الخاطرة

البحر لا يُخاصم! 🖋️ أسامة عكاشة

598656548 1427572359085854 3914045491081410010 n

على الشاطئ، حيث يلتقي الموجُ بالتراب كما تلتقي الرواياتُ بالقلوب، وقف البحرُ صامتًا لا يُفصح، وأفصح الناسُ عنه بغير علم..

هذا يقول: لصٌّ، وذاك يقول: كريم، وتلك الثكلى تقول: قاتل، والشيخ يقول: سخيّ.

وما البحرُ في حقيقة الأمر إلا مرآةٌ واسعة، يردّ إلى كلِّ ناظرٍ صورته، ويعيد إلى كلِّ قلبٍ ما أضمره.

كتب الطفلُّ حكمه بمدادِ الفقد، إذ لم يرَ في البحر غير يدٍ امتدّت إلى نعله الصغير، فسمّاه بما عرف.

وكتب الصيّادُ وصفه بحبر الشِّبع، إذ عاد بشباكه مثقلة، فرأى الكرم حيث رأى الرزق.

وناحت الأمُّ على صدر الرمل، فخطّت بالدمع لفظ القتل، لأن البحر وافاها بأقسى ما يُوافى به بشر.

وأمّا الشيخ، وقد استخرج من أعماقه لؤلؤةً نادرة، فشهد له بالسخاء، لأن عينيه لم تقع إلا على العطاء.

ثم جاءت موجةٌ عاتية، لا خصومة لها مع أحد، ولا نصرة فيها لرأي، فمحَت الكلمات كلَّها، كأنها لم تُكتب، وأبقت البحر كما كان: لا يُدافع عن نفسه، ولا يُخاصم أوصاف الناس له.

فدلّ ذلك على أن الأحكام تموت، وأن الحياة لا تعبأ بما يُقال عنها، بل تمضي في شأنها، ماضيةً كما قُدِّر لها.

فاعلم ـ رحمك الله ـ أن أكثر ما يُقال ليس وصفًا للحقائق، بل ترجمةٌ للنوازل، وأن الناس لا ينطقون بماهية الأشياء، بل بما انتهى إليهم منها.

فاللسانُ أسير تَجربَته، والقلمُ سجين الشعور، والعين لا ترى إلا قدر اتساعها، والقلب لا يشهد إلا ما طرق بابه.

فلا تُثقِل سمعك بضجيج الأقوال، ولا تجعل قلبك مرعىً لأحكام العابرين؛ فإن البحر واحد، وإن اختلفت أسماؤه، والحقيقة ثابتة، وإن تنوّعت الألسن.

ومن عرف ذلك، سكن قلبه، واطمأنّ فكره، وترك الناس يقولون، كما ترك البحرُ أمواجه تمحو ما كُتب، وتبقى الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading