الأدب الساخر

الأدب الساخر.. في مواجهة الهيمنة والاستبداد – دعد ديب

49798893 315011735783352 2210833900219924480 n

السخرية هي الكلام المبطن لما يخالفه بأكثر من معنى، أي أنه ينطوي على بطانة لها قوام مفارق لما هو جلي وظاهر، وهي سلاح للتعبير عن النقائص وأحد أساليب النقد حيث يكشف الكلام المضمر بالتورية والتلميح بدل التصريح رأيًا مخالفًا لشكله الظاهري، وهي كلمة تقبع تحتها مروحة واسعة من التعابير ومن المفردات الدالة لمعناها أو جزء منها على غرار “الاستهزاء– الهزل – الفكاهة – النادرة- الدعابة – الهجاء –الانتقاد”. والأدب الساخر يعتمد على تمرير أفكار ومقولات قد لا يستطيع مقاربتها بشكل مباشر كي يتجاوز مفاعيل الرقابة بمعانيها المستترة. وقد انعكست السخرية في صنوف الفنون والآداب على اختلاف أنواعها من الشعر للرواية للقصة القصيرة للمقالة، ناهيك عن المسرح والسينما. وبرزت صورتها في الأدب كقناة للوصول إلى قلب المتلقي عبر الابتسامة والموقف المفارق والضحكة ليستطيع إيصال الأفكار التي لا يستطيع الجهر بها علنًا أو محاولة إيصال الفكرة بطريقة أكثر سهولة ويسرًا من الأسلوب الجاف والجاد أو ليفسح مجالًا لتجاوز سوداوية الواقع وظروفه البائسة، من خلال رصد الموقف المغرق في الحزن وتحويله إلى مصدر للضحك كأن تقول الشيء ونقيضه في اللحظة الواحدة.


“المنهج السقراطي يقوم على عنصري التهكم والتوليد معتمدًا على قدرته في إيقاع محدثه في التناقض فيتصنع الجهل بطرح أسئلة ثم يثير الشك في أقواله ليقر المتحدث بجهله بالنهاية”

والأدب الساخر من أصعب الفنون عمومًا لأنه يعتمد التناقض بين مقاصد الكلام والتلاعب بمقاييس الأشياء تضخيمًا أو تصغيرًا أو تطويلًا أو تقزيمًا لما من شأنه أن يجلب الابتسامة والضحكة للمشهد الكاريكاتوري المرسوم، فهو نشاط إبداعي من حيث الكتابة والعرض والفكرة والنمط، فاللغة الرصينة مخالفة لواقع الفكاهة والتندر، وفق تعبير خطيب بدلة، فهي تريح النفس بتخليصها من الكرب والهموم كونها ذات تأثير بالغ لسهولة التلقي باعتبار أنها تلج طريقًا غير مباشر ضمن الألاعيب الكلامية بين الإخفاء والظهور والإشارة والإيماء.

السخرية في الأدب العالمي

يزدحم الأدب العالمي بالكثير من الأعمال الأدبية التي تستلهم عناصر الكوميديا وأفانين المفارقات الساخرة المعبرة عن موقف وانتقاد ورؤية تجاه العصر، فالمنهج السقراطي يقوم على عنصري التهكم والتوليد معتمدًا على قدرته في إيقاع محدثه في التناقض فيتصنع الجهل بطرح أسئلة ثم يثير الشك في أقواله ليقر المتحدث بجهله بالنهاية، فيكون بذلك نوعًا من الحوار الساخر التي يظهر غير ما يضمر. ويحفل التاريخ بأسماء قد يحتاج البحث عنها وفيها لكتب كاملة مثل موليير وتشيخوف وغوغول وبرنارد شو.

