إنسانية اللاطمأنينة✍️عادل ضرغام

في مقطع استهلالي (لفرناندو بيسوا) في كتابه اللاطمأنينة هناك مقاربة بين الإيمان بفكرة الدين، والإيمان بفكرة الإنسانية، في أصل تكوينها المثالي في ارتباطها بمجموعة مفاهيم مجردة، مثل الخير والحب والجمال والعدل والمساواة. تبدو لي فكرة الإنسانية- بالرغم من عدم موافقتي على أنها يمكن أن تكون بديلا عن الأديان في قيادة العلاقات بين الدول والأفراد- في أقلّ درجاتها وحالاتها وجودا، خاصة حين نبتعد عن تحققها لدى الشعوب، وندخل بها إلى دهاليز السياسة والنظرة البرجماتية الحديثة. لقد فقدت الكلمة الكثير من معناها، لأنه ليس هناك عدل في المجتمع الدولي.
إن مؤسسات هذا المجتمع الذي يتشدق ممثلوها بمثل هذه الكلمات الرنّانة، تمت صياغة لوائحها في لحظة استعمارية، ومن ثمّ فهناك تمييز يتولّد من منطق القوة والهيمنة، ومن منطق التدثر بحقوق مكتسبة، ومن وضع خاص لهذه الدول في لحظات تاريخية سابقة، قد يبدو له مشروعية لحظتها، لكنها في حاجة دائمة إلى المراجعة والتعديل. وحين تفقد هذه الدول- أو بعضها- أخلاقياتها في لحظة تاريخية معينة تتفكك صورة (السوبر مان) الذي تصنعه السينما بوصفه مستوى مثاليا، وتلحّ أدواتها الإعلامية على ترويجها من جانب، ويصبح هذا الحق المكتسب نوعا من العبء على فكرة الإنسانية وعلى المؤسسات الإنسانية، وعلى ثقة البشر في كل دول العالم في مصداقية هذه المؤسسات ودورها، بل وعلى ثقة البشر تجاه فكرة الإنسانية بحدّ ذاتها.
فقد أصبح منطق القوة لصيقا بالتوحش وكاشفا عن العربدة، فالقوة إن لم يتأسس بجانبها عقل وفكر يهدهدان جنونها، تبدو كالشاب الأحمق الحرون الذي يمكن أن يؤدي بحماقته إلى نتائج وخيمة. لقد أصابتني مقولة (بيسوا) بالدهشة، ربما لأنه كان واعيا بهذه الحال المأزومة التي نعانيها الآن في قوله (لقد بدت لي عبادة الإنسانية هذه بشعائرها عن الحرية والمساواة ابتعاثا للعبادات القديمة التي كانت الحيوانات فيها بمثابة آلهة، وكانت الآلهة تبرز برؤوس حيوانات). فكلنا نعيش في زمن اللاطمأنينة في ظل استخدام الحق الذي مُنح في زمن سابق استخداما ينافي المبادئ الإنسانية دون خجل، ودون شعور بالذنب، ودون شعور بأثر ذلك على شرائح عديدة من البشر.
بواعث اللاطمأنينة الثقافية
من ظواهر اللاطمأنينة الثقافية في واقعنا الأدبي والثقافي التي بات الشعور بها واضحا في ظل انعدام القيم الذاتية التي يجب أن تكون أساسا يتحرّك البشر وفق مرشداتها، تتمثل في تعاظم بعض هؤلاء المثقفين- إن صحّ أن نطلق عليهم هذا الوصف- على دورهم المحدد والمرسوم والمصنوع من البداية، وكأن في هذا التعاظم خروجا عن نمطية محددة، تؤسس لدور ما، تمّ تحديده والتأكيد عليه من الجميع، في إطار استراتيجية عامة للوعي بالبشر ودورهم داخل السياق العام.
وتحديد الدور لا يتمّ من سلطة عليا، كما يتخيّل البعض، ولكن هذا التحديد يتجلى داخل إطار وعي جارف من المحيطين، وعي لا تحبسه أو تمنعه المظاهر الخادعة. فهؤلاء- أو أشباه هؤلاء- يشعر بهم الجميع بشكل واضح في كل مجال، أو إطار وظيفي يرتبط بالثقافة أو بالصحافة أو بالنقد أو بالعمل العام. ففي كل سياق من هذه السياقات السابقة، هناك وعي بهذا القادم المصنوع الذي يوهم الآخرين المحيطين بأهميته، وباختلافه وسلطته، ذلك القادم الذي لا يستند إلى تاريخ مؤسس له في مجاله، لكنه يستعيض عنه بألاعيب الحواة والحركة اللاهثة المتسلّقة، وبإصدارات متهافتة تخلو من القيمة، لأنها لحظية موجّهة.
