الشعر وسرد الواقع – محمود العشيري

المبحث الأول: من التقاليد الأدبيَّة إلى تعيين الأماكن والشُّخوص
(١) من إشكاليات الأدب بعامَّة أنه ظاهرة مراوغة؛ ذلك أن باستطاعته أن يكون متعينًا ومطلَقًا في وقتٍ واحدِ، آنيًّا وسَرْمديًّا في الوقت ذاته. ويبدو هذا الطابع الإشكالي طابعًا محايثًا١⋆ له، وخاصية لا زمنية فيه. ومن هنا نظر بعض الباحثين للشعر القديم في آنيَّته وتعيينه، في حين لم يَعْتدَّ آخرون بالتاريخ أو التعيين أو الوقائع أو ما يحيلنا إليه على الدوام طابعه التداولي والاستعمالي، متجاوزين — أحيانًا — عن قيمته الحيويَّة في التواصل داخل الثقافة العربية. وهنا نُشَدِّد على قيمة التواصل التي تُخَوِّلها الثقافة العربية للشعر، وبخاصة في المجتمع العربي القديم، لغةً وقِيمًا؛ حيث الثقافة العربية تُثَمِّنُ الشعرَ ثمنًا خاصًّا لم تُثَمِّنْه فنًّا آخر من فنونها.
ومن هنا ينطلق الكتاب من نظرة «جان موكاروفسكي»٢ حيث العملُ الفني ذو الموضوع — كالشعر والأدب بعامة — يمثل «علامَةً sign»٣⋆⋆ ذات طابع إشكالي؛ إذ يعمل على الدوام بوصفه علامة مستقلة، وكذا بوصفه علامة توصيليَّة. ومن ثَم فالعمل الأدبي يجمع بين كونه عملًا فنيًّا من جانبٍ، وكونه — في الوقت نفسه — كلامًا يعبر عن موقفٍ عقلي أو فكرة أو شعور … ويمثل هذا الطابع تناقضًا جدليًّا جوهريًّا يشكل تطوره علامات فارقة في تطور الأدب والفنون بعامَّة، وكذا يمايز بين أشكال الفنون في ذاتها.
وتشتمل العلامة حينئذٍ على عناصر ثلاثة:
- (أ)«عمل – شيء» وهو رمز محسوس خلقه الفنان.
- (ب)«موضوع جمالي» وهو المعنى الذي يقابله الرمز المحسوس في الوعي الجماعي، والذي يتكون من القاسم المشترك بجميع الحالات التي يثيرها هذا «العمل – الشيء» عند أعضاء الجماعة. ويحمل المعنى هنا البنية الخاصة بالعمل الأدبي.
- (جـ)«علاقة» تربط العلامة بالشيء المشار إليه، ولكنها علاقة لا تحيل إلى وجود مُحَدَّد — فالعلامة هنا مستقلة بذاتها — بل تحيل إلى السياق الكلي للظاهرة الاجتماعيَّة الخاصَّة بوَسَطٍ مُعْطى (العلم، الفلسفة، الدين، السياسة، الاقتصاد …)
ولا يمكن في مثل هذا التصور اختزالُ العمل الفني إلى مجرد «العمل – الشيء»؛ إذ يختلف «الموضوع الجمالي» ﻟ «العمل – الشيء» — الذي يعمل باعتباره «دلالة» — باختلاف الزمان أو المكان أو جماعة التلقي.
ينضاف إلى ذلك أنه يوجد في كل فعل إدراكي لعمل ما — بالإضافة إلى النواة المحوريَّة التي تنتمي إلى الوعي الجماعي — عناصر ذاتيَّةٌ نفسيَّة تشبه إلى حَدٍّ بعيد ما يُسمى ﺑ «عوامل التداعي» في الإدراك الجمالي. ويمكن لهذه العناصر الذاتيَّة في حال خضوعها للنواة الجوهريَّة في الوعي الجماعي أن تتحول إلى عناصر موضوعيَّة.
