ابنة سخنين الخالة يسرى أم شفيق تدعونا لنستفيق🖋️رندة زريق صباغ

منذ تعرفت عليها اثرت في نفسي كثيراً وباتت صديقتي التي أحترم رغم أنها من عمر والدتي تماماً، هي زوجة صديق والدي الفضل وزميله في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة في الخمسينات، لطالما انتظرت فرصة مناسبة أكتب فيها عن تلك المرأة الصنديدة – إن صحّ الوصف- في كل مرة التقيتها زرعت في هذا الحماس من جديد، مثقفة واعية، جميلة مدركة، تهتم بصحتها وتتناول الطعام الصحي كما تمارس الرياضة وتذهب للسباحة في مركز المدينة مع صديقاتها السخنينيات، أم اهتمت بتعليم بناتها كما أولادها إذ أدركت أهمية التعليم والشهادات العليا التي تفتح آفاقاً وترتقي بالصبايا كما بالشباب لدعم مجتمعنا والرفع من شأنه. ابنة سخنين يوم الأرض هي التي عايشت وحفظت أحداث ذلك اليوم ومآسيه في عقلها وقلبها، لم تنجُ عائلتها من براثن تلك الذكرى، قدمت مدينة سخنين ثلاثة شهداء في يوم الأرض الخالد في 30 آذار 1976، وهم: خديجة قاسم شواهنة (23 عاماً)،
رجا حسين أبو ريا (23 عاماً)،
وخضر عيد خلايلة(27 عاماً).
استشهد الثلاثة خلال مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي التي اقتحمت المدينة لكسر الإضراب الشامل ومواجهة الاحتجاجات ضد مصادرة الأراضي.
السيدة يسرى امرأة واثقة قوية الشخصية، ذات عينين خضراوين لامعتين تشعان حكمة تبثان فيك الطموح والأمل، تحمل في مكنونات صدرها كما بنات جيلها تاريخاً فلسطينياً يعبق بالحنين والأصالة.
كانت بداية معرفتي فيها لطيفة غير متوقعة، اذ أرسلت لي اعجابها بمقالتي (أيلول 2022) عن والدي وذيّلتها بعتاب أنيق لعدم ذكري اسم زوجها المرحوم (جمال سيد أحمد) ضمن قائمة زملاء الفضل في الثانوية، كانت محقة في عتابها ومخلصة في موقفها.هكذا بدأت صداقة من نوع آخر بين امرأتين من جيلين مختلفين يجمعهما الحس الوطني كما الوفاء لرجلين من الزمن الجميل- فضل نعيم زريق من عيلبون وجمال سيد أحمد من سخنين- جمعهما مقعد مدرسي وأبعد الضغط اليومي وصعوبات الحياة كما ضيق اليد بينهما وحال دون التواصل في زمن الحروب والحكم العسكري وما تلاه من تعقيدات ألمت بالمجتمع الفلسطيني في البلاد.
يبدو أن هذه السيدة جمعت وخزنت في داخلها كم هائل من المعلومات والذكريات، من القصص والحكايا التي تحولت لمرايا وتدفقت فجأة على شكل نهر من الشعر المحكي بعد وفاة زوجها إثر إصابته بالكورونا، ذلك الرجل المعطاء لبلده (مقالتي جمال السيد أحمد/ الاتحاد ذكرت فيها بعضاً من انجازاته الاجتماعية، كما نشرت في كتاب تأبينه الذي قام على انجازه ابنه شفيق). تحول وفاء هذه الزوجة الى لؤلؤات من كلمات الشعر اضافة الى لؤلؤات من دموع، وهكذا تفجر هذا البركان الكامن فيها لنحظى نحن بأجمل الكلام وأحلاه، تحدثت عن زوجها، وصفت بيتها وحديقتها الجميلة التي تعتني فيها من بعد أبو شفيق، حديقة عربية بامتياز تجد فيها العنب والدوالي، التين والرمان، اللوز والليمون، كما تجد الزنبق والجوري، الميرمية والعطرة، حصى البان والنويشلة، النعنع والبصل الأخضر، وغيرها من النباتات والاشجار، في الحديقة مساحة من العشب الأخضر للعب الأحفاد مزينة بأرجوحة خشبية وزاوية خاصة للمشاوي والجلوس تحت أشعة شمس بلادنا وهوائها العليل.
