السقاؤون: حَمَلَة الينبوع الخفي في صحراء الوجود عماد خالد رحمة – برلين

منذ فجر التاريخ، لم تكن الحضارة وليدة الحجر أو الحديد وحدهما، بل كانت ثمرة أيادٍ خفية حملت الماء إلى عطاشى الروح، وأضاءت المصابيح في ليالي العقول المعتمة. هؤلاء هم السقّاؤون؛ نبتة المجتمع وزهرته، واليد التي تزرع الجمال في تربة مهددة بالجفاف. ولو أُطفئ عطاؤهم، لانهارت قلاع المعنى واشتد التصحّر في وجدان الإنسان.
لقد أدرك الفيلسوف الإغريقي سقراط أن الفكرة مثل البذرة لا تنمو إلا إن وجدت ماءً صافياً يسقيها، ولهذا كان يرى في الشعراء والحكماء والمبدعين سقّائين للتاريخ، يمدّونه بما يرويه من الظمأ كلما هدّده الجفاف الفكري أو القحط الأخلاقي. ووافقه أبو حامد الغزالي حين قال: “إن الإلهام كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صافٍ لطيفٍ فارغ”، فالإبداع لا ينبع من التخزين العقلي البارد، بل من صفاء داخلي يسمح بمرور تيار المعنى.
هؤلاء السقّاؤون لا يقتصر سقياهم على الماء المادي، بل يهبون ماء المعنى، يطهّرون النفوس من الكراهية والضغينة، ويغسلون الذاكرة من غبار الحروب، ويُبقون جذوة الأمل متّقدة في وجه الخراب. فهم كما وصف أفلاطون في محاورته “أيون” عن الشاعر، كائنات أثيرية لا تبتكر إلا إذا ألهمت، وعندها تتجاوز حدود العقل المجرّد لتدخل فضاء الجنون المقدّس الذي ينبت منه الإبداع الخالص.
ولم يكن جورج لويس بافون، عالم الطبيعة الفرنسي، بعيداً عن هذه الرؤية حين أكّد في “التاريخ الطبيعي” أن الأرض نظام حيّ في حركة مستمرة، وأن لحظات الإبداع تتساوق مع لحظات الطبيعة نفسها، فهي موجات متقطّعة من النبع العميق ذاته. ومن هنا فإن السقّائين هم صدى الطبيعة فينا، الامتداد الإنساني لخصوبتها.
في كل عصر، كان الشعراء، الفنانون، الموسيقيون، الفلاسفة، والكتّاب هم حاملو الجرار الخفية، يوزّعون رشفات الأمل على القلوب. رأى برايان ألديس أن الإبداع هو أداة حلّ أعمق مشاكل الحياة، بينما اعتبر كين روبنسون أنه ضرورة أساسية في التربية، لا تقل عن القراءة والكتابة. والشاعر الإنكليزي كولريدج، حين كتب “قبلاي خان”، كان كمن يسكب خمرة المعنى في كؤوس الظمأ الروحي، ليُنعش الحواس وينقذها من العطالة.
لقد عرف التاريخ أن انتصار الإبداع انتصار للإنسانية، وأن موته هزيمة روحية وحضارية. فالإبداع ليس ترفاً ولا زينة، بل هو ما يبقي الوجود البشري قابلاً للحياة. وكما أن نهر النيل صنع حضارة مصر، فإن السقّائين صنعوا حضارة الروح، يسقون القيم والمعاني، ويجعلون الجمال ممكناً وسط الدم والنار.
إن بقاء المجتمعات مرهون بقدرتها على حماية هؤلاء السقّائين، لأنهم ليسوا مجرد أفراد، بل هم الينابيع التي تمنع الصحراء من ابتلاعنا. فحين يجفّ نبعهم، لا يجفّ الشعر أو الفن وحده، بل تجفّ الأخلاق، ويصبح العالم أرضاً قاحلة بلا ظلّ، ولا واحة، ولا حلم.
ما دام السقّاؤون بيننا، لن تموت الينابيع، وسيبقى للعطش موعد مع الماء، وللظلام عهد مع النور، وللإنسانية حجة أمام الفناء.