1


تعتبر رواية “الحمار الذهبي” لـ”أبوليوس” أولى الروايات الساخرة في العالم، فالبطل الذي حوله السحر إلى حمار بخطأ ما، يتجول عبر الناس والمدن وهو يرى ويحس ويدرك وتحصل أثناء ذلك الكثير من المفارقات المضحكة والمؤذية والكاشفة عن أحوال ذلك الزمن، وقد نستغرب إذا عرفنا أن لهوميروس، كاتب الملاحم الأشهر، ملحمة بعنوان “باتروخوماخيا”، وهي ملحمة ساخرة تدور أحداثها في معركة اندلع وطيسها بين الضفادع والفئران، وهي للعلم ليست بأقل أهمية من الإلياذة والأوديسا كونها تحمل بذور النقد اللاهوتي للفكر الديني. كما تعتبر الملحمة الشعرية الساخرة “دون جوان” للورد بايرون من أيقونات الأدب الساخر الأوروبي في رؤية خلافية مع رمز دون جوان السائد الذي يغوي النساء بل يكون هو نفسه مطمعًا تحوم النساء حوله حيثما حل، ويتمكن بايرون خلال ذلك من تصوير مشهدية غاية في الهزء والتهكم من الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاط الإنكليزي. ولكن العمل الأكثر أهمية هو رائعة الإسباني ميغيل دي ثربانتس “دون كيخوته” التي يسخر فيها من تصورات البطولة الحمقاء ونبالة الفروسية التقليدية لرد المظالم وإقامة العدل ومقارعة طواحين الهواء والحروب الوهمية التي يمر بها مدعو البسالة والشجاعة في تهويماتهم غير المنطقية وأوهامهم في العيش خارج الزمن الواقعي والظروف الآنية  التي باتت بعيدة عن روح العصر ومعاييره مما يولد سخرية لاذعة ومرة في اختراقها للزمن وتلك المفارقة بين جنوح الحلم وبؤس الواقع، ولكل هذا نفهم خلود هذا العمل واستمراره لغاية اللحظة لما يمثله من استمرارية في وجدان شعوب العالم،  فدائمًا هناك طروحات دونكيشوتية لا تتلاءم  مع الواقع في الحياة والسياسة والثقافة.


“لكل منطقة جغرافية مزاجها وردود أفعالها وأسلوبها المؤثر، فما يجلب الابتسامة في مكان قد يفشل في سواه، فالسخرية فن شديد الحساسية والخصوصية يحتاج إلى كاتب حاذق يتقن فنون التورية والرموز والكنايات”

أما التركي عزيز نيسين، الذي عرف المنافي والسجون، فقد جعل من الضحك حد البكاء والتطهر أسلوبه المميز في انتقاد عيوب عصره. وقد احتشد في إنتاجه الفكري من صحافة وقصص ومسرحيات وكتب ما تجاوز مئة كتاب رسخ فيها رسالته الساخرة والكوميدية في الانتقاد اللاذع للأوضاع السياسية، وقد توج كصانع للمرح والابتسامة على وجوه الفقراء وهو الحائز على العديد من الجوائز والأوسمة العالمية، كما ترجمت أعماله إلى أغلب لغات العالم ومنها العربية. وتم تحويل روايته “زوبك” إلى مسلسل تلفزيوني سوري تحت عنوان “الدوغري” جُسدت فيه تناقضات المجتمعين التركي والعربي معًا، كما تضمن فضح الوصوليين والمتسلقين للوصول إلى السلطة عبر الغش والتدليس والمكائد، وبذات الوقت رسالة إلى فئات الشعب بأنهم مسؤولون عن وصول هؤلاء إلى مواقع القرار. كل ذلك في لغة رشيقة وساحرة بتصويره الكوميدي للشخصيات الحاملة لرموز يشير كل منها لما يمثله في الشرائح الاجتماعية مما يعكس حالة الصراع فيما بينها وحالة الواقع البائس والتركيبة السياسية التي تمثله.

2


السخرية في الأدب العربي القديم

لكل منطقة جغرافية مزاجها وردود أفعالها وأسلوبها المؤثر، فما يجلب الابتسامة في مكان قد يفشل في سواه، فالسخرية فن شديد الحساسية والخصوصية يحتاج إلى كاتب حاذق يتقن فنون التورية والرموز والكنايات والاستعارات، وخطابها يتطلب مهارة وخفة ظل وسرعة بديهة ومعرفة ودراية بالعلوم والآداب، وقد اقتصر العصر الجاهلي على السخرية في الهجاء ثم زاد عليه في العصور اللاحقة أدب الطرائف والذي يجمع الفكاهة والطرفة في مبحث واحد مثل كتب تراثية مشهورة على غرار “البخلاء” للجاحظ، الذي يعتبر مدرسة في السخرية التي برزت بحكايات المغفلين والحمقى بالإضافة لمرويات أخرى من قطائف الظرف وغيرها كثير وردت كلها في كتب التراث. وظل هذا الأمر متبعًا حتى القرن العاشر الميلادي وظهور “مقامات بديع الزمان الهمذاني” التي تعتبر من أبرز فنون السخرية لما حملته من معاني التهكم والفكاهة البارعة التي تبعث على المرح والابتسام بالإضافة إلى تصويره جزءًا من ثقافة عصره متخذًا راويًا يدعى عيسى ابن هشام عن مغامرات أبي الفتح السكندري ثم تلاه محمد الحريري البصري بمقاماته الأكثر شهرة، وقد لا يمكننا اعتبار المقامات ساخرة بشكل كامل وإنما تتبع في جزء منها للمغامرات وضروب الذكاء والخفة والبديهة الحاضرة، وقد تخصص ابن الرومي في التقاط المفارقات بوصف الأشخاص والأشكال حتى قيل عنه إنه رسام الكاريكاتير في الشعر القديم. وفي العصر العباسي نشطت حركة النثر بأشكالها المختلفة ولا سيما القص الفكاهي، فقد لمع نجم أبي العلاء المعري الذي يحسب أنه من الفلاسفة الشعراء عبر أسلوب التهكم والسخرية الفلسفي، وقد حفل كتابه “رسالة الغفران” بمفارقات فلسفية وفكرية في رده على ابن القارح في تصويره رحلته في وصفه لمصائر الأدباء وتوزعهم في الجنة والنار في شطحات تخيلية يجتمع فيها العراك والعربدة ويعلو الصوت فيصير صياحًا وجعجعة على حد تعبير بنت الشاطئ فيمزج السخرية الضاحكة بالألم العظيم. وليس غريبًا أن “الكوميديا الإلهية” لدانتي أليغييري قد استفادت من فكرتها بشكل كبير، ويُلحظ ذلك بالتناص الذي يظهر فيه هسيس النصوص المستحضرة.