لكن إذا كان هناك وعي من الجميع بدور هؤلاء المنمّط والمحدد، فمن أين تأتي اللاطمأنينة الثقافية المرتبطة بهم؟ تأتي اللاطمأنينة الثقافية وتتشكّل في اللحظة التي يتوهّم فيها هؤلاء أو أشباههم، بقدرتهم في الخروج عن دورهم المرسوم، مأخوذين في ذلك السياق بهتافات الجوقة أو البطانة التي يصنعونها، جوقة تتساند وتتشابك حفاظا على مصالحها، للإيحاء بالفاعلية والتأثير. أعتقد أن كثيرين منهم- للوصول إلى تلك الحال- يقفون أمام مرايا مقعرة، ويستبعدون- فضلا عن المحدبة- المستوية التي تضعهم في سياقهم المحدد، ففي ظلّ هذه المرايا- وهي مرايا تضخّم الجسد والرأس والعقل- يمكن لهؤلاء تبرير محاولاتهم غير المنطقية في الوجود والتأثير، بل وفي الإلحاح مرّة بعد مرّة، للوصول إلى هدف أو أهداف، ترتبط بالمصلحة لشريحة قليلة العدد، ومعدومة التأثير، فهؤلاء- وأشباههم- يمثلون وجودا زائفا، يحاول أن يتعاظم على قدره، بمنطق الخفافيش التي تجيد الحركة في الظلمة، وتفرق من النور، لأن النور يعرّي وجودها المتضخّم، ويكشف عن ضآلة الجسد والعقل والفكر.
لاطمأنينة المدير في مقابل القائد
تمضي الأمور في كل المؤسسات الثقافية والأكاديمية، في إطار اختلافات حادة بين مفهوم المدير ومفهوم القائد، فهناك تباين واضح بين صورة ودور كل منهما. فالأول يؤدي دوره بوصفه موظفا أو مؤديا وفق وتيرة حركة ثابتة، وعمله أقرب إلى حركة الماء الفاتر، وهي حركة لا تخلق مغايرة، أو تؤدي إلى نقلة لافتة، بل تؤسس للاستمرار الساكن، وأداء أقرب إلى القصور الذاتي بفعل النظم الإدارية المستقرة. والأخير يؤدي دوره بوصفه قائدا يملك رؤيا، لا تتصادم مع النظم المستقرة، لكنها تؤثر في تجليها وتشكلّها على هيئة مغايرة. الفارق بينهما يشبه الفارق بين السماء والأرض.
المدير يصنع ويخلق المشكلة، لأنه مشدود للتراتب والحدود الوظيفية، والآخر يحلّها، أو بشكل قد يكون أكثر دقة لا يسمح بتفاقمها، من خلال القضاء على أسباب وجودها، ويغلق الطرق التي يمكن أن تؤدي إليها. المدير يستند إلى القانون في كل الأمور، التافه منها والعظيم، والقائد ليس بحاجة إلى القانون، لأنه يستطيع أن يسيّر أمور مؤسسته بهدوء ويسر دون الحاجة إلى اللجوء إلى تطبيق القانون إلا فيما ندر، وفي أمور، ليس هناك براح لتفادي تطبيقه. وفي إطار ذلك يكشف الوعي بعدد الموظفين الذين يتمّ التحقيق معهم لسبب أو لآخر في المؤسسات الثقافية أو الأكاديمية، عن طبيعة الشخص الذي يجلس على كرسي إدارة المؤسسة، وتوزّعه بين الإدارة والقيادة. وإذا زاد عدد هؤلاء في أية مؤسسة، فهذا يعطي مؤشرا على خلل ما، قد يكون كاشفا عن مدير أو مسئول فاشل، وإذا زاد عدد القضايا المثارة خارج أو في داخل مؤسسة ما، فاعلم أنك أمام إدارة فاشلة، يحكمها التنازع والتنافر، ويحتاج المسئولون عنها إلى تأهيل نفسي.
المدير بيروقراطي، لأنه يستمد آليات وجوده وصلاحياته من التشبث بدورة ثابتة للمستندات، ودورانها في حلقات مستقرة رتيبة، تخلق وتشيع رائحة محملة بالسكون والعطن، والقائد لا يحفل كثيرا بهذه الدورة العقيمة، فيؤسس- انطلاقا من رؤيته- دورة جديدة، دورة تختصر المسافة والوقت، ولا تؤثر على مشروعية إدارية، لكنها تسهم في الوصول إلى إنجاز حقيقي. حضور المدير داخل المؤسسة بجسده لا يكشف عن مغايرة أو التفات إليه، لأنه لم يؤسس هذه المساحة لتوليد الاختلاف في طبيعة النظرة إليه، من التشابه والتعاضد مع موظفيه، ومن إسدال مساحة من التوحّد نحو هدف ما، ومن ثم يظل الصراع وفكرة الإزاحة حاضرة بداخلهم وداخله. أما القائد فإنه يمارس دوره في توليد هذه المساحة، فيتأسس له داخل البشر وجود مغاير، من خلال فاعلية التساند والتشابه، ومن خلال ذوبان الفرد للوصول نحو وحدة المجموع. فمن خلال التشابه والانخراط داخل المجموع دون إخلال بمساحة فاصلة يخلقها الاحترام وتؤسسها الهيبة تتجلّى الكاريزما الخاصة بكل قائد، من خلال كونه حاميا للجميع، وبإعلانه المسئولية عن كل الأخطاء، حتى لو كانت أخطاء بعيدة عنه، ووثيقة الصلة بهؤلاء الموظفين الذين ينتمون إلى مؤسسته.





