في خطوة غير مسبوقة في رصد نزاهة البحث العلمي على مستوى العالم، أصدرت قاعدة بيانات “RI²” (Research Integrity Risk Index) تصنيفًا يقيس مستوى المخاطر التي تواجهها الجامعات في مجال النزاهة الأكاديمية. المفارقة المؤلمة أن ثماني جامعات عراقية وردت ضمن هذا التصنيف بدرجات متفاوتة من “الخطر العالي” وصولًا إلى الفئة الحمراء “Red Flag” – وهي أعلى مستويات الخطورة التي تشير إلى وجود خلل ممنهج في بيئة البحث العلمي داخل المؤسسة. ماذا يعني هذا التصنيف؟
مؤشر RI² لا يُقيس جودة البحث أو الإنتاج العلمي، بل يُقوّم مدى التزام الجامعة بمبادئ النزاهة، اعتمادًا على مؤشرين رئيسيين: 1. معدل سحب البحوث (Retraction Rate): أي نسبة الأوراق العلمية التي تم سحبها بعد النشر بسبب انتحال، تزوير، تضارب مصالح أو أخطاء جسيمة.
2. معدل النشر في مجلات محذوفة (Delisted Journals Rate): وهي مجلات تم استبعادها من قواعد بيانات Scopus أو Web of Science نتيجة عدم مطابقتها للمعايير الأكاديمية الدولية.
كلما ارتفعت نسبة السحب أو النشر في مجلات ضعيفة أو مشبوهة، ارتفع مؤشر RI²، ما يضع الجامعة في موقع و بحسب التصنيف الصادر في شهر حزيران 2025، تضمنت القائمة ،ثمانية جامعات عراقية : جامعة المستقبل العراقية : تقع ضمن فئة “Red Flag” (الراية الحمراء) والتي تعني وجود انتهاكات منهجية ومنتظمة لنزاهة البحث، وهو التصنيف الذي وُجدت فيه جامعة المستقبل العراقية.
جامعة بغداد، جامعة بابل، جامعة البصرة، جامعة الموصل، و جامعة الكوفة وقعت ضمن فئة “High Risk” (الخطر العالي) ،وتعني وجود مخاطر ملموسة وجدية في بيئة البحث العلمي، لكنها أقل شدة من الفئة الحمراء.
وجود جامعات في هذا التصنيف يُترجم إلى تداعيات خطيرة على عدة مستويات:
1. الأبحاث الصادرة من تلك الجامعات قد تواجه شكوكًا متزايدة، وتُراجع بدقة مضاعفة عند محاولة النشر أو الاستشهاد بها. 2.المؤسسات والمنح الدولية قد تُحجم عن تمويل باحثين أو مشاريع من جامعات مصنّفة كمصدر خطر. 3.الاعتماد على نشر في مجلات وهمية أو محذوفة ضمن الترقيات، يفتح الباب أمام مراجعة آليات الترقية داخل الجامعات العراقية. يجب أن يدرك صناع القرار في العراق ، أن مواجهة تحديات نزاهة البحث العلمي ليست مجرد مهمة أكاديمية، بل هي ضرورة وطنية تستوجب تكاتف جميع الجهات المعنية من وزارة التعليم العالي، الجامعات، الباحثين، والمجتمع العلمي ككل. على العراق أن يبدأ بوضع إطار قانوني مؤسسي صارم يضمن احترام معايير النزاهة العلمية ويعاقب كل من يخالفها، مع تأسيس هيئات رقابية مستقلة وشفافة قادرة على التحقيق والمحاسبة ، مع الاستثمار في أدوات التكنولوجيا الحديثة التي تكشف وتمنع التزوير والانتحال. هذا المسار يتطلب إرادة سياسية واضحة واستثمارًا مستدامًا، لأنه السبيل الوحيد لاستعادة سمعة البحث العلمي العراقي وبناء مستقبل أكاديمي يليق بتاريخ العراق العريق وعطائه الحضاري..