“من الإبداعات النسوية كتابات غادة عبد العال التي حُوّل عملها إلى مسلسل “عايزة أتجوز” باستثمارها روح الدعابة للكشف عن المعاناة والضغوط التي تعيشها الفتاة في المجتمعات الشرقية حيث الزواج أقصى اهتماماتها”


الأدب العربي الحديث

في الأدب الحديث برزت السخرية باعتبارها موقفًا نقديًا معارضًا ضد الفئات والطبقات المهيمنة ومن أهم من اطلعت عليهم أحمد مطر ومحمد الماغوط وزكريا تامر وحسيب كيالي وغيرهم.

وقد اجتمعت في شعر أحمد مطر السخرية والمتعة بآن واحد، ويحتاج المرء إلى التدقيق والتمعن ليدرك حجم السخرية والتهكم فيها، حيث اجتمع الهجاء مع الفكاهة مع الانتقاد للطبقة الحاكمة في قوله:

كلب والينا المعظم

عضني اليوم ومات

فدعاني حارس الأمن لأعدم

عندما أثبت تقرير الوفاة

أن كلب السيد الوالي تسمم.

فالسخرية أسلوب في التعبير وليست هدفًا للأديب بحد ذاتها، وإنما سبيل لإيصال رسالته الفكرية والفنية التي تمتاز بالجرأة على التقاط الموقف المفارق الذي يثير الاستهزاء والكشف عن الموضوع المراد تسليط الكشاف الرؤيوي حوله لإبراز عيوبه ومساوئه.

ولعل النماذج الإبداعية النسوية المتعلقة بالسخرية والتهكم قليلة، نذكر منها كتابات المدونة غادة عبد العال التي حُوّل عملها إلى مسلسل تحت اسم “عايزة أتجوز” باستثمارها روح الدعابة للكشف عن المعاناة والضغوط التي تعيشها الفتاة في المجتمعات الشرقية حيث الزواج أقصى اهتماماتها، فالهزل الجاد هو بحد ذاته شفاء عاطفي ونفسي للكثير من الاضطرابات وأثرها كبير على الصحة الجسدية والنفسية.

وحفلت أعمال محمد الماغوط بالسخرية المرة من كل شيء ببداهة مرتجلة ورشاقة لغوية حضرت في مقالاته ومسرحياته وشعره وسيناريوهات أفلامه التي تشارك فيها مع دريد لحام بإظهارها على الشاشة الكبيرة والمسرحيات على خشبة الركح مثل “كاسك يا وطن” و”ضيعة تشرين” و”غربة”، بالإضافة لفيلمي الحدود والتقرير، وقد اختار الماغوط هذا الأسلوب لطرافته وعمقه وسرعته في الوصول إلى قلب المتلقي رغم العذابات الإنسانية المختزنة فيه عبر المزج بين المأساة والملهاة، وهي تقنية أدبية لجلب الانتباه واليقظة إلى عقل القارئ، فالفكاهة والكوميديا السوداء يكمن في عمقهما وجع يستدرج الابتسامة إلى الضحكة الموجعة وهذا مناقض للتهريج الذي يلامس القضايا الكبيرة بشكل مبتسر ومبتذل لاستجرار الضحك بشكل سطحي وفج.

