القصة القصيرة

أقنعة نحات✍️حسين بن قرين درمشاكي-ليبيا

كان أرسلان نحاتًا استثنائيًا، لا يشبهه أحد. شهرته لم تأتِ من جمال التماثيل بحد ذاته، بل من قدرته المرعبة على تجسيد الألم البشري بدقة صادمة، كأنه يسكن في روح الوجع ويُخرج خلاصته. كان يقضي ليالٍ طويلة في مرسمه، أمام مرايا ضخمة، يصرخ، يبكي، يضحك حتى البكاء، يستنزف روحه ليلتقط أدق تعابير الوجع والفرح على وجهه. كان يمارس طقوسًا قاسية على ذاته، يمزق أعماقه ليرسمها بعدها بحرفية أستاذ على الرخام الصامت. منحوتاته كانت تُحفًا فنية تُباع بأثمان باهظة، يشتريها الأغنياء ليزينوا بها صالوناتهم الفاخرة، معتبرين الألم فنًا راقيًا يتجاوز حدود الجمال. لكن “أرسلان” نفسه لم يكن يضحك أو يبكي إلا أمام مرآته تلك؛ في حياته اليومية، كان يرتدي قناعًا سميكًا من الهدوء واللامبالاة، خشية أن يرى الناس ولو بصيصًا من ضعفه البشري. كانت مشاعره الحقيقية حبيسة مرسمه، لا تتجرأ على الخروج إلى العالم الخارجي.

ذات يوم، طلب منه أحد المقتنين نحت “قناع السعادة المطلقة”. تجمد “أرسلان”؛ السعادة لم تكن مجال إبداعه، ولم يعرفها يومًا في حياته خارج زجاج مرآته المشوهة. رفض في البداية بشدة، فكيف ينحت ما لا يعرفه؟ لكن العرض المادي المغري، الذي لا يمكن رفضه، كان أكبر من مقاومته، فوافق على مضض. عاد إلى مرسمه، قلبه يضطرب كطائر حبيس، وحاول أن يبتسم، أن يقهقه بصوت عالٍ، أن يبتهج من أعماقه، لكن وجهه ظل متصلبًا كتمثال من رخام أصمّ يرفض الحياة. كان كلما حاول، ازداد الألم داخله، وازدادت عيناه جفافًا، وشعر بفراغ أعمق.

بعد أيام من الفشل المرير واليأس الذي استشرى في روحه، رفع “أرسلان” أدواته الثقيلة بيد مرتعشة ليدمر التمثال نصف المكتمل الذي يرفض أن يبتسم له. لكنه في تلك اللحظة لمحت عيناه في انعكاس المرآة خلفه، وجهًا مبتسمًا بشكل طبيعي، ضحكة صافية لم يرها في حياته، وكأنها ليست من هذا العالم. ارتعدت يداه، والتفت “أرسلان” بسرعة جنونية، يبحث عن صاحب هذا الوجه المشرق، لكنه لم يجد سواه.

وفي تلك اللحظة، انقبض قلبه بشدة وهو يدرك المفارقة القاسية: الوجه السعيد لم يكن له، بل كان لتمثال قديم، تمثال “الحزن الأبدي” الذي كان قد نحته في بداية حياته الفنية، حين كان الألم رفيقه الوحيد ومرشده. الآن، هذا التمثال الذي كان تجسيدًا للحزن العميق، يعكس السعادة التي لم يستطع “أرسلان” هو نفسه العثور عليها إلا من خلال ألمه الخاص الذي منحه لقطعة جامدة. في تلك اللحظة، انهار القناع الذي كان يرتديه “أرسلان” لسنوات طويلة، متداعيًا إلى قطع صغيرة. تدفقت دموع حقيقية، حارة، لم يكن قد عرفها إلا في كوابيسه المتقطعة، أدرك بمرارة أنه منح السعادة الخالدة لتمثال من حجر، بينما سلبها من ذاته الحقيقية، تاركًا روحه عارية أمام ألمه الخاص الذي صار يحمل معنى جديدًا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading