣٢ انظر: هامش تحقيق المفضليات، ص٣٢٩.
٣٣ شرح اختيارات المفضل، التبريزي، ٣: ١٣١٦.
٣٤ شرح اختيارات المفضل: التبريزي، ٣: ١٣١٦.
٣٥ ⋆الوظيفة function عند رولان بارت هي وحْدة السرد الأولى، ويمثلها كل مقطع من السرد يُقَدِّمُ نفسه كتعبير عن تعالُقٍ ما. والوحدات السردية مستقلة جوهريًّا عن الوحدات اللسانية، ويمكنها مع ذلك أن تتوافق، لكن عن طريق الصدفة لا عن طريق القصد. ومن ثم تُمَثَّل الوظائفُ تارةً بوحدات أكبر من الجملة، وتارةً بوحدات أصغر من الجملة.
وتنقسم الوظائف عند بارت إلى وظائف توزيعيَّة (الوظيفة)، ووظائف إدماجيَّة (القرينة index) وتنقسم الوظائف التوزيعية بدورها إلى وظائف رئيسيَّة (أنوية cardimal functions) وإلى (وسائط catalyses) وتنقسم الوظائف الإدماجيَّة إلى قرائن أو مؤشرات ومُخْبرات أو مُعْلِمات informans. ولكي تكون الوظيفة رئيسيَّة يجب أن يكون الفعل الحكائي الذي ترجع إليه يفتح (ويُبْقي أو يُغْلِق) خيارًا منطقيًّا بالنسبة لباقي القصَّة. ومن ثم فالوظائف الرئيسيَّة هي لحظات مجازفة في السرد، بينما تمثل «الوسائط» تلك الوقائع العارضة أو الأوصاف التي يمكن أن توضع بين وظيفتين سرديتَين متجمعةً حول هذه النواة أو تلك، دون أن تغير طبيعة الاختيار. وتظل الوسائط وظيفيَّة باعتبار كونها تدخل في تعالُقٍ مع نواةٍ ما. غير أن وظيفتها مُخَفَّفَة؛ أُحاديَّة الجانب وطُفيليَّة.
انظر: رولان بارت: التحليل البنيوي للسرد، ضمن كتاب: طرائق تحليل السرد الأدبي، ص١٤–١٩.
والوظيفة مفهوم يأخذ معاني ودلالات متعددة ومتباينة على نحو ما نجد عند فلاديمير بروب ورولان بارت وسوريو وغريماس على سبيل المثال.
القرينة index القرائن عند بارت لا تحيل على فعل، وإنما على تصور سائد، هذا التصور ضروري لفهم السرد أو القصَّة كأن تحيل القرائن على طبع أو شعور أو معلومات متصلة بهويَّة الشخصيات … والقرائن تحيل على مدلول ومن ثم فهي وحدات دلالية بكامل المعنى. أما المخبرات فهي الوحدات التي تُستخدم لتحديد وتعيين الوحدات السردية في الزمن والمكان.
٣٦ فرانسواز أرمينكو، المقاربة التداوليَّة، ترجمة: د. سعيد علوش، مركز الإنماء القومي، بيروت، ص٦٥. ويصنف سيرل الأفعال إلى خمسة أبواب: التأكيدات، الأوامر، الالتزامات، التصريحات، الإدلاءات.
٣٧ هناك مناقشة جادة حول تطور حماية الأدب ووظيفة الشعر ووضع الشاعر في المجتمع وعلاقته بالسلطة، بخاصة في العصر العباسي في كتاب د. جمال الدين بن الشيخ: الشعرية العربية، ترجمة: مبارك حنون، محمد الولي، محمد أوراغ، دار توبقال للنشر، المغرب، ط١، ١٩٩٦م. ص٧٠–٧٨.
٣٨ شرح اختيارات المفضل التبريزي، ١/ ٣٧١.
٣٩ ⋆يقوم طقس الهدية في المجتمعات التقليديَّة — كما يقول مارسيل موس Marcel Mouss — على أن الهدايا «من الناحية النظرية هي هبات طوعيَّة وعفويَّة، لا مصلحة فيها للمعطي، ولكنها في الحقيقة إجباريَّة، ولصالح المعطي نفسه. وتتخذ هذه الهبات عمومًا شكل الهديَّة المتفضَّل بها عن طيب خاطر، ولكن السلوك الملازم لإعطائها ليس إلا تظاهرًا وخدعة اجتماعيَّة في حين أن الإجراء نفسه مبني على الواجب والمصلحة الخاصَّة.» وقصيدة المدح هنا قيض في تبادل طقوسي للهدايا. ويشمل هذا التبادل الطقوسي ثلاثة واجبات هي: (١) إعطاء الهدية (٢) قبول الهديَّة (٣) إعطاء هبة مقابلًا لها.
وقبول الهديَّة يتضَمَّن قبول التحدي بإعطاء هدية مقابلة لها، تفوقها قيمة، وعدم إعطاء هذا المقابل يؤدي إلى الحطِّ من المكانة، أو إلى بذل ماء الوجه.
انظر: د. سوزان بينكني ستيتكيفيتش، أدب السياسة وسياسة الأدب، ترجمة وتقديم: د. حسن البنا عز الدين (بالاشتراك مع المؤلفة)، سلسلة دراسات أدبيَّة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٨م، ص٥٥–٦٠.
٤٠ ⋆في نسخة الشرح «بلاؤه»، وفي نسخة دار المعارف «بلاؤها».
٤١ شرح اختيارات المفضل، التبريزي، ٢: ٧١٥.





