Editor-in-Chief : Dr.Azher S Saleh


Almanar Cultural Journal

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

الشبط : موسم الشتاء الذي يروي الأرض والروح – د.رافد حميد فرج القاضي

رجل يرتدي بدلة رسمية يحمل ابتسامة، يظهر في خلفية معالم حضارية.

مع اقتراب أيام الشتاء الباردة يطل موسم الشبط على حياتنا كفصلٍ ساحرٍ يحمل بين طياته حكايات الأرض والسماء ويمنح الطبيعة لحظات من السكون والجمال ويبدأ موسم الشبط عادة مع منتصف فصل الشتاء في الفترة التي تتراوح بين أواخر يناير وأوائل فبراير وهو يعد من أبرز مواسم الشتاء في كثير من الثقافات ليس فقط لبرودته القارسة بل لما يحمله من رموز وطقوس وذكريات متوارثة عبر الأجيال.

والشبط في كثير من القرى والمدن ليس مجرد فترة زمنية على التقويم بل هو حدثٌ شعوري يرتبط بالأرض والمزارع والأنهار والسماء فالمزارعون يعتبرونه مؤشرًا على نهاية موجة البرد الشديدة وبداية التحضيرات لفصل الربيع القادم حيث يبدأون في تقييم الأرض والتربة والتفكير في زراعة البذور التي ستتفتح مع أولى دفعات الشمس الدافئة بعد ذوبان الصقيع كما أن موسم الشبط يمثل فرصة لإعادة ترتيب البيت والأسرة وتقدير الدفء البسيط الذي توفره النار في المواقد وحميمية الجلوس حولها في ليالي الشتاء الطويلة.

الطقوس الشعبية في موسم الشبط متنوعة وتختلف من منطقة إلى أخرى لكنها تتفق على جوهر واحد والاحتفال بالحياة رغم البرد ففي بعض المناطق يُقدَّم الطعام الدافئ والمشروبات الساخنة، وتكثر الزيارات العائلية والجلسات المجتمعية حول المائدة ويجد الشعراء والفنانون في الشبط مادة خصبة للإلهام، إذ يحاكون فيها صقيع الليل وهمس الريح ولعب الثلوج على الأغصان لتنتج عنها نصوص وأشعار تحمل عبق الشتاء وروح الأرض الباردة لكن الشبط ليس فقط مناسبة طبيعية أو ثقافية وإنه أيضًا موسم للتأمل الداخلي فالهدوء الذي يفرضه الطقس القارس يتيح للبشر لحظات صمت نادرة فرصة لمراجعة النفس والتفكر في العام الماضي ووضع خطط للعام الجديد والليل الطويل يصبح معلمًا للصبر والمقاومة، والبرد القارس معلمًا للقوة والصبر، والسماء الملبدة بالغيوم تذكيرًا بأن بعد الصقيع تأتي الدفء والإنبات ومن زاوية بيئية يظل موسم الشبط مؤشرًا على تغيرات الطقس والمناخ فالأنظمة البيئية تتفاعل معه بدقة فائقة فالطيور المهاجرة تبتعد عن مناطق البرد الشديد، والحيوانات تتحوط في جحورها والنباتات تتوقف عن النمو حتى تعود الدفء ولهذا يمكن اعتبار الشبط كنوع من “الساعة البيولوجية” التي تنبه الكائنات الحية إلى دورة الحياة والتوازن البيئي.

في هذا الموسم تصبح تفاصيل الحياة اليومية أكثر وضوحًا : خيوط البخار المنبعثة من فناجين الشاي، صوت الرياح وهي تصفع النوافذ حركة الثلوج على الطرقات ورائحة الأرض الرطبة بعد المطر كلها تجعل الإنسان أكثر إدراكًا للوجود أكثر احترامًا للطبيعة وأكثر امتنانًا لما يملكه من دفء وأمان ولعل ما يجعل الشبط مميزًا حقًا هو قدرته على جمع الماضي والحاضر في لحظة واحدة وهو موسم يذكّرنا بذكريات الطفولة بلحظات بسيطة من اللعب في الثلج والضحك حول النار والقصص التي تحكيها الأمهات والجدات وهو أيضًا فصل يحثنا على مواجهة الحاضر بقوة وثبات مع التطلع إلى المستقبل بأمل وتفاؤل.

ومع انتهاء موسم الشبط لا ينتهي أثره في حياتنا بل يبقى محفورًا في ذاكرة الأرض والإنسان معًا وإنه موسم يعلّمنا الصبر أمام قسوة الطبيعة، والقدرة على التقدير حتى في أصغر التفاصيل : البخار المنبعث من فنجان شاي، صرير الريح على النوافذ وهمس الأشجار المليئة بالصقيع ويعلمنا أن البرودة ليست فقط شعورًا جسديًا بل درسًا روحيًا يذكّرنا بأن في كل شتاء قارس هناك وعد بالدفء وفي كل صمت طويل هناك فرصة لسماع صوت القلب وفي كل ليلة مظلمة هناك بزوغ فجر جديد.

الشبط يعيد إلينا معنى التواضع أمام قوة الطبيعة، ويزرع في نفوسنا الامتنان لكل شعاع شمس دافئ لكل لحظة دفء بين الأسرة والأصدقاء، لكل كلمة تُقال في جوٍ من الحميمية والتقارب وإنه موسم يجعلنا نرى الحياة بعينين جديدتين نرى التفاصيل الصغيرة كما لو كانت عظيمة ونفهم أن الزمن ليس مجرد أيام على التقويم بل تجارب ومشاهد تبقى معنا حتى تتحول إلى ذكريات، وذكريات تتحول إلى إرث ثقافي وروحي يربط الأجيال ببعضها وبينما تمر الأيام ويذوب الجليد ويبدأ الربيع في التسلل إلى الأرض المتعبة يبقى الشبط بمثابة المعلم الصامت الذي يذكّرنا بأن الحياة دورة لا تتوقف، وأن لكل شيء وقته ولكل شعور مكانه ولكل قلب حاجته إلى صمت وتأمل ويعلمنا أن القوة ليست في الهروب من الصقيع بل في مواجهته بوعي أن الجمال ليس فقط في الربيع المتفتح بل في الليالي الطويلة الباردة التي تصنعنا وفي النهاية يظل الشبط أكثر من مجرد فصل في السنة؛ إنه مرآة تجمع بين الإنسان والطبيعة بين الماضي والحاضر، بين الدفء والبرد بين الصمت والاحتفال. إنه دعوة للتأمل ودرسًا في الصبر وتذكيرًا بأن الحياة مهما كانت صعبة أو باردة تحمل في طياتها دائمًا وعدًا بالحياة والنمو والجمال وعندما نغلق أبواب الشتاء الباردة خلفنا نحمل معنا حكمة الشبط : أن لكل دورة صعبة نهاية وأن كل برد شديد يحمل في قلبه بذرة دفء وأن كل لحظة صمت عميقة تحمل في داخلها فرصة للانطلاق نحو الفرح والحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading