أربع حكايات لا شيء من الشعر فيها – فاروق يوسف

الرجل الذي حلم بالزعيم
قيل لعبد الكريم قاسم إن رجلا يسكن في الضواحي قرر ألا ينام لأنه كلما نام كان يراه واقفا أمام فصيل إعدام. ابتسم قاسم وكان على موعد مع السفير السوفييتي وقال «ساذهب للقائه». حين غادر الزعيم سيارته أمام الخرابة التي يقيم فيها الرجل نسي السبب الذي دفعه للقيام بتلك الزيارة. أما الرجل فإنه حين رأى الزعيم أمامه فقد قال «سأنام مثلما تحب ما دمتَ حيا». بعد سنوات حين وقف عبد الكريم قاسم أمام فصيل الإعدام لم يكن يفكر إلا بذلك الرجل الذي حين نام حكم عليه بالإعدام.
صفير الكائنات
«هناك نوع ناعم من الضجيج» أخبرني رفعت مرهون الصفار وهو ينفي أن يكون أحد من أجداده صفارا. قال «ربما هي استعارة من الصفير الذي اخترق دروب بغداد قبل أيام من اقتحام جيش هولاكو المدينة». لم يتسن لي أن أخبره بأني ورثت ذلك الصفير حين أكد لي الطبيب، أن الطنين الذي يقيم في أذني أسبابه وراثية. قال «ربما سمعه واحد من أجدادك القدامى ولم يفارق أذنه». مع التقدم في العمر نسيت ذلك الصفير، غير أنني فيما كنت أمشي في دروب غابة بالسويد سمعته لكنه جاء هذه المرة ملونا بأصباغ قوس قزح ومطمعا بالفاكهة كالحليب. فشلت في العثور على مصدره، وخُيل إلي أن عنصر الوراثة استعاد قوته في اللعب بأوتار أذني. حين خرجت من الغابة صمت الصفير فقررت أن أعود إليه في اليوم الثاني. نمت فنسيته. عرفت في ما بعد أن صديقي رفعت مرهون الصفار كان قد مات في ذلك اليوم.
قدري قاد بقرنا
حين كتب ساطع الحصري القراءة الخلدونية لم يكن أحد يعرف ما عمر ابنه خلدون. «دار دور نار نور» الدار نرسمها بإبرة والنار نخبئها في المخدة. أما قدري فقد قاد بقرنا بين جبلين ونزل بها إلى السهل. كان هناك جنود قتلى وقاطعو طريق وراهبات وزارعو فجل وشمندر ولفت ومرابون وأفئدة صدئة وعربات عثمانية. مَن لا يصدق أن قدري قاد بقرنا إلى المذبح، عليه أن يأتينا ببقرة واحدة من ذلك البقر الذي تشابه علينا. ولو أن ساطع الحصري لا يزال حيا لبكى كثيرا. فلا قدري عاد ولا البقر أطلق خوارا حزينا. وحده الدم كان يسيل حين نفتح القراءة الخلدونية على الصفحة التي لا يزال فيها قدري يقود بقرنا.
حكاية اللمبجي داوود
تلك حكاية تستحق أن تُروى قبل أن يذهب المرء إلى البرازيل، ليختفي هناك بين السرخسيات ويكون سرخسيا. ذهب داوود إلى السوق ولم يعد. قيل إنه مات. ذلك خبر لم تصدقه النسوة اللواتي أحببنه. مَن هو مثل داوود لا يموت من غير وصية. بحثت فطومة تحت وسادتها فلم تجد أي وصية. حين التقيت يوسف عمر في مقهى الزهاوي سألته عن تلك الحكاية التي كان أول من أذاعها بين العامة. قال «كان لدى داوود أعداء كثيرون. بعضهم يكره أناقته وترفعه وترف معشره والبعض الآخر يحسده على حب فطومة، التي لم تهب نفسها لرجل سواه» بعد سنوات مات يوسف عمر. قيل يومها إن داوود هو غريمه الوهمي الذي تخلص منه بأغنية من أجل أن يقنع فطومة أن لا أحد ينافسه على حبها.
كاتب عراقي





