أحبولة الوجود للكاتب لحسن وحي:مقاربة مفاهيمية فلسفية- بقلم امحمد ورزوق

يعتبر كتاب ” أحبولة الوجود ” للكاتب لحسن وحي من بين الكتب الجدلية التي تثير كثيرا من الأسئلة الفلسفية، بحكم الأفكار التي طرحها الكاتب في الكتاب، وبحكم الطابع الذي يطبع عادة هذا النوع من الكتابات، خصوصا وأنها صادرة من كاتب ذاكرته مفعمة بالفلسفة والتفلسف، كما أنها نابعة منه بدافع التساؤل حول مجموعة من الحقائق التي لطالما اعتبرها العقل المنطقي بديهيات ومسلمات، غير أن إضفاء الطابع الفلسفي عليها حولها إلى أفكار جديرة بالمناقشة من جديد.
يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة من الكتابات التي دأب المؤلف على إصدارها في إطار مشروعه الفلسفي الذي لطالما تحدث عنه في مداخلاته في كثير من المحطات الفكرية والمعرفية، فبعد العابث ما قبل الأول “رحلة كائن وقلم” والعابث الأول ” أحلام نيسان” والعابث الثاني “بحبوحة الطفولة”، يأتي العابث الثالث بعنوان ” أحبولة الوجود ” ليطرح نسقا مختلفا من التفلسف، ويفجر ينبوعا من الأفكار الفلسفية التي كان سببها الأول والأخير موت صديق يعتبره الكاتب ترك فراغا واسعا لا يُسلّيه عنه إلا الكتابة وجريان القلم على بياض الأوراق.
إن قراءة هذا الكتاب المحمل بالرمزية وتكثيف المعاني يحتاج إلى وقفات متأنية خصوصا على مستوى بحث المفاهيم من الناحية الفلسفية، ولهذا تأتي هذه الورقة لقراءة بعض أفكار الكتاب والوقف عند بعض المفاهيم، وذلك في أربع وقفات:
- الوقفة الأولى: قراءة في العنوان “أحبولة الوجود”
يعتبر العنوان المدخل الرئيسي للتعرف على الكتاب، بل إن العنوان هو المرآة التي تعكس مضمون الكتاب، وهو النافذة التي يطل من خلالها القارئ على أفكار المؤلف، ولهذا ستتم قراءة هذا العنوان من الناحية التركيبية، ثم من الناحية الدلالية.
- أولا: أحبولة الوجود قراءة تركيبية.
يتشكل هذا العنوان من كلمتين مركبتين تركيبا إضافيا؛ مضاف ومضاف إليه، فمن الناحية الإعرابية فنحن أمام مبتدأ لخبر محذوف، بحيث تعتبر كلمة “أحبولة” مبتدأ مرفوعا وهو مضاف، وكلمة “الوجود” مضافا إليه مجرورا، وخبر هذا المبتدأ محذوف تقديره ما سيأتي داخل الكتاب، وكأن الكاتب يدفعنا منذ البداية للتساؤل عن خبر هذه الأحبولة وعن ماهية هذا الوجود.
- ثانيا: أحبولة الوجود قراءة دلالية.
تشير كلمة أحبولة لغويا إلى ما يرادف المصيدة، الفخ، الشراك، الخديعة، المكيدة، المؤامرة.
كل هذه الكلمات تفيد الغموض والالتباس والخفاء، وتثير نوعا من الخوف وعدم الارتياح، وهذا شأن الأحبولة، فعادة ما يشوبها الغموض وعدم الوضوح، فلا نعرف صاحبها ولا موقعها..
أما كلمة الوجود فهي نقيض العدم، والتعبير بالوجود هنا إشارة إلى أن الأحبولة لا تأتي من وحي الغيب والعدم، بل تدبر عادة من كائن موجود فعلا.
ومن الناحية الفلسفية فإن كلمة الوجود تشير إلى “تحول الأشياء من القوة إلى الفعل، ومن الإمكان إلى الوجوب”. وكأني بالكاتب يحاول أن يحول قوة الحزن الذي خَلّفه موت ذلك الصديق إلى فعل يتجسد في الكلمات والحروف.
