الأخلاق والدين – عبد الحليم عباس

إن الإيمان أو حتى مجرَّد الرجاء والأمل بإمكانية وجود حقيقة متعالية يفتح أُفقا واسعا للأخلاق. هذه “الحقيقة المتعالية”، بما هي كذلك، فهي ترتسم كغاية قد يسعى نحوها الإنسان، والغاية لا توجد في وعي الإنسان إلا كغاية، أي أنها شيء يستدعي الحركة والبحث ولا يُفترض به أن يكون معطى جاهزاً منذ البداية. هكذا هو البحث عن الله أو عن الحقيقة أو المطلق أو عن معنى الحياة. إنه بحث يبدأ بالرجاء وبالأمل فهو شيءٌ أكثر من مجرد فرضية ذهنية باردة.
بهذا المعنى؛ فإن الدين بالإضافة إلى دعوته الصريحة إلى الأخلاق كشيء عرفته ومارسته الإنسانية، فهو أيضا يفتح مساحة جديدة لإمكانية الأخلاق نظريّا، ذلك بأنه يقترح وجود حقيقة متعالية، أو وجود مطلق يمنح الأخلاق قيمتها النهائية. فكرة المطلق المتعالي الموجودة في الإسلام على سبيل المثال؛ هي التي تسمح وباستمرار بتجاوز الصور التاريخية للتديُّن، بما في ذلك النصوص الدينية نفسها، وذلك حينما يفترض العقل الإسلامي أن الله أكبر من الدين ومن النصوص التي تكلمت باسمه في التاريخ. هنا ينفتح أُفق آخر أمام هذا العقل، يتم داخله التفكير بشكل نقدي حتى في النصوص الدينية نفسها، وبروح دينية إيمانية.
هناك دائما فرق ومسافة بين الدين والنصّ الديني، أو بين الإيمان والنصّ الديني. هذه المسافة أصبحت ممكنة بفضل الإدراك بأن النص ليس تجسُّدا للمطلق، وأن الإنسان لا يؤمن بالنص بقدر ما يؤمن بما يرمز له أو يشير إليه ذلك النص. وهذه هي المساحة التي يتحرك فيها العقل الديني في مسار التطور التاريخي للوعي الإنساني، متجاوزاً الأشكال التاريخية لماهية الأخلاق ولماهية الدين نفسه.
النصوص كما دونها التاريخ وما لحقها من اجتهادات تحمل سمات واقعها وبيئتها التاريخية، تمثِّل مرجعية للأخلاق بطبيعة الحال في واقعنا، فهي تُعتبر بمثابة مستودع كبير للقيم الإنسانية التي أُضفي عليها طابع القداسة الدينية، وتم تأطيرها داخل تصور اعتقادي أشمل يربط الأخلاق بالمعنى النهائي للوجود الإنساني. ولكن اعتماد النص بوصفه المرجعية النهائية للأخلاق أصبح يثير في المجتمعات المسلمة المعاصرة الكثير من المشكلات. وذلك حينما يعمل المسلم على تعطيل عقله وضميره الإنساني لصالح النص. فعندما تُثار بعض القضايا التي أصبحت، بسبب تطوُّر الوعي الإنساني، قضية أخلاق وضمير إنساني، لا يستفتي الكثير من الناس عقلهم وضميرهم وإنما يستفتون النّص.
هكذا يصبح قتل الإنسان حرقا جائزا إذا كان النص يبيح ذلك، وكذلك يصبح بيع الناس وشراؤهم في القرن الحادي والعشرين جائزا إذا كانت هناك نصوص تقول إنه كذلك، أو قتل الإنسان على أساس الفكر، وسائر أشكال الممارسات غير الأخلاقية، أو التي أصبحت كذلك بفعل الزمن، والتي يُبرر لها بنصوص من الدين. من هنا تأتي أهمية الفصل بين الإيمان الديني والنص، وهي عملية أصبحت تحدُث بشكل تلقائي لدى المسلمين، ذلك أن التاريخ هو الذي فرضها عليهم.
وبالنسبة لثنائية الصورة/المضمون التي تصوغ كينونة الفعل الأخلاقي كما تكلمت عنها في مقال سابق بعنوان “ما هي الأخلاق 1″، فإن مضمون ما هو أخلاقي في هذا السياق هو ما يمليه تطوُّر الوعي الإنساني، بينما تبقى الصورة مرتبطة بالدين والإيمان. هكذا، على سبيل المثال، يصبح الإخاء والتسامح تجاه الآخر المختلف بدلا عن العداء والكراهية، تعبيرا عن روح العصر من جهة مضمونه، وعن الإيمان الديني من جهة صورته ومعناه ودلالته. مثلما كانت وما زالت مكارم الأخلاق التي يدعو لها الدين منتوجا إنسانيا في مضمونها وماهيتها، بينما يأخذ الالتزام بها بُعدا دينيا. فالدين هنا هو دعوة إلى الالتزام بالمكتسبات الإنسانية السامية، والتي منحها الإنسان بنفسه قيمة السمو، والدين يأمره ويشدد عليه بالتمسُّك بها.
