التراكب والتقاطع في لوحة (كن فيكون) للفنان عباس الطائي – قراءة تحليلية✍️د. وجدان الخشاب / العراق

حجم اللوحة: 50/ 60سم.
تاريخ الانجاز: 1422ه/ 2001م
اختار الفنان عباس خامة من الجلد الحيواني؛ لينتج لوحة خطّ عليها الآية القرآنية الكريمة رقم (82) من سورة (يس) التي نصّها (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)، وبخط الديواني الجلي، واعتمد في تكوينها الفني على:
1/ الكتلة بنوعيها: الرئيسة وهي الكتلة الخطيّـة وتتكوّن من (3) أسطر تتابع بحركة اتجاهية صاعدة من الأسفل الى الأعلى، ثم العودة ثانية الى الجزء الأسفل من اللوحة لكتابة جملة (صدق الله العظيم)، والثانوية التي تتمثّـل بالتشكيلات الزخرفية.
2/ الأرضية أو الخلفية وهي التي تحتضن الكتلة وتبرِّزها، وتحدد عمقها الفضائي اعتمادًا على خاصية التضاد بينهما.
ابتدأ السطر الأول بجزء من الآية الكريمة وهو (إنما أمره إذا أراد شيئا) حيث أخرج الفنان حرف الألف من كلمة (إنما) ببداية مثلثة ثم تقويس نازل لينتهي بإرسال مبالغ في طوله، فبدا وكأنّـه قوس يحيط بالنص، أمّـا حرف النون فقد أخرجه بإرسال قصير وحركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل برشاقة وانسيابية لطيفة ليتصل بحرف الميم، واتخذت نقطته موقعها فوق بدايته، وكانت على شكل متوازي الأضلاع، وخطَّ رأس حرف الميم في جهة يمين الكتلة، أمّـا حرف الألف فقد منحه شكلا عموديًا مستقيمًا ومثلث الرأس.
أفاد الفنان عباس من خاصية التكرار لتنفيذ حرف الألف من كلمة (أمره) فكرر شكله الذي خطّـه في كلمة (إنما)، ولكنّه حقق خاصية التباين في منحه زلف في أعلاه يبدأ بتدويرة ثم يتجه نازلا بميلان عام نحو جهة يسار الكتلة، وحقق خاصية الرفع المكاني برفع هذا الحرف الى الأعلى، واتخذ موقعه بحيث تكون تقويسة حروف النون والميم والألف قاعدة له، ويقطع حرف الألف ثم يتجه بحركة مائلة الى جهة يسار الكتلة محقـقًـا بذلك خاصيتي التركيب والتقاطع، وبهذا يكون الفنان قد هيـّـأ مساحة كافية لكتابة حرف الميم المرفوع مكانيًـا داخل هذا التقويس فحقق بذلك خاصيتي التركيب والتقاطع، وكذلك الحركة الضمنية التقديرية، وجعل من حرف الراء المرسل قاعدة لرفع حرف الهاء المفردة فوقه، ومنحها شكل الرقم (5)، لكنها مضغوطة عموديًا من جهتي اليمين واليسار ومائلة قليلا نحو جهة اليمين.
الايقاع هو ترديد أو تكرار للحركة بصورة منتظمة تمنح النص ايقاعًـا متوازنًـا، وتمحنه صفة الحيوية ولهذا اعتمد الفنان عليه في إخراجه الشكلي لحرف الألف المكرر في الكلمات (أمره، إذا، أراد)، أمّـا التنغيم الايقاعي فيشير الى قدرة الفنان على خطِّ الحرف نفسه بأكثر من شكلٍ في الخط الواحد، وهذا ما أنجزه الفنان في تعامله الفني مع حرف الألف أيضًا في كلمة (إنما) فرسمها بدون زلف ومقوّسة الشكل مع ارسال، وفي كلمة (شيئا) التي كتبها قائمة وبدون زلف. ومنح حرف الذال تقويسة ثم ارسالا مبالغًـا به لتحقيق خاصيتي التناسق والتكرار الشكلي مع حرف الدال من كلمة (أراد).
يثير الشكل المرسل المتكرر لنهايات الحروف في هذا الجزء من الآية الكريمة، إحساس المشاهد بالحركة الضمنية المنظمة التي تمنح مظهره جاذبية وقيمة فنية من جهة، وقدرة الفنان على استثمار طواعية الحروف العربية ومرونتها من جهة مقابلة.