وقد يتساءل القارئ فيقول: لماذا عبر الكاتب بالوجود ولم يعبر بالحياة؟ فيقول أحبولة الحياة بدلا من أحبولة الوجود، والجواب أنه ربما لأن مدلول الوجود أعم من مدلول الحياة، وهذا لأن “كل حي موجود، وليس كل موجود حي” وكأن الكاتب يريد أن يقول للقارئ بأن الأحبولة قد تدبر من كل الموجودات كائنا حيا كان أو جمادا.
وبناء على هذا كله، ومن خلال هذا العنوان المركب “أحبولة الوجود” فإن الكاتب يضعنا أمام واقع مشكوك فيه يثير القلق والخوف، حيث أنه يضفي صفة المكيدة والمؤامرة على كل موجود، وبالتالي وجب الحذر من أي شيء، ولكن يبقى السؤال: كيف؟؟
- الوقفة الثانية: سؤال العدم والموت.
يقول أبو العلاء المعري: “لا حقيقة عصية على الشك أكثر من الموت”[1] بمعنى أنه يمكن تجاوز حالة الشك التي تثار حول كل الحقائق إلا حقيقة الموت والعدم، فهي عصية على الشك ولا يمكن تجاوزها بتلك السهولة.
ولهذا فإن الكاتب يثير مجموعة من الأفكار الفلسفية العصية حولة الموت والعدم، يتلخص غالبها في دافع الموت.
وعليه يمكن البدء بالتساؤل حول هذه الحقيقة العصية، فنقول: لماذا الموت؟
أولا يمكن القول بأن جدلية الموت والحياة تعتبر إشكالية فلسفية على امتداد التاريخ، ولن تبلغ يوما حدها النهائي، لماذا؟ ببساطة لأن الإنسان خلق ليموت.
ومنه يمكن اعتبار الموت ظاهرة تاريخية، لذلك يأتي السؤال: ما هو الموت؟
يجيبنا سقراط عن هذا السؤال حينما يعتبر الموت “نوما بدون أحلام، وعبورا وهجرة إل عالم آخر”[2] وكأن الموت عند سقراط انتقال من نوم بأحلام وكوابيس مزعجة إلى نوم بلا أحلام وكوابيس، فهو إذن استراحة للإنسان وسفر بعيدا عن المكدرات..
وهو ما يؤكده الفيلسوف الإسلامي الكندي بمعنى آخر حينما يرى أن “الموت أشبه بالارتقاء إلى مرحلة أفضل من سابقتها”[3] ولهذا لا يعتبر الموت شيئا رديئا، بل يرى أن الرديء هو الخوف من الموت.
ولهذا فإننا حينما نخاف من الموت نصبح أكثر حزنا وأكثر ألما، مما إذا تحقق الموت فينا حقيقة.
قد يتساءل السائل من جديد: إذا كان هذان الاتجاهان من الفلسفة الإغريقية والإسلامية لا يعتبران الموت أمرا يدعو إلى القلق والخوف، فلماذا الكاتب يكثر من إثارة الموت والبحث في أسبابه ودواعيه؟
يقول محمود درويش إجابة عن هذا السؤال: “الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء”[4]، وكأني بدرويش يقرأ معنا هذه الكتلة من الأحزان ويستشعر حجم الأسى الذي أفرغه الكاتب في هذه الصفحات.
إن الموت حسب كلام درويش لا يأتي ليوجع الأموات، بل يأتي ليوجع الأحياء، مشيرا إلى ذلك الفراغ الواسع الذي يتركه الموت حينما يأخذ الأخلاء، تاركا معه سيلا من الذكريات التي تبعث الألم والحزن في نفوس الأحياء، فموت صديق لا يعني نهاية وجود، لأنه إذا كانت الصورة قد آلت إلى العدم، فالذكرى باقية في حيز الوجود، وهذه الذكرى هي التي تعكس تلك الكتلة من الحزن التي يحاول الكاتب إفراغها في هذا الكتاب.
يقول الغزالي في هذا المنحى: “النفس جوهر خالد لا يموت بموت الجسد، فهي لا تعرف الفناء، بل هي سرمدية ولا يمكن تصور فنائها”[5] فهو يشير إلى أن الموت لا يعني العدم التام، بل هو عدم نسبي فحسب، لأنه إذا كان الجسد قد أفضى إلى العدم، فإن جوهر النفس خالد لا يفنى.
- الوقفة الثالثة: في ماهية المقدس
المقدس لغويا هو نقيض المدنس، أما اصطلاحا، فيختلف مفهوم المقدس حسب المجال المعرفي الذي ينظر إليه من زاويته، والذي يعنينا هو مفهوم المقدس من الناحية الفلسفية.
تشير المادة الفلسفية إلى أن المقدس يدل على ” كل ما لا يمكن تدنيسه أو تلويثه “[6]
وعليه، هل ما أشار إليه الكاتب ينتمي إلى دائرة أو خانة المقدس الذي لا يمكن تدنيسه؟؟
بالعودة إلى الصفحة 134 من كتاب أحبولة الوجود، نجد الكاتب يضفي صفة القداسة على مجموعة من الموجودات حسب وجهة نظره، مثل: باب الخلاص، النافذة المطلة على الوجود، الأم الحنونة، الأمكنة المغروسة في الوجدان، الروح…
وباستحضار الفيلسوف إميل دوركهايم الذي يرى أن “المقدس لا ينحصر في الآلهة والأرواح، ولكنه يمتد ليشمل كائنات جامدة مثل صخرة، نبع، حصاة، قطعة خشبية..” [7] حيث يرى أنه يمكن لأي شيء أن يكون مقدسا، كما يرى أن المقدس لا يمكن للإنسان أن يبحثه أو يعالجه أو يلامسه، فهو المجال الذي يعلو على الشك وعلى الطعن والنقد والتجريب، وهو المطلق القدسي الذي يعلو فوق التصورات والأوهام.
يتأكد لنا أن هذه الأشياء التي أشار إليها الكاتب يمكن أن تكتسب صفة القدسية، حسب ما يراه دوركهايم.
فهل الكاتب يعلن ثورته على المقدس من خلال العنوان الذي يبرز من خلاله عدم ارتياحه من كل الموجودات حينما يعلن شكه وطعنه في ذات الوجود؟ الجواب لا، لأن الكاتب يقر بقدسية هذه الأشياء والموجودات التي أشار إلى رمزيتها.
وهنا يدفعنا الكاتب مرة أخرى للسؤال عن رمزية المقدس؟
الناس بالنظر إلى التفكير يمتلكون نمطين لغويين من أنماط التفكير[8]:
الأول: التفكير المنطقي الذي يسمح ببناء معرفة عقلية واقعية تتعلق بواقع الأشياء.
والثاني: التفكير الرمزي الذي يستخدم منظومة من الدلالات للإشارة إلى الأشياء والمعاني في اتجاه فهمها ومقاربتها.
وبفضل التفكير الرمزي يمكن للإنسان أن يبدع أنماطا من السلوك التي تتميز بطابعها الرمزي.
فالتفكير الرمزي إذن هو الذي يحول الأشياء العادية إلى رموز مقدسة، وهذا ما يحاول الكاتب فعله حينما حول مجموعة من الأشياء إل رموز وأضفى عليها صفة القدسية؛ فالباب لولا أنه يفيد في الخلاص لما كان مقدسا، والنافذة لولا أنها تطل على الوجود لما أصبحت مقدسا، والأمكنة لولا أنها مغروسة في الوجدان لما اكتسبت صفة القداسة، وهكذا..
من هنا يمكن القول بأنه يمكن تحويل أي شيء إلى رمز مقدس بناء على آلة التفكير الرمزي. غير أنه لا يمكن للعقل المنطقي أن يفهم كل شيء على أنه مقدس، ولهذا وجب عقلنة هذا المقدس، لأن حضور المقدس العقلاني ضروري في مناحي الحياة الإنسانية.
- الوقفة الرابعة: تجدد المأساة في أحبولة الوجود.
في هذا الكتاب لا يخرج الكاتب من حزن وألم حتى يدخل إلى حزن مماثل، وهذا ما يعكسه حديثه المتكرر عن الموت، وتعبيره عن المأساة التي يكابدها تارة بالظلام، وتارة بالرمق الأخير، وتارة بالغربة التي تثير القلق، والحبل على الجرار.. ثم من خلال الحنين والتذكر، حينما يسعى للخروج من دائرة الحزن المسيطرة عليه، لكنه لا يكاد يتخلص من ألم حتى يجد نفسه داخل إطار جديد من الحزن.
