مقدمة لرواية «مزرعة الحيوان» كتبها جورج أورويل – ترجمة: الطيب الحصني
جرت العادة أن يقال في تقديم جورج أورويل أنّه غنيٌّ عن التقديم، ولكنّ لا يبدو ذلك مقنعاً، سواءً في ثقافتنا العربية أو في لغته الأم. فما يُكتْب عن رواياته، وما نسمعه عنه في حديث القرّاء، كثيراً ما ينمّ عن نظرة ملحميّة، أي أنه فَهْمٌ يرى في أورويل كاتباً بعيد الأفق، رأى القادم في المستقبل، وسَطَرهُ نبوةً للأجيال القادمة، ويكون هذا أكثر ما يكون في معرض الحديث عن روايته الشهيرة «1984». والحقيقة أنّ معظم المفاهيم الواردة في هذه الرواية كانت أشياء عاصرها أورويل في مجتمعه، مثلاً: اللغة المُخترعة ’newspeak‘ ومفهوم التفكير المزدوج ’doublethink‘، نستطيع أن نتتبعهما إلى نقد أورويل للنثر المبهم المستخدم في دوريات عصره. كلُّ هذه المفاهيم هي انعكاس لتعامل أورويل مع واقعه كصحفي وكاتب في زمنه، بقدر ما هي نبؤات للمستقبل، وربما أكثر. ومن الواضح أن ملاحظات أورويل في هذا النص بخصوص رقابة المثقفين البريطانيين الطوعية على أنفسهم كان لها دور في تشكيل رؤيته الأدبية لحياة ’أعضاء الحزب‘ في رواية «1984». من هنا تأتي الفائدة في ترجمة هذا النص لأنه قادر على أن يكون سياقاً صغيراً نستطيع أن نرى من خلاله أفكار أورويل الأدبية من منظار رأيه السياسيّ.
وعلى أي حال، فإن أورويل نفسه ارتأى أن يكتب هذه المقدمة لروايته «مزرعة الحيوان» الصادرة عام 1945، وكان الناشر قد أفسح لها مكاناً في مقدمة المخطوط، ولكنها – لأسباب غير واضحة – لم تُنشر مع الطبعة الأولى، وتمّ العثورُ عليها في ضمن أوراقه، ونُشرت لأول مرة في السبعينات، وصارت بعدها تصدر مع بعض طبعات الرواية الإنجليزية على شكل مُلحق.
نص المقدمة
حرية الصحافة
بدأت التفكير بالحبكة الرئيسية لهذا الكتاب في عام 1937، ولكنني لم أنجزه حتى نهاية عام 1943. وبحلول الوقت الذي كتبته فيه بات واضحاً أن نشره سيكون صعباً جداً (على الرغم من أن النقص الحالي في الكتب يضمن بأن أي شيء يمكن وصفه بأنه كتاب سوف “يبيع”)، وفعلاً رفضه أربعة ناشرين، واحدٌ منهم وحسب من الممكن أن لديه دوافع أيديولوجية تمنعه من طباعته، فاثنان من الذين رفضوا يقومان بطبع كتب معادية لروسيا منذ سنوات، والناشر الأخير ليس له لون سياسي واضح. أحد هؤلاء كان قد قَبِلَ طباعة الكتاب في البداية، ولكنه بعد شروعه بالإجراءات الأولية قرّر استشارة وزارة المعلومات، والتي يبدو أنها حذرته من نشر الكتاب، أو على الأقل نصحته بلهجة شديدة. وهذا مقتطف صغير من رسالة الناشر:
لقد ذكرت لك رد الفعل الذي وصلني من مسؤول مهم في وزارة المعلومات بخصوص مزرعة الحيوان. لا بد أن أعترف أن إفصاحه عن هذا الرأي قد دفعني إلى التفكير الجدي… وأرى الآن أن هذه الرواية شيء لا يجدر بنا نشرها بأي شكل في هذا الوقت. فلو أن الحكاية موجهة بشكل عام نحو الدكتاتوريين والدكتاتورية، على اختلاف أنواعها، لكان نشرها لا بأس به، ولكن الحكاية تتتَّبع – كما أصبح واضحاً لدي الآن – بشكل مُفصّل تطور السوفييت الروس ودكتاتورَيْهِم، وذلك بحيث لا تنطبق إلا على روسيا، وتستثني الدكتاتوريات الأخرى. شيء آخر: سيكون من الأقل إهانة لو أن الفصيلة المسيطرة في الحكاية لم تكن الخنازير، أعتقد أن خيار الخنازير كعِرق حاكم سوف يهين الكثير من البشر بالتأكيد، خصوصاً الناس سريعي الانفعال، كما هو حال الروس بلا شك.
