التحوّل الكبير: الإنسان بين الحشرة والحمار-عبد السلام العزري- المغرب

في لوحة الصرخة للفنان إدفارد مونك، لا يصرخ الكائن لأن خطرًا خارجيًا يهدده، بل لأن الوجود ذاته صار خانقًا، وكأن الوعي حين يبلغ ذروته يتحول إلى عبء لا يُحتمل. الوجه الممدود، الفم المفتوح على الفراغ، والخطوط المرتجفة التي تبتلع الجسر والسماء، كلها تقول شيئًا واحدًا: لقد أصبح الإنسان غريبًا عن نفسه. هذه الصرخة الصامتة تجد صداها السردي في رواية التحول لـ فرانز كافكا، وفي رواية سيرة حمار لـ حسن أوريد، حيث لا يحتاج التحول إلى تفسير، لأنه في جوهره ليس حدثًا عجائبيًا، بل كشفٌ لحقيقة كانت مستترة.
يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه حشرة عملاقة، لكنه لا يصرخ، ولا يطلب تفسيرًا، بل يفكر في كيفية الذهاب إلى العمل. هنا تكمن المفارقة التي توقف عندها النقاد الغربيون طويلًا: التحول ليس هو المأساة، بل اعتياده. لقد كان غريغور، كما تشير قراءات نقدية إنجليزية حديثة، يعيش حالة من “نزع الإنسانية” قبل أن يتجسد ذلك في جسده، إذ كان مجرد أداة إنتاج داخل منظومة اقتصادية لا ترى فيه إلا وظيفته. حين فقد هذه الوظيفة، فقد إنسانيته في نظر أسرته، فصار وجوده عبئًا ينبغي التخلص منه. الحشرة، بهذا المعنى، ليست سوى تجسيد بصري لوضع اجتماعي سابق، حيث يتحول الإنسان إلى شيء قابل للاستبدال، بلا هوية ولا قيمة ذاتية.
في السياق ذاته، يقدم حسن أوريد في “سيرة حمار” تحوّلًا مغايرًا في شكله، لكنه متقاطع في دلالاته. راشد الأزدي لا يتحول إلى حمار لأنه مذنب، بل لأنه مفكر، وكأن الفكر ذاته يصبح سببًا للسقوط في عالم لا يحتمل الأسئلة. الحمار هنا ليس مجرد حيوان، بل رمز كثيف للكدح، والطاعة، والتحمل، لكنه أيضًا موقع رؤية جديد، يرى من خلاله البطل ما لم يكن يراه وهو إنسان. وهكذا يتحول التحول من لعنة إلى أداة كشف، ومن سقوط إلى يقظة متأخرة.
تشير بعض الدراسات الفرنسية إلى أن تحوّل سامسا يعكس “انهيار الهوية في المجتمع البورجوازي الحديث”، حيث يُختزل الفرد في دوره الاقتصادي، ويُلغى ككائن حر. وهذا ما نلمسه في تفاعل الأسرة مع غريغور، حيث يتبدل الحب إلى نفور، والرعاية إلى عداء، بمجرد أن يتوقف عن الإنتاج. الأب، الذي يمثل سلطة قمعية كامنة، يتحول إلى جلاد، يقذف ابنه بتفاحة تستقر في جسده كندبة دائمة، وكأنها علامة على أن النظام لا يقبل من يخرج عن قواعده. في المقابل، لا يحتاج أوريد إلى أب عنيف، لأن السلطة في نصه موزعة في كل مكان: في المجتمع، في اللغة، في العادات، في الخوف الصامت الذي يجعل الجميع يراقب الجميع.
إن التحول في العملين ليس مجرد حدث سردي، بل بنية فلسفية تكشف عن القلق الوجودي الذي يميز الإنسان المعاصر. لا سبب للتحول، ولا مخرج منه، ولا وعد بالخلاص. غريغور يموت في صمت، بعد أن يتكيف مع وضعيته الجديدة إلى حد التلاشي، وراشد يستمر في وجوده الحيواني وهو يحتفظ بوعيه، كمن حُكم عليه بأن يرى الحقيقة دون أن يستطيع تغييرها. هنا يلتقي العبث بالكشف، ويتحول الأدب إلى مرآة قاسية تعكس ما لا نريد رؤيته.
لكن أخطر ما يكشفه هذا التحول هو ما يمكن تسميته بـ”التشييء”، أي تحويل الإنسان إلى شيء. في عالم كافكا، يصبح الإنسان قيمة اقتصادية، وفي عالم أوريد يصبح كائنًا وظيفيًا داخل منظومة اجتماعية مغلقة. أما في عالمنا اليوم، فقد بلغ التشييء ذروته في شكل جديد: الإنسان الرقمي. لم نعد بحاجة إلى أن نستيقظ ونجد أنفسنا حشرات أو حميرًا، لأننا بالفعل تحولنا إلى بيانات، إلى أرقام، إلى سلوكيات قابلة للتحليل والتوجيه. نحن نعيش، كما يقول بعض مفكري الحداثة المتأخرة، داخل “مجتمع المراقبة”، حيث لا يُقاس الإنسان بما هو عليه، بل بما يستهلكه وينشره ويتفاعل معه.
بهذا المعنى، يمكن قراءة غريغور سامسا كأول “عبد رقمي” بشكل رمزي: كائن يعمل دون توقف، يخضع لنظام لا يفهمه، ويُقاس فقط بإنتاجيته. وإذا كان قد تحول إلى حشرة في القرن العشرين، فإن إنسان القرن الحادي والعشرين قد تحول إلى ما هو أكثر تجريدًا: ملف رقمي، هوية افتراضية، ظل إلكتروني يسبق وجوده الواقعي. لم تعد الحشرة كائنًا بيولوجيًا، بل صارت حسابًا، ولم يعد الحمار حيوانًا، بل نمطًا من السلوك المتكرر داخل آلة كبرى.
في النهاية، يتبين أن التحول في هذه الأعمال ليس سقوطًا من إنسانية إلى حيوانية، بل انكشاف أن الإنسان قد فقد إنسانيته منذ زمن، وأن ما نراه من تحولات غرائبية ليس إلا استعارة فنية لوضع واقعي. لوحة مونك تصرخ، كافكا يهمس، أوريد يتأمل، لكن الرسالة واحدة: الإنسان المعاصر يعيش حالة اغتراب عميقة، فقد فيها ذاته، وصار غريبًا في عالم صنعه بيديه. والسؤال الذي يبقى معلقًا، ليس لماذا تحول سامسا أو راشد، بل: هل ما زلنا نحن بشرًا كما نظن، أم أننا، دون أن نشعر، قد أكملنا التحول؟
المراجع
*أوريد، حسن. سيرة حمار. الرباط: دار الأمان، 2014.
* الجابري، محمد عابد. *تكوين العقل العربي*. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984.
* طرابيشي، جورج. *نقد نقد العقل العربي*. بيروت: دار الساقي، 1996.
* أدونيس. *الثابت والمتحول*. بيروت: دار العودة، 1974.
* Kafka, Franz. *The Metamorphosis*. Translated by Stanley Corngold, Bantam Classics, 2004.
* Bauman, Zygmunt. *Liquid Modernity*. Cambridge: Polity Press, 2000.
* Foucault, Michel. *Surveiller et punir: Naissance de la prison*. Paris: Gallimard, 1975.