ففي مسرحية “العصفور الأحدب” التي يحمل اسمها معنى مواربًا اشتقه الماغوط من انحناء السجين في الأقبية أثناء وجوده في السجن، يسخر من السجان والسلطة التي تلاحق الجماهير لخوفها المستمر من المؤامرة مما يجعلها تقبض على الأبرياء من الناس دون ارتكابهم أي جريمة وقد اجتمع الهزل الضاحك بالسخرية الناقدة مع البعد الاجتماعي والفكري.

انتشر كثير من اللغط حول علاقة دريد لحام بالماغوط وكانت هناك اتهامات متباينة، لكن الأكيد أن منجز لحام خارج مساهمات الماغوط كان ضعيفًا رغم الإمكانيات الواسعة المتاحة، وأن الماغوط مات فقيرًا تملأ الكآبة نفسه رغم تاريخه الذي حمل الابتسامة والدعابة الهادفة إلى قلوب محبيه. ولا غرابة أن يكون المثل الشهير “شر البلية ما يضحك” لازمة لأقوالنا ومجالسنا، إذ أن العجز عن إيجاد حلول معقولة لكل هذه النكبات المتراكبة والمتراكمة وهذا التردي الساحق في مستويات العيش مع تسارع التقدم التكنولوجي المستورد وصعوبة مواكبتها ولا نستطيع حيالها إلا السخرية من الذات والواقع إضافة لكونها مسربًا خفيًا لتخفيف الضغط النفسي عن الكائن الإنساني كي لا يؤدى به إلى الجنون والفصام.


“اختار الماغوط هذا الأسلوب لطرافته وعمقه وسرعته في الوصول إلى قلب المتلقي رغم العذابات الإنسانية المختزنة فيه عبر المزج بين المأساة والملهاة”

أما حسيب كيالي ابن إدلب الخضراء الذي أطلق عليه اسم تشيخوف العرب أو جاحظ القرن العشرين، فيعد من الرواد الأوائل في فن السخرية لفضح عيوب ومثالب المجتمع ومفارقاته اللاذعة وعرض معاناة البسطاء والمهمشين كونه انتمى للإنسان بالدرجة الأولى، فقد برع بجمع الطرائف والقصص الشعبية والنوادر، وقد كان أدبه موجهًا لكل فئات المجتمع لما كان لقصصه وحكاياه من سلاسة وسهولة في الدخول لقلوب الناس بلا استئذان. ومن أعماله (قصة تلك الأيام – من حكايات ابن العم –الحضور في أكثر من مكان -نعيمة زعفراني) وسواها الكثير التي جاوزت خمسة عشر عملًا أضاف فيه لمفهوم القصة القصيرة بتحطيمه للغة المقعرة الصعبة باللجوء للغة العامية المفصحة التي جمعت بين الفصحى والعامية، الأمر الذي عمل على انتشاره السريع بين فئات الشعب من البسطاء، كما أبدع في غالبية الأجناس الأدبية من مقامة ورواية وشعر ومسرح، وقد خص شعر التفعيلة بالسخرية والهجاء إذ أسس مع عبد السلام العجيلي وسعيد جزائري عصبة الساخرين.

أخيرًا يقول ميلان كونديرا في روايته “حفلة التفاهة” أننا يجب ألا نأخذ الحياة على محمل الجد، لأننا أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا
العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. ولم يكن ثمة
سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألّا نأخذه على محمل الجد.. بهذا نقاوم فراغ المعنى وعبث الحياة.

مصادر:

– رواية زوبك، عزيز نيسين. منشورات الأهالي للطباعة والنشر-  ترجمة عبد القادر عبد اللي.
– بحث بعنوان “الأدب الساخر في الصحافة المصرية: أحمد رجب نموذجًا” لنجيب بياتي. نشر في مجلة فضاءات نقدية (فصلية محكمة) السنة الخامسة – العدد التاسع عشر – أيلول 2015 م.
– دون كيخوته، ميغيل دي ثربانتس – دار المدى للثقافة والنشر عام 1998- ترجمة عبد الرحمن بدوي.
– أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي بعنوان “خطاب السخرية ودلالته في الشعر العربي المعاصر”، من إعداد فتيحة يلمبروك، 2015.
– مقامات الهمذاني، شرح محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة الازهرية 1932.
– مسرحية العصفور الأحدب، محمد الماغوط. دار العودة بيروت 1972.
– بحث بعنوان “إطلالة على السخرية عند أبي العلاء المعري” لفوزي معروف، مجلة التراث العربي عدد 99-100، مجلد  25، 2005.
– المجلة العربية- مصر، ملف العدد بعنوان “الأدب الساخر رؤية يكشفها الشباب” العدد 537، 2010.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading