آخر الألوان – بختي ضيف الله – الجزائر

كم تمنيت أن أمحو بجرة فرشاتي بقعة غريبة تؤلم الروح، علقت بجدارية أخذت كل وقتي وتفكيري في رسمها وكتابة أسمائها، يلتقي فيها الماضي والحاضر، أرى فيها جنتي التي أنتظرها وأنا على أرضي المحاصرة بأسلاك الخذلان من إخوة الدين والدم. تسللت إلى ألواني بعد طعنة سكين شقت بطن عربيد جاء ليَفْجُرَ أمامها. التصق بها قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. فكرت في تحطيم الجدار الذي يسندها حتى لا يبقى لها أثر يحبس أنفاسي، بيد أني أخفيتها بين ألوان الأزهار الحمراء، كي لا ينتبه إليها الجنود وهم يتأملون جمالها الساحر؛ هم في بحث مستمر عن دليل يدين القاتل. كان السكين أسفلها؛ عميت أبصارهم؛ فهم لا يرون غير الخراب والعبث بأشيائنا الجميلة التي نحرص على بقائها قريبة منا، يغيرون وجه الأرض عند كل جنون.
– إلى متى أخشى أن يكشفوا أثر دمهم الغريب عن هذه الأرض؟ لولا أزهاري الجميلة لقذفتها ببقع من سواد لا تبقي ولا تذر.
إنها مثل محتل جاثم على صدورنا، يرمي بثقله علينا كلما أردنا القيام لنعتني بأشجار الزيتون والبرتقال التي تنتظرنا عند كل مطلع شمس، تذكرنا طيورها إذا نسينا؛ فلا نفارقها إلا عند الغروب.
يمر عمي أبو صالح: أمام الجدارية، وهو متجه إلى المسجد، يقف عندها والابتسام يملأ فاه. هل علم بالقائمة الطويلة للشهداء الذين قاوموا المحتل من أول خطوة خطاه على هذه الأرض؟ أخفيها بين السحاب العابر، طيورا مهاجرة إلى عالم لا تدركه عقول هؤلاء التائهين بين المتاهات المظلمة، لا يعترفون بالحقيقة، شتاتا كتبه الله عليهم يوم عصوا الرسول.
يقبض على يدي بقوة عند كل لقاء، كأنه يودعني أو يريد أن يقول لي شيئا. علمني جدي كيف أقرأ صمت الكبار. هل نسيت اسما من أسماء الأبطال وهم على أفراس قوية كالريح؟ أو سيدات قبضن على شرفهن بقوة حتى لا يمسهن عرابدة امتهنوا الفجور في بلاد الإفرنج؟ أم خياما قطعتها الريح، فقدتْ أبوابها ونوافذها، تجتمع بعد كل شتات، تعيد للذكريات وجوهها المبللة بدمع العبور؟
من يعينني على حماية الجدارية؟ كيف أدفع عنها هذه الجرافة العملاقة القادمة الآن، جيء بها من بعيد، تجر حقدا قديما من بعد خروجنا من أرض ملكناها قرونا وكنا سادتها.. جاءت من أجل أن تجرف ألوانا تعبتُ في مزجها لوجه مقدسيّ بكل أطيافه.. سأدافع عنها بكل ما أوتيتُ من قوة..أصرخ صرختي الأخيرة..أرسم وجهي الملطخ بالدم..أرفع راية النصر..
– آه .. كم مؤلمة سلاسلها الحادة، تقطعني أشلاء..أسقي أرضي السليبة..
واستيقظتُ في عالمي الآخر. كان اسمي مع أسماء الشهداء؛ عرفتُ سر ابتسامة عمي أبي صالح..قد علم كم كانت طعنتي متقنة..