وهكذا يتجدد عليه الحزن والمأساة كأنه يعيش في دوامة مغلقة من هذا الحزن، وكأنه يحيي أسطورة سيزيف.
هذه الأسطورة تحكي أن سيزيف كان رجلا ذكيا ماكرا، استطاع أن يخدع إله الموت “ثانتوس” حين طلب منه أن يجرب الأصفاد والأقفال، وما إن جربها إله الموت حتى قام سيزيف بتكبيله، وبالتالي أنقذ الناس من الموت.
هذا الأمر أغضب الآلهة، فأصدروا عليه حكما بأن يعيش حياة أبدية على أن يقضي سيزيف هذه الأزلية في عم غير مجد، ألا هو حمل صخرة صعودا إلى جبل، وما يوشك سيزيف من الوصول حتى تعود الصخرة للتدحرج نزولا، ليعاود سيزيف الأمر من جديد مرارا وتكرارا، وهكذا بلا نهاية.. [9]
أوردت هذه الأسطورة لأني أرى أن تفاصيلها تتجسد في هذا الكتاب بشكل ضمني، وكأن سيزيف تجسد في روح الكاتب ليبعث حكاية هذه الأسطورة من جديد، حيث أن الكاتب كان يجسد عمل سيزيف حينما حاول تكبيل مأساته وحزنه، في حين أن العقاب الذي أحل به كان يتمثل في ذلك الحزن والألم المتجدد عليه بموت الأصدقاء تارة بالآلة الخرساء كما يصفها، وتارة بالبندقية، وهكذا..، بينما الصخرة التي تتدحرج كلما حاول رفعها إلى أعلى الجبل من أجل الخلاص، فهي المتجلية في الموت الذي كلما أوشك الخروج من حداده ظهر موت جديد يعيده إلى سيرته الأولى وكأن الصخرة تدحرجت إلى أسفل الجبل.
هكذا فإن الكاتب لم يكن ليكتب هذه الصفحات التي تئن حزنا وألما لولا موت صديقه الهلال الذي شكل جزءا من حياته حسب ما قرأناه في تفاصيل الكتاب، ولذلك فإن الموت أحيانا قد يأتي ليدفعنا للكتابة والإبداع من وحي المأساة والألم.
ولذلك أعود لأكرر فكرة أبي العلاء حينما قال: “لا حقيقة عصية على الشك أكثر من الموت” بحيث يمكننا أن نتجاوز شكنا في كل شيء سوى الموت، فهو أكبر من الشك الذي يسكننا حياله، غير أننا لا يمكننا بأية حال أن نشك في أن الموت سنة كونية من الله تعالى، وأنه قدر لا مفر منه، بل إن جمال الوجود لا يكتمل إلا بنقيضه الذي هو الموت، فلو كتب الله الخلود لكل نفس لما كان لهذه الحياة أي معنى.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول إن أحبولة الوجود لصاحبها لحسن وحي تبقى أرضية للنقاش والأخذ والرد وتداول الآراء، ذلك أن الكاتب إنما وضع الأساس وترك للقارئ مساحة للتفكير والنقد والمناقشة، ولعل قارئا يفهم ما لا يفهم قارئ آخر، لأن الكاتب ترك الفكرة مفتوحة على كل الاحتمالات.
لائحة المراجع والمصادر:
– لحسن، وحي. العابث الثالث: أٌحبولة الوجود، تقديم: ذ. امحمد ورزوق، ط1(مطبعة وراقة بلال- فاس/المغرب، 2025).
[1]: محاولة تأمل فلسفي في مفهوم الموت، كارول الخوري.
[2]: نفسه.
[3]: نفسه.
[4]: في حضرة الغياب، محمود درويش.
[5]: محاولة تأمل فلسفي في مفهوم الموت، كارول الخوري
[6]: المقدس رموز وطقوس وأساطير، علي أسعد وطفة.
[7]: نفسه.
[8]: نفسه.
[9]: سيزيف والصخرة، حمزة المجيدي.