الأشياء من هذا القبيل ليست دليلاً على حال جيدة. من الواضح أولاً أن مديرية حكومية لا ينبغي أن تملك أي سلطة رقابية (إلا في حالة الرقابة الأمنية، والتي لا يعترض عليها أحد في أزمنة الحرب) على الكتب التي لا تصدرها الحكومة رسمياً. ولكن الخطر الرئيس على حرية الفكر والتعبير في هذه اللحظة ليس التدخل المباشر لوزارة المعلومات أو أي كيان رسمي آخر، فإذا كان الناشرون والمحررون يجتهدون في إبقاء بعض المواضيع خارج دائرة النشر، فإن هذا لا يعود لخوفهم من الاضطهاد، بل لأنهم يخافون الرأي العام. في هذه البلاد، جُبن المثقفين هو العدو الأسوأ الذي يضطر الكاتب أو الصحفي لمواجهته، ولا يبدو لي أن هذه الفكرة قد حظيت بالنقاش الذي تستحقه.
أي شخص متوازن التفكير وله خبرة في الصحافة سيعترف بأنه، وخلال هذه الحرب، لم تكن الرقابة الرسمية مزعجة كثيراً، إذْ لم يتم إخضاعنا للـ”تنسيق” الشمولي الذي كان من المنطقي أن نتوقعه في زمن حرب. وعلى الرغم من أن الصحافة لديها بعض الشكاوى المحقّة، فقد كان سلوك الحكومة جيداً بالمجمل ومتقبِّلاً على نحو مفاجئ لآراء الأقلية. لكن الحقيقة السوداء في مسألة الرقابة الفكرية في إنجلترا هي أنها إلى حد كبير طوعية، فالأفكار غير المرغوبة قابلة للإسكات، ويمكن التعتيم على الوقائع غير الملائمة، وذلك كلّه دون الحاجة إلى حظر رسمي. إن أي شخص عاش مدّةً طويلةً في بلد أجنبي عايَشَ ولا بدّ أحداثاً تصلح لأن تكون في العناوين الكبرى إذا قيست بفائدتها كأخبار، ولكنها تبقى خارج إطار الصحافة البريطانية تماماً، وذلك ليس لأن الحكومة تدخلت لحظرها، بل بسبب اتفاق ضمني عام على أنه “لا يجوز” ذكر الحقيقة الفلانية. من السهل فهم هذا الأمر في حالة الصحف اليومية، فالصحافة البريطانية مركزية جداً، ومعظمها يملكه رجال أثرياء لديهم كل الدوافع للكذب في مسائل مهمة معينة. ولكن هذا النوع من الرقابة المقنعة نفسُه يفعل فعلَه كذلك في الكتب والدوريات، كما في المسرحيات والأفلام والإذاعات أيضاً. في أي لحظة معينة من الزمن، يكون هنالك دوماً أرثوذكسية: جسدٌ من الأفكار يُفترض بكل الناس العقلانيين أن يقبلوها بلا نقاش، وعلى الرغم من أنه ليس هنالك تحريم حقيقي للكلام عن الشي الفلاني أو العلاني، ولكنه “لا يصحُّ” الحديثُ عنه، بنفس الطريقة التي كان “لا يصحُّ” فيها ذِكْرُ لفظة ’السراويل‘ أمام السيدات في العصر الفيكتوري. وكل من يتحدى الأرثوذكسية سوف يجد من يُسكته، وبفعالية مفاجئة. الرأي غير المتوافق مع المعتقد العام يكاد لا يحصل على أي فرصة عادلة للاستماع إليه، لا في الصحافة الشعبية ولا في الدوريات رفيعة المستوى.
وفي هذا اللحظة بالذات فإن المطلوب من الأرثوذكسية المنتشرة هو إعجاب منقطع النظير بروسيا السوفييتية، والكل يعلم ذلك، والكل تقريباً يتصرف على أساسه. أي نقد جدّي للنظام السوفييتي، أي كشف عن وقائع تفضل الحكومة السوفييتية بقاءها في الخفاء، يتمُّ التعامل معه وكأنه غير صالح للطباعة. وهذه المؤامرة على مستوى الأمة لتملّق حليفنا تحدثُ – وهذا ما يثير الفضول – في ظل خلفية من التسامح الفكري الحقيقي: فعلى الرغم من أنه ليس مسموحاً انتقاد الحكومة السوفييتية، فإنك على الأقل حرّ بما يكفي لانتقاد حكومتنا: فما من أحد سوف يقبلُ طباعة هجومٍ على ستالين، ولكن الهجومَ على تشرشل شيءٌ مقبول، على الأقل في الكتب والدوريات. وعلى مر خمس سنوات من الحرب، كنا خلال اثنتين أو ثلاث منها نحارب دفاعاً عن بقائنا الوطني، فقد نُشر – وبدون تحفّظ من الحكومة – عددٌ لا يحصى من الكتب والكتيّبات والمقالات التي تدعو إلى المساومة من أجل السلام. وعلاوة على ذلك، فإن نشر كل هذا الكم من الكتابات لم يلق استنكاراً كبيراً. فما دام موضوع الكتابة لا يتعرض بمس لهيبة الاتّحاد السوفييتي، يبقى مبدأُ حرية التعبير عن الرأي محترماً إلى حدّ معقول. وهنالك مواضيع أخرى مُحرّمة وسوف أتحدث عنها هنا، ولكن الموقف السائد من الاتحاد السوفييتي هو أكثر الأعراض خطورة، فهو يبدو وكأنه عفوي، ولا يسببه تأثير أيّ مجموعة ضغط.
لربما فاجأنا الخُنوع الذي أظهرته الإنتلجنتسيا الإنجليزية في تقبُّلها للبروباغندا الروسية، وتكرارها لها منذ عام 1941، لولا أن السلوك له سوابق. ففي عدة مناسبات، وفي موضوع جدلي بعد آخر، حظِيتْ وجهة النظر الروسية بالقبول دون تمحيص، ومن ثم جرت إذاعتها دون أي اعتبار للحقيقة التاريخية أو النزاهة الفكرية. وأحد الأمثلة على ذلك هو احتفال البي بي سي بالذكرى الخامسة والعشرين للجيش الأحمر دون ذكر تروتسكي، وهذا يشبه إحياء ذكرى معركة ترافالجار بلا ذكر الأدميرال نلسون، ولكن هذا الأمر لم يلقَ اعتراضاً لدى الإنتلجنتسيا الإنجليزية. وفي الصراعات الداخلية للبلدان العديدة المحتلة، وقفت الصحافة البريطانية في كل الحالات تقريباً مع الفصائل التي يفضلها الروس، وطعنتْ في الفصائل المعادية لها، وأقدمت في سبيل ذلك على التعتيم على أدلة مادية في بعض الحالات. أحد الأمثلة الفاقعة على ذلك هي حالة الكولونيل ميهايلوفيتش قائدِ وحدات الـ’تشتنيك‘ اليوغسلافي، حيث اتهمه الروس – الذين كانوا يفضلون تيتو بصفته رجُلَهم – بالتعاون مع الألمان. وتبنت الصحافة البريطانية هذا الاتهام على الفور، ولم تُعطِ فرصة لمؤيدي ميهايلوفيتش للرد عليه، وأما الحقائق التي تتناقض مع الاتهام، فقد جرى الإبقاء عليها ببساطة خارج إطار الطباعة. في يوليو عام 1943 عرض الألمان جائزة بقية 100 ألف مارك ذهبي للقبض على تيتو، وجائزة مشابهة للقبض على ميهايلوفيتش، فانتشر خبر جائزة تيتو كالنّار في الهشيم في الصحافة البريطانية، ولكن صحيفة واحدة فقط ذكرت جائزة ميهايلوفيتش، وبالخط الصغير. وعلى الرغم من ذلك استمروا باتهامه بالتعامل مع الألمان. وجرت الأمور على نحو مشابه خلال الحرب الأهلية الإسبانية، حيث طعنت الصحافة البريطانية اليسارية بلا تدقيق بالفصائل المنتمية للصف الجمهوري والتي كان الروس مصرين على سحقها، وقامت الصحف برفض نشر أي دفاع عنهم، حتى ولو كان في صيغة رسالة إلى المحررين. وفي الوقت الحالي، ما عاد النقدُ الجدِّي للاتّحاد السوفييتي مدعاةً للتوبيخ وحسب، بل إن حقيقة وجود مثل هذا النقد أصلاً يُحافظ عليها سراً في بعض الحالات: على سبيل المثال، نشر تروتسكي قبل موته بوقت قصير سيرة ذاتية لستالين، وعلى الرغم من أننا قد نتوقع أن هذا الكتاب ليس حياديّاً بالكامل، ولكن من الواضح أنه قابل للبيع. كان ناشر أميركي قد نسق إصداره وأصبح الكتاب متوفراً (وأظن أنه جرى إرسال نُسخ مجانية إلى المراجعات). وفي ذلك الوقت، دخل الاتحاد السوفييتي الحرب، فتم سحب الكتاب على الفور، ولم تظهر كلمة واحدة عن هذا الموضوع في الصحافة البريطانية، على الرغم من أن وجود مثل هذا الكتاب، والتعتيم عليه، قصة تستحق بالتأكيد بعض المقاطع في الصحف.