في معالجته الفنية لكلمة (شيئا) عمد الى خاصية الرفع المكاني، فرفع حرف الشين فوق حرف الدال، وخطّ تقويستها بميل عام الى جهة اليمين مع حركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل، لتتصل بتقويسة حرف الياء من الأسفل، واتخذ منها قاعدة لرفع الهمزة فوقها، أمّـا حرف الألف فقد خطّـه بشكل متباين مع شكله في الكلمات الأُخرى، حيث منحه امتدادًا صاعـدًا الى الأعلى مع ميل قليل نحو جهة اليمين، ليكتمل على شكل مثلث من الأعلى، فحقق بذلك إغلاقـًا شكليًـا لهذا الجزء من الآية الكريمة.
في السطر الذي يليه صعـودًا اختار الفنان عباس كتابة الجزء الثاني من الآية القرآنية الكريمة والذي ينصُّ على (أن يقول له)، وابتدأ بحرف الألف الذي بالغ في امتداده القوسي من الأعلى والأسفل بحيث يحيط بالنص، ومنحه رأسًا مثلثًـا، وامتدادًا قوسيًـا نحو جهة اليمين، ثم ارسالا طويلا بحركة اتجاهية نحو يسار النص، وعالج حرف النون بتقويسة صغيرة في بدايته، ثم تقويسة نازلة نحو الأسفل، ليتراكب ويتقاطع مع حرف الواو من كلمة (يقول)، ثم الصعود الى الأعلى ليتقاطع ويتراكب أيضًا مع حرف اللام من الكلمة نفسها، وينتهي باتصاله بالامتداد الراجع لحرف اللام من الكلمة نفسها، واتخذت نقطته موقعها فوق بدايته.
أسهمت خاصية الخفض المكاني لحرف النون في استغلال تقويستها؛ لتصبح قاعدة لحروف الياء والقاف والواو وجزء من حرف اللام من كلمة (يقول) التي خطّـها الفنان بحركة اتجاهية نازلة ومائلة الى جهة يسار النص، ورفع حرف الياء، وأفاد من حالة الإبعاد المكاني؛ ليستثمر المساحة الواقعة تحت حرف القاف ويخـطَّ نقطتيها المتصلتين، وخطَّ حرف القاف الوسطية بتلويز رأسه أي تدويره، واستقرت نقطتاه فوقه، أمّـا حرف الواو فعالجه فنيًـا بطمس رأسه ثم ارساله قاطعًـا ومتراكبًـا مع تقويسة حرف النون. وأخرج حرف اللام بحيث يتقاطع رأسه ويتراكب أيضًا مع حرف النون من كلمة (كن) من الأسفل، وتستمر تقويسته صاعدة الى الأعلى ثم راجعة الى يمين النص بحيث تتصل بالجزء القائم منه، فتحققت خاصية التأليف.
في تعامله الفني مع كلمة (له) عمد الى خاصية التركيب والتقاطع، حيث تراكب رأسه مع تقويسة حرف النون من كلمة (كن)، وحرف الواو من كلمة (يكون)، وامتدَّ بحركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل ليقطع ويتراكب مع تقويسة حرف اللام من كلمة (يقول)، أمّـا حرف الهاء فقد خطّـها بشكل امتداد قصير يتجه الى يسار النص، وينتهي برأس مثلث صغير.
إنَّ تحقق خاصيتي التراكب والتقاطع تلفت انتباه المشاهد المتابع لحركة الحروف وتراصها وتماسكها وقوتها، وهذا بالتالي سيثير شعوره بتوازنها وتناسقها، فضلا عن تحقيقها للبُعد الفضائي التقديري.
في القسم العلوي من الكتلة خطَّ الفنان عباس القسم الأخير من الآية الكريمة وهو (كن فيكون) بقلم أكثر سمكًـا من القلم الذي خطَّ به ما سبقها، ولهذا بدت أكبر حجمًـا، وارتبط هذا الاختيار المكاني المتميز والحجمي المختلف بقصدية الفنان في تأكيد البُـعد التعبيري لهذا القسم من الآية، حيث أنَّ ادراك دلالة النص هي التي تدفعه لإبراز الكلمات المحورية فيه، والدلالة في هذه الآية الكريمة تعتمد على (3) مراحل تتابعية:
الأُولى: إرادة الشيء، ولهذا اختار الفنان عباس كتابة القسم الأول من النص بسطر منفرد.
الثانية: القول، أي إصدار الأمر الإلهي للشيء، فاختار له السطر الثاني المنفرد أيضًا.
الثالثة: الحصول أو التحقق الكامل للشيء، فوضع الكلمتين الدالتين عليه في أعلى اللوحة أو قـمّـتها.
خطَّ الفنان عباس حرف الكاف من كلمة (كن) بشكل الكاف الراجعة الصغيرة بديلا من امتدادها الأُفـقـي، وتعامل مع القسم العمودي منها بمنح أعلاه رأسًا مثلثًـا ثم حركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل، ثم تقويسة صغيرة ترتفع نهايتها لتتصل بحرف النون، وهو الحرف الذي تراكبت وتقاطعت تقويسته المبالغ في حجمها مع بداية حرف اللام من كلمة (يقول) – كما أشرتُ سابقًـا – وكذلك مع تقويسة حرف الواو من كلمة (فيكون)، ثم اتخذت حركة اتجاهية صاعدة نحو الأعلى لتتصل برأس حرف الواو من جهة يسار الكلمة نفسها، فحققت بذلك البُـعد الفضائي التقديري.
وفَّـرَ هذا الحجم المبالغ به لحرف النون مساحة كافية؛ لتكون قاعدة لحروف الفاء والياء والكاف وجزء من حرف الواو من كلمة (فيكون)، وخطَّ حرف الفاء بطمس عينه، ورفع نقطته فوقه تقريبًـا، وتعامل مع هذه النقطة بفنيّة لافـتة واهتمام كبير يتجلى في إخراجها معتمـدًا على خاصية التباين في حجمها حيث منحها حجمًـا كبيًـرا قياسًا الى حجوم باقي نقاط الآية القرآنية الكريمة، وكذلك شكلها الدائري المختلف عنها أيضًا، كما اختار أن يكتبها بدم إنساني أحمر بدلا من الحبر البني المحمر الذي خطَّ به هذا الجزء من الآية الكريمة.
يجذب الحجم المختلف عين المشاهد اليه، والشكل الدائري يحيل دلاليًـا الى الحركة المستمرة والمتجددة، فهو بالتالي سيمنح مشاهده إحساسًا بطاقته وقـوّته وحيويته من جهة، ويشير الى الأبدية من جهة مقابلة، واللون عنصر من عناصر التكوين التي تشتغل باتجاه تجسيد البُـعد التعبيري للوحة، فضلا عن بُـعده الجمالي الذي يترك أثره في النفس الإنسانية، واللون الأحمر من الألوان الساخنة التي تدلُّ على الحيوية والحركة، أمّـا الدم فهو العنصر الأساس الذي يعمل على إدامة الجسم البشري وحيويته، وهذا ما سيقود الى الكشف عن قصدية الفنان عباس في هذه الاختيارات للنقطة التي أكّـدَ من خلالها على أنَّ ارادة الله (سبحانه وتعالى) هي العليا والمستمرة الى الأبد.
بالاعتماد على خاصية الخفض المكاني أيضًا خفض الفنان حرف الياء في كلمة (فيكون) قليلا، ووضع نقطتيها المتصلتين الأُفـقـيتين تحتها بحيث شغلت جزءاً من الفراغ البيني، وخطَّ حرف الكاف بشكل قائم مائل الى جهة اليسار قليلا، وهنا سيلاحظ المتأمل في هذا الجزء من اللوحة اختلاف شكل حرف الكاف في كلمة (فيكون) الذي اتخذ هيأة زخرفية، تبدأ برأس مربّـع ثم تقويس لطيف بحركة اتجاهية نازلة بحيث يلتقي مع رأس الجزء القائم منه، ثم صعود قوسيّ ينتهي بدائرة، وهذا من خصائص حروف خط الديواني الجلي الذي يتيح للفنان اختيارات متعددة لأشكال الحرف الواحد.
وأخرج حرف الواو المجموعة المتصلة بالطريقة نفسها التي أخرج بها حرف الفاء من الكلمة نفسها، أي بشكل العين المطموسة فحقق بذلك خاصية التكرار، وفي الوقت ذاته حقق خاصية التباين لاختلاف شكله في هذه الكلمة عن شكله في كلمة (يقول)، وهذا ما أضفى صفة التنوّع الشكلي عليهما من جهة، وكشف عن قدرة الفنان عباس على التحكّـم بأشكال الحروف من جهة مقابلة.