وبيوت عريقة حجارها بتحكي
ع صحاب غابو دم عم تبكي
وعجايز حايصة بصحن الدار
بتتذكر الماضي ولربها بتشكي
وعقود واسعة ومشَرعة بوابا
وقناطر عالية ومشتاقة لحبابا
والاهل لو غابو الوطن موجود
والارض باقية وبتحن لصحابا
والبير باب الدار وماحدا شافو
العجوز بتلاقي وبتلامس طرافو
وطلع الوجع من قلبها بلهفة
وتدور حول البير وتبوٌس حفافو
السيدة الشاعرة يسرى كتبت عن الظلم والمظلوم وأطلقت صرختها الشخصية بهذه القصيدة:-
لا نهبنا ولا سطينا
ولا عمخلوق اعتدينا
احناسند لكل مظلوم
ورب السماشاهد علينا
ما عناحقد ولا شرور
وعلى السماحة تربينا
وحنا منابع للمحبة
وحب الخير انزرع فينا
ليه الجهل ليه الظلام
ليه تتسود ليالينا
ليه تشعل بقلبي نيران
ليه تحرق دوالينا
ليه تروع اطفالي
ليه تعكر صفاوينا
وصلنا لزمن ملعون
ليه يا زمن تتعادينا
ما ننجرح ولا ننهان
ولا تدمع مآقينا
رفعنا كفوف الضراعة
وحمدنا الله استدعينا
شكرنا الله بسلامتنا
ركعنا له وصلينا
يا رب انصر كل مظلوم
وكل اللي حوالينا
أما عن العمر وتسارع السنوات فكتبت تقول:-
يا خريفَ العمر هيّا
وانزَعِ الأوراق عنّي
فربيع العمر ولّى
سرق الأحلام منّي
وحمام الدَوْح ناحَ
وبكى من كُثر أنّي
وزهور المرج مالت
وبدت من غير لونِ
وطيور الروض حامت
وشدَت من غير لحنِ
وهموم القلب زادت
من رُقادي ايقظتني
وصدوع الروح نادت
يا عَذولي لا تلُمْني
وزُروع الحقل عطشى
فارْوِها من دمع عيني
يا إلهي كن رجائي
واحمِني من سوء ظني
وقرآني نور قلبي
وجلاء كربي وحزني
قد تكون هذه السيدة نموذجاً جميلاً لكل النساء لتدلي كل منهن بدلوها في في حديقة الثقافة والعطاء، كل حسب قدراتها واهتماماتها، كل حسب نظرتها لنفسها وللحياة، فاضاءة شمعة أفضل من لعن الظلام، وحركة فراشة قادرة على تغيير المحيط، رمي حجر في بئر آسنة تحرك هذه المياه على أمل تغيير تكوينها.
تم مؤخراً تتويج آخر ما كتبت شاعرتنا يسرى السيد احمد/ أبو ريا وهي ابنة واقعها ووطنها، بتلحين قصيدتها (صرخة غضب) وتحويلها لأغنية وطنية محلية غناء (فرقة نايا الجليل)،
ألحان وتوزيع (وهاب بدارنة)
تصوير واخراج الكليب (دريد خلايلة)
الاشراف الفني (ابراهيم سيد أحمد)
قصيدة تحولت لأغنية بل قل لنشيد وطني يصرخ غاضباً ضد أحداث القتل والعنف الأخيرة في سخنين، كلمات تذكر بتاريخ هذه البلدة العربية التي طالما كانت ولا بد أن تعود لتكون قلب مثلث يوم الأرض والمنطقة النابض.
تعتبر الشاعر مدينتها سخنين عز العرب وتفتخر بها كرمز ومعقل يجمع العرب بأشكال شتى ويصون كرامة المجتمع العربي شتى، كما أنها تشببها بالذهب كاشارة للقيم المعنوية والاخلاقية كما قال المثل “الذهب بيضلو ذهب”. من جهة اخرى تؤمن السيدة يسرى بأن ابناء سخنين قادرون كما دوماً على التكافل والتعاضد للوقوف يداً بيد رجالاً ونساءً في وحه كل آفة مجتمعية قد تصيب البلد. لم تنسى شاعرتنا على التذكير بماهية الرجولة الحقيقية التي هي عبارة عن مواقف لا مجرد كلام.
طبعاً يجوز لنا أن نستعير اسم سخنين ونضع مكانه اسم لأي بلدة عربية أخرى، فلنا جميعاً ثقافة واحدة، قيم موحدة وهمومنا في هذه البلاد هي ذاتها، فيا ليتنا نستفيق بعد قراءة كلمات ام شفيق.
سخنين يا عز العرب
سخنين قلعة من ذهب
ورجالها بتحمي الحِمى
ونسوانها تشدّ العَصب
سخنين يا قلب الجليل
لأهلها الكرم دليل
يا صاينة أرض العرب
من الجبل حتى المسيل
أبو ابراهيم ويا علي
عند العرب شأنك عِلي
منطلب من الله القدير
هالغُمة تزول وتنجلي
فجّرتْ بركان الغضب
ومشيت في وسط اللهب
وفوّقتنا من صمتنا
مثل الشرارة في الحطب
والناس ماهي بالمناصب
ولا بالجاه ولا المراتب
والرجال تُعرف بالمواقف
هذا الربح هاي المكاسب
يا اهل البلاد تآلفوا
وتحاببوا وتعارفوا
وبحبل الله اعتصموا
بعمل الخير تكاتفوا
يا أمهات ويا آباء
رّبوا الولد ع الانتماء
غَذوه بحب الوطن
رُدّوه عن دروب الشقاء
بلا سلاح وعيش بأمان
ولا تكون خانع وجبان
اللي غررك ما بينفعك
لما تقف ورا القضبان
أكيدة أنا بأن هذه الكلمات ستلقى أذاناً صاغية وقلوباً محبة للبلد والوطن فنسعى جميعاً لوقف شلال الدم الذي سيغرقنا كلنا إن بقينا صامتين. صرخة غضب أم شفيق تنبهنا لنستفيق ونحول فضبنا لتصرفات حكيمة وعاقلة ننقذ فيها بلداتنا وأبناءنا.
سخنين تلك المدينة النابضة لها في نفسي موقع جليل اضافة لكل ما تقدم، فقد منحت بلدية سخنين آنذاك ممثلة برئيسها د. ابنتي مواطنة شرف بعد ما قامت به من عمل جبار حيث أنقذت رجلاُ وأعادته للحياة من موت محقق إثر غرقة في أخد المنتجعات جراء جلطة دماغية أصابته داخل الماء، كانت ابنتي ولاء كالملاك المنقذ في ذلك الزمان والمكان ولم تألْ جهداً قبل تنفيذ مهمتها الانسانية على أكمل وجه.
اتمنى لسخنين واهلها الهدوء والطمأنينة وزوال هذا العنف المستشري في بلداتنا العربية.