وإذا كانت «العلامة» طبقًا للتعريف الشائع — فيما يرى موكاروفسكي — حقيقة سيميائية٤⋆ ترتبط بحقيقة أخرى يُفْتَرَض أنها توحي بها، فإن الحقيقة التي يقوم النص مقامها حال كونه علامة مستقلة هي قدرته على أن يُسْتَخدَم وسيطًا بين أعضاء الجماعة نفسها. هذا إضافةً إلى قدرته التداوليَّة من خلال ما يكتسبه النص من وظيفة توصيلية.
وعندما يحيل العمل الفني — أو النص الأدبي هنا — إلى سياق الظواهر الاجتماعية، فإنه لا يطابق بالضرورة — فيما يرى موكاروفسكي — هذا السياق بطريقة تجعلنا نستطيع أن نأخذ هذا العمل مأخذ الشهادة المباشرة أو الانعكاس السلبي دون أي تحفُّظات. والعمل الفني — شأنه في ذلك شأن جميع العلامات — يمكنه أن تربطه بالشيء المعني علاقة غير مباشرة من النوع الاستعاري، أو من غيره من أنواع العلاقات غير المباشرة، دون أن يمنع ذلك أن تخص العلاقة الشيء المعني دون غيره. ويترتب على طبيعة الفن السيميائيَّة أن العمل الفني لا يجب أن يُسْتَغَلَّ وثيقةً تاريخيَّة أو اجتماعيَّة دون أن تُفَسَّر قيمته التسجيليَّة في بادئ الأمر، وهذه القيمة تكمن في نوعيَّة العلاقة التي تربط بين العمل الفني والسياق المُعْطى للظاهرة الاجتماعية.
وليس الموضوع في تلك الأعمال الفنية ذات الموضوع — والفنون تتفاوت في الوجود الفعلي أو الضِّمْني للعنصر التوصيلي؛ إذ تظهر بجلاء في الأدب والرسم والنحت، وتشحب في الرقص، وتتشعب بحيث لا تكاد تظهر في فنون أخرى؛ كالموسيقى والعمارة — نقول ليس الموضوع في هذه الأعمال وَحْدَه هو ما يقوم بالوظيفة التوصيليَّة، وإنما جميع العناصر المكونة للعمل — وحتى أكثرها شكلية — تملك قيمتها التوصيليَّة الخاصَّة؛ فالبنية كلها هي ما يحمل المعنى، ولا يلعب الموضوع سوى دور محور يتبلور حوله هذا المعنى الذي لولاه لظل غامضًا.
وبعض الأعمال ترسي أساسها — ولا يزال الكلام لموكاروفسكي — على الموازاة أو الموازنة بين علاقتين تربطان هذه الأعمال بواقع مُحَدَّد المعالم؛ إحداهما خالية من القيمة الوجوديَّة، والأخرى توصيليَّة محض، كما هو الحال بالنسبة للصورة الشخصية أو (فن البورتريه portroit) سواء أكان ذلك في الرسم أو النحت؛ إذ يجمع البورتريه بين كونه توصيلًا للشخص المُصَوَّر، وكونه عملًا فنيًّا مُجَرَّدًا من أيَّة قيمة وجوديَّة والشعر الجاهلي، فيما نتصور، مَجْلى لهذه العلاقة الجدلية بين ما هو توصيلي وما هو فنيٌّ مُفَرَّغٌ من قيمته الوجودية، بين ما هو واقعي — وربما تسجيلي في بعض الأحيان — وما هو تخييلي.
(٢) والاعتداد هنا في إطار الشعر الجاهلي بالوظيفة التوصيليَّة للعلامة لا يُعَطِّل قيمتها التخييليَّة؛ ففي الوقت الذي لا يمكن إغفال قيمته التوصيليَّة تظل قيمته التخييليَّة حاضرة.