إنَّ محاولات الفنانين إنتاج أشكال جميلة للحروف المكتوبة بهذا النوع من الخطوط أتاح لهم فرصة التنويع في إخراجها، ومنها محاولة الفنان عباس في منح شكل حرف النون الأخير بُـعـدًا جماليًـا، وحركة ضمنية متنوعة تبدأ برأس مثلث ثم تقويسة رشيقة باتجاه يمين الكتلة، ثم نزول مقوّس كامل ينتهي بحركة اتجاهية صاعدة نحو الأعلى.
في الجزء الأسفل من اللوحة خطَّ الفنان عباس جملة (صدق الله العظيم) بخط النسخ، وهو من الخطوط اللينة، ويمتاز برصانته، ووضوح حروفه وعدم تشابكها، وتساوي الفراغات بينها، ولهذا يُـعـدُّ من الحروف السهلة عند القراءة. وفي إخراجه لكلمة (صدق) اختار الفنان شكل الصاد المُـفـرّغة، ومنحها مـدّا واضحًـا لقابليتها على المد، أمّـا حرف الدال فقد خطَّ الجزء الأول منه برأس مثلث صغير ثم استدارة لطيفة، وكتب حرف القاف حسب قواعد خط النسخ، بتفريغ عينه وتقويسه، واتخذت نقطتاه المتجاورتان الأُفـقـيتان والمائلتان قليلا موضعهما فوقه. أمّـا لفظ الجلالة فقد رفعه قليلا الى الأعلى، حيث ابتدأ بحرف الألف القائم الذي أخرجه مرفوعًـا، ومنح حرف اللام المتكرر توازيًـا معه، أمّـا حرف الهاء فقد أخرجه بترويسة صغيرة.
وفي معالجته الفنية لكلمة (العظيم) اعتمد أيضًا على خاصية الرفع، فرفعها قليلا، وافاد من خاصية التكرار في كتابة حرف الألف، وأخرج حرف اللام بترويسة مربعة وامتداد نازل، ومنح حرف العين طمساً، أمّـا حرف الظاء فقد منحه ترويسة لطيفة، ومدَّ الجزء الأُفـقـي منه مـدّا مقـوّسًا ليتصل بحرف الياء، وخطَّ حرف الميم بتفريغ عينه المدوّرة مع امتداد قصير.
أشار الباحثون في أنواع الخطوط العربية الى أنّ خط الديواني الجلي كان يستخدم في ديوان الدولة العثمانية من قِبل السلاطين والأُمراء والوزراء لإصدار الأوامر الديوانية (الفرمانات) والمراسلات السلطانية، وكان من الخطوط الصعبة القراءة لكثرة تركيباته وتشابكاته، وكثافة التشكيلات التزيينية التي تملأ المساحات البينية، بحيث لا تترك فراغًـا لإضافة حرف أو كلمة الى الأصل، وهذا ما أدّى الى الحفاظ على هذه الإصدارات ومنع تزويرها، ثم شاع استعماله بين الخطاطين.
تنوَّعت التشكيلات التزيينية التي شغلت الفراغات البينية بشكل مكثّـف في القسمين الأول والثاني، مثل الحركات الإعرابية، والنقاط الصغيرة، والحروف الصغيرة، وعلامة الفارزة، وخطَّها الفنان عباس بقلم أقل سمكًـا من القلم الذي خطَّ به النص، لكي تتميّـز عنه، وتحقق خاصية التماسك للكتلة، وهذا ما حققه أيضًا في اختياره للفظ الجلالة، الذي أخرجه على شكل قوس يحتضن القسم الثاني من الآية الكريمة رغم أنَّـه ليس جزءاً منها، وخطّـه بتصرّف لافت للنظر حيث أخرج حروف الألف واللام المكررة بشكل قوسي مائل الى جهة يمين الكتلة، وبترويسة لطيفة فحقق بذلك خاصية التكرار، ثم تقويسة نازلة الى الأسفل، ثم حركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى بميلان نحو جهة اليسار، وتصرّف أيضًا في شكل الهاء التي أخرجها على شكل قوسين متجاورين محقـقـًا بذلك خاصيتي التراكب والتقاطع والحركة الضمنية للحروف. وفي جملة (كن فيكون) كانت التشكيلات محدودة وذلك لقصدية الفنان في ابرازها كما أشرتُ سابقًـا.
إنَّ الشكل الحر للكتلة الخطيّـة في هذه اللوحة حقق توازنًـا وتناسقًـا مع الأرضية الجلدية ذات الشكل غير المنتظم أيضًا.