ومن ناحية أُخرى، هناك أمر لا بد من الإشارة إليه، وهو أن الأخلاق أصبحت تدور حول الإنسان أو الناس، بينما الدين قد يدور حول مركز غيبي متعالي أعلى من الإنسان ومما يُعرف بأنه أخلاق من المنظور الإنساني، وهكذا يكون الدين فوق الأخلاق كما يعرفها الحِّس الإنساني الشائع. هناك قصص دينية توضِّح هذا الأمر بجلاء، مثل قصة النبي إبراهيم وإقدامه على ذبح ابنه طاعةً للأمر الإلهي. تشير هذه القصة إلى أن النبي إبراهيم قد وضع الطاعة والثقة في الله فوق معايير الأخلاق البشرية، وكذلك قضية مقتل الغلام في سورة الكهف.
هناك ملاحظة بسيطة في قصة النبي إبراهيم، وهي أنه ربما تكون هناك مغالطة تاريخية في الكلام عن “معايير الأخلاق البشرية السائدة”، وذلك لأن القربان البشري كان موجودا في بعض الأديان القديمة، ولا يثير إشكالية أخلاقية بالحدة نفسها التي يثيرها الآن. وهنا قد تأخذ قصة النبي إبراهيم والفداء دلالة إنسانوية. فبدلا من التضحية بالإنسان كقربان للإله، تمت التضحية بالكبش. فيُمكن أن تُقرأ هذه القصة كرمز لقطيعة مع التقاليد الدينية السابقة التي كانت تقدم القرابين البشرية للآلهة، وإشارة لإعلاء الإنسان وتكريمه في الأديان التوحيدية، مقارنة مع الإنسان في الوثنية، أي يُمكن أن تُقرأ كخطوة نحو مركزية الإنسان.
بالطبع نحن الذين نقرأ ونفسِّر القصص الديني، انطلاقا من وعينا التاريخي. فالقصص في كل زمن تقول شيئا مختلفا للعقل الديني وللعقل الإنساني عموما. وإذا كُنا قد قرأنا قصة الفداء كرمز لقطيعة مع تقليد سابق، فإن آخرين قد يقرؤونها على أنها تأكيد لمركزية الأمر الإلهي وتعاليه على كل ما هو أخلاق بشرية. ومن هنا يصبح الحس الإنساني الأخلاقي العادي تابعا للنص الديني، ويصبح كل شيء يقوله النصّ مسلما به مهما كان صادما لشعورنا الأخلاقي الذي شكَّله التاريخ بكل تأكيد. أما الذي تقوله قصة الغُلام الذي قُتل في سورة الكهف فلا يُمكننا تأويله أو قراءته إلا على أنه تأكيد لمركزية الغيب على حساب العقل والأخلاق الموضوعيين، بما في ذلك عقل وأخلاق النبي موسى نفسه في ذلك التاريخ البعيد كما تروي القصة، أو على الأقل في تاريخ القرآن قبل 14قرنا من الزمان.
إننا الآن نعيش في عصر الحداثة، ونواجه ما أسماه “مصطفى مليكان” آثار الحداثة التي لا يُمكن تجنبها، والتي منها أننا نفكِّر بطريقة عقلانية فرضها علينا وجودنا في هذا العصر، حيث تدور الأخلاق والعقلانية حول الإنسان، وإذا فكَّرنا بشكل مختلف سنشعر رغما عنّا بالاغتراب عن ذواتنا التي هي ليست ذوات متعالية وإنما هي من صنع التاريخ. هذا الكلام قد يشمل كل الناس في أُمتنا الإسلامية، فكثير منّا ما زالوا يحملون وجدانا لا ينتمي لهذا العصر ولا يشعرون بالاغتراب رغم ذلك، وإذا شعروا به فقد لا يزيدهم ذلك إلا فخرا واعتزازا. ولكنه هو أيضا وجدانٌ ينتمي إلى التاريخ في النهاية، لا إلى السماء.
إن الإيمان الديني المعاصر والأصيل في الوقت نفسه، بالمعنى الذي تكلمت عنه للأصالة في مقال سابق بعنوان “ما هي الأصالة” أو الأصالة كشيء يؤكد ذاته ويؤسسها من تلقاء ذاته، ولا يستمد طبيعته ولا حقيقته ومشروعيته إلا من نفسه، من الممكن أن يمنح الأخلاق آفاقا أوسع تجعلها أكبر من شيء اعتباطي بلا قيمة حقيقية، ويحررها في الوقت نفسه قسوة الماضي ومن عدمية الحاضر، وذلك لأن هذا الإيمان هو بحثُ عن المتعالي، أي هو بحث عما هو غير موجود هنا في الواقع والتاريخ، وما لا يمكنه أن يوجد ويتجسد إلا كغاية يسعى نحوها الإنسان. وهكذا يكون المطلق أساسا للأخلاق.