وفي ظل هذا التواشج تصبح الوظيفة المستقلة للعلامة أو قيمتها التخييلية هي الوظيفة المهيمنة سيميائيًّا؛ إذ لا يمتنع أن يشير الشعر بعلاقات مواربة وغير مباشرة في أحيانٍ، ومباشرة في أحايين ليست بالقليلة، لأحداث ومواقف وشخصيات. ولكن مهما كان العمل الفني يُحَدد من أشياء وشخصيات وأحداث فإنها — رغم موازاتها للواقع الخارجي فيما يشبه نقلها — ليست هذه الأشياء تمامًا لخضوعها النهائي لتلك الوظيفة التخييليَّة. فما يتمثل في النص الأدبي ويَمُد صلات متفاوتة مع الواقع المُتَجَسِّد في العالم؛ إنما يتمثل عبر إشارات لغوية، وهنا يتحول مفهوم «الواقع» من «الواقع المادي» العَيني الخارجي إلى «واقع نَصي» محكوم بتقاليد الكتابة النوعيَّة أو تقاليد الجنس الأدبي.
وما يُحَدِّد منزلة الشعر بالأساس من حيث هو «كلام مُخَيَّل»٥ كما كان يقول عنه النقاد والفلاسفة العرب القُدامى؛ هو خروجه عن دائرة البحث في صدقه أو كذبه الواقعي الخارجي المادي؛ إذ الشعر أكاذيب بمعنى التشبيه والتمثيل والتخييل.٦⋆ وكذا ما يحدد منزلته عند ناقد مثل «تزفيتان تودروف» أيضًا هو استعصاؤه على امتحان الصِّدْق؛ إذ لا هو بالحق ولا بالباطل، ولا وجود لجملة في النص الأدبي صحيحة أو باطلة، بما لا يمنع أبدًا من أن تكون للعمل برُمته طاقةٌ وصفيَّة معينة. والنص عند «تودروف» قد يملك من الامتثال للوقائع الخارجية ما يجعله «مُحْتَملًا» في مشاكلته للواقع، وهو ما يتأتى من خلال نمطين أساسيين من المعايير، يؤدي كل منهما للآخر في نهاية المطاف؛ الأول: هو ما يسمى بقواعد الجنس الأدبي، فكَي يكون بوُسع العمل أن يُعْتَبَر «مُحْتَمَلًا» عليه أن يمتثل لتلك القواعد. وتضحي مشاكلتُه الواقع حينئذٍ علاقة العمل بالخطاب الأدبي. وبالتحديد علاقته ببعض تفريعات هذا الخطاب، وهي تُكوِّن جِنْسًا أدبيًّا. والآخر: هو ما يُعَدُّ بمثابة الرأي العام. وهنا لا تدور الاحتماليَّة ليس بين علاقة الخطاب ومَرْجعه؛ فيتأسس ما يدور حول الصدق والكذب، وإنما تدور العلاقة بين الخطاب وما يَعْتقد القُراء أنه صحيح. وعليه تقوم العلاقة بين العمل وخطابٍ مَبْثوث يمتلك كل فرد من أفراد المجتمع بعضًا منه، ولكن لا أحد يستطيع أن يزعم امتلاكه؛ إذ هو خطاب يحوزه الرأي العام، خطابٌ ثالث مستقل عن العمل. وحينئذٍ يقوم هذا الرأي العام، هذا الخطاب الثالث بوظيفة القاعدة في الجنس الأدبي؛ بل يحكم كل الأجناس الأدبية.٧
إن الطلل والرحلة والطيف والسفر والصحراء والمطر والبرق والليل والخمر والرمح والسيف والفرس والناقة … هي بعض موضوعات السرد الشعري وتقاليده. ونعني بالتقاليد فاعليَّة النصوص واللغات التي تسبق وجود الأفراد وتبقى باستخدامهم، قد تتنوع التفاصيل والوظيفة داخل كل موضوع من تلك الموضوعات، ولكنها لا تكاد تخرج على نَسَق تواردها العام.
ولم تكن تقاليد القصيدة — وحدات سَرْدها الشعري — أوائل خطوات الشعراء مع القصيدة، لقد كانت ذروة تجاربهم الفنيَّة وعلامات رسوخ فنهم الشعري، حتى أضحى تكوين القصيدة على هذا النحو هو سَرْدية العرب الكبرى لحياتهم وفلسفتهم وفنهم ومعارفهم؛ حيث أضحى الشعر مَجْلى للثقافة؛ ثقافة الأفراد وثقافة المجتمع.
إن الشاعر العربي وهو يكتب قصيدته أو يرويها يَسْرُدُ عن الحياة والوجود، عن ذاته وداخله، عن المجتمع والكون، وكذا يَسْرُدُ قِيَمًا شكليَّة وبِنية جوهرية وخبرة جماليَّة لبناء القصيدة. فما هو من صُلْب الواقع — إلى جانب الموضوع — تقاليد الكتابة وقواعد النوع، ومن ثم يغدو نظام القصيدة العربية: «أقرب ما يكون إلى قالب ذهني مجرد أو إلى صيغة إدراكيَّة مهيمنة تحيط بكل طارفٍ وتليد في الوعي العربي باللفظ الشعري، بإيقاعه المتآلف المتداعي، وبدراية ضمنيَّة للأشياء والأمور والرموز، وذلك من خلال ترتيبها حسب منطق تنظيمي متوارث أُطُرًا وأشكالًا بنائية، لا يعرف الشاعر العربي لها بداية، كما أنه طوال قرونٍ لم يتساءل متى وإلى أين ستنتهي».٨
والشعراء في وقوفهم على الأطلال أحيانًا ما «يربطون ربطًا قويًّا بين الحياة ووجود المرأة، فالديار عامرة، والأرض مُخصبة، والشمس مشرقة، والمراعي مزدهرة، والماء وفير، والكلأ كثير، والماشية مملوءةٌ حيويَّةً ونشاطًا، يبدو عليها أثر الرِّيِّ والشبَع؛ ما دامت المرأة التي يتحدث عنها الشاعر مقيمة في هذه الديار.
أما الديار التي فارقتها المحبوبة، فهي خرِبة موحِشة، قد سكنتها الوحوش الآبدة، والطيور الجارحة، ونعقت فيها الغربان، وانعدمت فيها وسائل العيش، وعَمها الظلام، وأحاطت بها الرهبة والوحشة، كل ذلك في صور شعرية متلاحقة يقابل فيها الشاعر بين الحياة والموت، والحركة والسكون، والسعادة والشقاء، ولين العيش وشظفه».٩
والشعراء حينئذٍ يَسْرُدون عن الأطلال بما هي سَرْد عن موضوع شعري آخر، قد يكون المرأة أو الحياة أو السعادة أو ما إلى ذلك من موضوعات. قد يَسْرُدون عن الطلل والنسيب والرحيل والسفر وغيرها من تقاليد محدودة، ولكن ليقولوا من خلال هذا السرد «اللامحدود»؛ يَسْرُدون عن الطلل ليتأملوا الوجودَ والتغير، يَسْردون عن الناقة ليقولوا عن الحياة والمواجهة، يَسْردون عن الثور ليقدموا صورة الفَلاة في علاقتها بالثور. ولا يمنع هذا بالطبع سردهم المباشر عن وقائعَ حياتيَّة مباشرة، يتتبعونها كيفما اختلفت ويتأملونها.
(٣) وتفصيلات الحياة ووقائعها البسيطة أو مغامراتها في مقدمة اهتماماتهم، ومهما كانت دلالاتها وأبعادها تمثل قيمة تجريدية فإنها تبقى وقائع الحياة وتفاصيلها اليوميَّة، كأنْ يذكر تأبط شَرًّا ﻣﻔ (١) حادث هربه من بجيلة حين أرصدوا له كمينًا، فأخذوه وكتفوه، ثم ما كان من تدبيره حيلةً هو وأصدقاؤه نجوا بها عَدْوًا على الأقدام. أو ما كان من نفار زوج الجميح، وإصغائها لتحريض عدوه ﻣﻔ (٤). أو مقاضاة جُبَيْهاء الأشجعي للرجل التميمي الذي استمنحه عَنْزًا له وأمسكها دهرًا لا يَرُدها ﻣﻔ (٣٣). أو الاعتذار عن الفشل في الخِطْبَة ﻣﻔ (٣٧). أو ما كان بين حاجب بنِ حبيب الأسَدِي وامرأته في سياسة المال ﻣﻔ (١١٠)؛ إذ تلح عليه أن يبيع فرسه مُحتجَّةً بارتفاع أثمان الخيل وأن الفرصة مواتيه لبيعه، ورَده حجتها بتَعداد مناقب فرسه وغنائه في الحرب وفي السِّلْم.
والقصيدة الجاهلية مُولَعة بتعيين الأماكن والشخوص والوقائع. وهي تعيينات تستنزل النص في حيز الوجود وتجعل له وجودًا تاريخيًّا مرتبطًا بهذه التعيينات. فالمكان مثلًا في قصيدة ربيعة بن مَقرْوم الضَّبي ﻣﻔ (١١٣) يَنْقسم بين الشاعر ومحبوبته المفارِقة بناءً على الفعل «شَطت»:
تذكرتُ والذِّكْرى تَهِيجُكِ زَيْنبا
وأَصْبَح باقي وَصْلِها قد تَقَضَّبا
وحَلَّ بِفَلْجٍ فالأباترِ أهلُنا
وشَطَّتْ فَحَلَّتْ غَمْرَةً فمُثَقَّبَا
فيصبح — حتى ولو لم نكن على عِلْم بالموقع الجغرافي للأماكن المذكورة — يصبح «فلج» و«الأباتر» هنا، بينما يغدو «غَمرة» و«مُثَقَّب» هناك. يدخل في نطاق «هنا» الأهل والأصدقاء، أنا/الشاعر بما يملكه من حنين وشوق ورغبة في التواصل. ويدخل في نطاق «هناك» الأغراب والأباعد، المنقطعون، هي حيث «تقَضَّب الوَصْلُ». ويتحول المكان من قيمة مشتركة للطرفين الشاعر والحبيبة إلى علامة على التباعُد والمواجهة التي تقتضي الاختلاف؛ ففلج والأباتر في مواجهة غمرة ومثقب، وهي مواجهة إيقاعية وتركيبيَّة أيضًا؛ فكل زوج منها في شطر مواجه للآخر، وداخل بناءٍ نحوي يقابله.
ويتخطى التبريزي شرح هذه الأماكن، وكذا مُحقِّقا المفضليات، ولكن محقق شرح التبريزي يحدد هذه الأماكن من معاجم المواضع والبُلْدان، ﻓ «فلج: وادٍ في طريق مكة، بين البصرة وحمى ضريَّة، من منازل عَدِي بن جُندُب العنبر بن عمرو بن تميم … والأباتر: موضع في ديار بني أسد، قبل فلج … وغمرة: منهل من مناهل طريق مكة، ومنزل من منازلها، وهو فصل ما بين تِهامة ونَجد. ومثقب: موضع.»١٠ وهذا التباين في التعامل مع المكان يعكس وجهة نظرٍ ما؛ إذ إنها مواضع واقعيَّة في الحياة العربية أصبحت بالفعل أماكن شعرية عندما دخلت حيز القصيدة، ولكنها تظل في الأذهان مشدودةً إلى رصيدها الواقعي، ويظل لها هذان الجانبان. ويبدو أن هذا الطابع الشعري، الذي يأخذ من المكان مجرد كونه مكانًا، هو ما أعرض بالتبريزي ومحققي المفضليات عن التحديد المادي لهذه الأماكن، اكتفاءً بتلك القيم الجمالية التي يؤسسها النص الشعري، في حين كان الطابع الوثائقي للشعر هو ما حدا بمحقق الشرح إلى تعيينها.
(٤) ويحدد راشد بن شهاب اليشكُري خطابه في ﻣﻔ (٨٦) بأنه إلى قيس بن مسعود، ويُعيِّنه في ب (١١) رغم أنه هو المعني على طول الأبيات ومن بداية النص:
أقيسَ بنَ مسعودِ بنِ قَيْسِ بنِ خالدٍ
أمُوفٍ بأدْراع ابنِ طَيْبَةَ أم تُذَمّْ
ويتوعده أشد الوعيد ويطلب منه أن يكف عن الهَجو وإلَّا نَدِمَ، ويتهدده بالسلاح، فينعت حينئذٍ سيفه وقوسه ورمحه ويذكر كرمه وعزَّه، وهنا يحكي عن قَصره:
بَنَيْتُ بِثَاجٍ مِجْدَلًا من حجارَةٍ
لأَجْعلَهُ عِزًّا على رَغْمِ منْ رَغَمْ
أَشَمَّ طُوَالًا يَدْحَضُ الطَّيْرُ دونَهُ
له جَنْدَلٌ ممَّا أعَدَّتْ لَهْ إِرَمْ
ويأْوِي إليهِ المُسْتجيرُ من الرَّدى
ويأوي إليه المُسْتعيضُ من العَدَم
إن هذا المِجْدَل، أو القصر، رمز للعِزَّة والنُّصْرَة، وعلامة شِعرية دالَّة بقوة داخل بناء القصيدة، بما يوفره النص له من أوصاف وعلاقات، وفوق ذلك يُثَبِّتُ القيمة الخُلُقية والسلوكيَّة في المكان الذي يتعيَّن ﺑ «ثاج». والمكان هنا ليس مراوغة؛ إذ إن مصداقيته طبقًا للواقع الخارجي ركنٌ أصيل في مصداقية النص الشعري.
وربيعةُ بنُ مَقْروم الضَّبِّي بعد أن أفاض في سرد نُعوته الشخصيَّة في مُفَضَّلِيَّته السابقة ما إن بدأ في السرد عن قومه حتى طالعنا في أبيات خمسة بحَشدٍ من الأعلام ب (٢١–٢٥):
ونحن سَقَيْنا من فَرير وبُحْتُر
بكُلِّ يدٍ مِنَّا سِنَانًا وثَعْلَبَا
ومَعْنٍ ومن حَيَّيْ جَدِيلَةَ غادَرتْ
عَمِيرَةَ والصِّلَّخْمَ يكْبو مُلَحَّبَا
ويومَ جُرادَ اسْتَلْحَمَتْ أَسَلَاتُنا
يَزيدَ ولم يَمْرُرْ لنا قَرْنُ أعْضَبا
وقاظَ ابنُ حِصْنٍ عانيًا في بُيوتِنا
يُعالِجُ قِدًّا في ذِراعَيْهِ مُصْحَبَا
وفارسَ مَرْدُودٍ أشاطَتْ رماحُنا
وأجْزَرْنَ مَسْعودًا ضِبَاعًا وأَذْؤُبَا
فالأبيات تُعَدِّد بطونًا كلها من طيِّئ، وفرسانًا بواسل دارت عليهم الدائرة على يد القبيلة، وتذكر يومَ جُراد، وهو يوم من أيامهم. فأضحت الأبياتُ وثيقةً تجمع البطون التي ينتمي إليها الخصوم (فرير – بُحْتُر – مَعْن – جَدِيلة، ومنها عَمِيرة والصِّلَّخْم)، وكذا غدت مُحَمَّلَةً بالأخبار المشينة لهؤلاء الفرسان (يزيد – ابن حِصْن – فارس مَرْدود – مَسْعُود) أولئك الذين تَجَرءُوا على محاربتهم، بل إنها تُنَكِّلُ بسيرتهم. إن الأبيات لم تُكْتَبْ هنا إلا لِتَذيعَ وتُحْفَظ، تُدَوِّن الهزيمة وتَسْرُدها للآخرين المعاصرين، وللأجيال اللاحقة.
ويبكي مُتَمِّم بن نُوَيْرَة في ﻣﻔ (٦٧) أخاه مالِكًا، وهو كما يقول: لا يؤبِّن أو يَجْزَع، وإنما يُنَوِّه بمآثر أخيه ويَسْرُد عن أفعاله وأخلاقه ومروءته. ومالك هو موضوع القصيدة الذي ينتظم حوله الخطاب ويجعل من القصيدة خطابًا منسجمًا، والنص يدور حوله بذكر اسمه وإعادته والإشارة إليه بالضمائر وبغير ذلك من أوصاف.
والقصيدة تبدأ لا بذكر اسمه وإنما بتعيينه من خلال مجموعة من الأوصاف: «فتًى غير مِبطانِ العَشِيَّات» ب (٢)، «فتى … أرْوَعا» ب (٢)، «لبيب» ب (٤)، «خصيب» ب (٤). أو الإحالة إليه بالضمير: «تراه كصَدر السيف» ب (٥)، «وإن تَلْقَه في الشَّرْب لا تَلْقَ فاحشًا» ب (٧). ومن حين لآخر يُذكر اسمه في مواضع متعددة على نحو ما نجد في الأبيات: (١١، ١٢، ١٦، ٢٠، ٢٤، ٣٣، ٤٤، ٤٩، ٥١).
وقد يقتضي ظاهر السرد عنه ذكره ثم الإحالة إليه. ولكن ما يحدث هو أن النص يعيد ذكر الاسم في مواضع عِدَّة من القصيدة على الرغم من تعيين المرجع، بدلًا من الإحالة إليه، وكأن الكلام ينقطع لِيُسْتأنَف عنه مَرَّةً أخرى.١١⋆ وربما كان هذا الإضمار عَوْدًا إلى الأصل في بناء اللغة؛ إذ «الضمير كناية عن الاسم الظاهر كما يقول الكوفيون».١٢ ولكن مع اطراد النص واتحاد المرجع يبدو أن قطع الإحالة وظهور الاسم على هذا النحو هو العدول عن الشائع في بناء النصوص؛ إذ إن هذا الظهور يؤدي إلى شبه استقلال لهذه المقاطع التي يظهر فيها الاسم. يقول الرضي: «وإنما احتاجت إلى الضمير؛ لأن الجملة في الأصل كلام مستقل، فإذا قصدتَ جعلها جُزءَ الكلام، فلا بُد من واسطة تربطها بالجزء الآخر، وتلك الواسطة هي الضمير؛ إذ هو الموضوع لمثل هذا الغرض».١٣
والاسم هنا لا يمكن أن يكون إلا إشارة لهذا المتعين (مالك بن نويرة)، وسيظل النص مشدودًا إليه ما دامت الإحالة تتوجه نحوه، وظلت الأخبار تحوط النصَّ وتتحرك به، ويتناقلها الرواة ما تناقلوا النَّص ذاته. إن الاسم «مالك» لا يظهرُ إلا مقرونًا بقيمة سلبية إزاء الحياة، وتُترك الإحالة غالبًا للقيم الإيجابيَّة. فالاسم لا يَظْهَرُ إلا مقرونًا بالموت ومرادفاته، على الرغم من أن النص يذكر جُوده وشجاعته ومروءته، إن الإحالة إليه حينئذٍ تكون من خلال الإضمار. فالاسم يَرد على هذا النحو:
ب (١١): هَلَّا تبكيان لمالكٍ
ب (١٢): فابكي مالكًا.
ب (١٦): لم يُلْفَ مالِكٌ
ب (٢٠):
فلما تَفرَّقنا كأني ومالِكًا
لطول اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معًا.
ب (٢٤): قَبْرُ مالِكٍ
ب (٣٣): غيَّرَني ما غالَ قَيْسًا ومالِكًا
ب (٤٤): يومَ قامَ بمالِكٍ مُنادٍ
ب (٤٩): صادفَ الحَتْفُ مالِكًا
ب (٥١): مَقْتَلُ مالِكٍ
إن هذا التكرار وإعادة الاسم أثرٌ من آثار ليس فقط واقعيَّة النص، بل أيضًا أثرٌ من آثار واقعيَّة الاتصال وحيويته مع المستمع أو القارئ. وكذا أثرٌ لارتباط الاسم برصيد انفعالٍ نفسيٍّ لا يُغْني عنه استبدال الضمير به، فالاسم حينئذٍ كأنه ليس بطاقة على هذا المرجع، على هذا الغائب، إنه استحضارٌ له. إن الاسم حينئذٍ يعمل كأنه «مالك» نفسه. وهو ما يعزز فجيعة الفقد.