من المهم التمييز بين نوع الرقابة الذي تمارسه الإنتلجنتسيا الإنجليزية على نفسها طوعاً، وبين الرقابة التي يمكن أن تمارسها في بعض الأحيان مجموعات الضغط. فمن المعروف للقاصي والداني أن بعض المواضيع لا يمكن مناقشتها بسبب ’مصالح خاصة‘، والقضية الأكثر شهرة من هذا النوع هو احتيال الأدوية الوهمية. أيضاً، للكنيسة الكاثوليكية الكثير من النفوذ في الصحافة ويمكنها أن تُسكت النقد الموجه نحوها إلى حد ما، ففضيحة تتضمن قساً كاثوليكياً تكاد لا تحصل على أي تغطية، بينما إذا وقع قس إنجيلي في ورطة (مثلاً، قس ستيفيكي) فإن حكايته تصل إلى الصفحات الأولى. من النادر جداً أن يظهر شيء معادي للكاثوليكية على خشبة مسرح أو فلم، ويمكن لأي ممثل أن يخبرك بأن مسرحية تهاجم أو تسخر من الكنيسة الكاثوليكية فهي إنما تُعرّض نفسها للمقاطعة الصحفية، وسوف تُخفق على الأغلب. ولكن هذا النمط من الأحداث ليس مؤذياً، أو إنه على الأقل مفهوم، إذ إن أي مؤسسة ضخمة سوف تسعى لتحقيق مصالحها على أفضل ما تستطيع، والبروباغندا الصريحة ليست شيئاً ينبغي الاعتراض عليه. فالمرء إذاً لا يتوقع من صحيفة ذا ديلي وركر أن تنشر وقائع غير حميدة عن الاتحاد السوفييتي أكثر مما يتوقع أن تقوم صحيفة ذا كاثوليك هيرالد بالهجوم على البابا. ولكن كل شخص ذي تفكير يعرف اصطفاف هاتين الصحيفتين. ما أجده مقلقاً هو أنه، عندما تكون مصالح الاتحاد السوفييتي وسياساته هي موضوع الحديث، فإن المرء لا يستطيع أن يتوقع نقداً ذكياً – وفي حالات كثيرة، ولا حتى مجرد صدق – من الكتاب والصحفيين الليبراليين الذين هم لا يخضعون لأي ضغط مباشر لتزوير آرائهم. فستالين قدسٌ من الأقداس وبعض جوانب سياسته ينبغي ألّا تُناقش بجدية، وهذه القاعدة باتت فاعلة على نحو شامل منذ عام 1941، ولكنها فعلت فعلها – إلى حد أكبر مما هو معروف أحياناً – قبل عشر سنوات من ذلك. فعلى مر ذلك الوقت ما كانت تستطيع الانتقادات الموجهة للنظام السوفييتي والقادمة من اليسار أن تحصل على فرصة لسماعها إلا بصعوبة. وكان هنالك كم ضخم من المنشورات المعادية للروس، ولكنها كلها تقريباً قادمة من الجانب المحافظ، وغير صادقة بشكل واضح، وعتيقة في طرحها، وتكمن من خلفها دوافع خسيسة. من جانب آخر كان هنالك تدفق مساوٍ من حيث الكمية، ويكاد يكون مساوياً من حيث عدم الصدق، من البروباغندا الداعمة للروس، ونتيجة ذلك كله هو أن أي أحد يحاول مناقشة أسئلة شديدة الأهمية بأسلوب ناضج تتم مقاطعته. إذْ كان بإمكانك فعلاً أن تَنشُرَ كتباً معادية للروس، ولكن فعل ذلك سوف يضمن أن تتجاهلك الصحافة الرفيعة كاملةً، أو تسيء فهمك. وتصل إليك التحذيرات، في العلن وفي الأحاديث الشخصية، بأن هذا شيء ’لا يصح‘، وأن ما تقوله ربّما يحملُ شيئاً من الصحة، ولكنه ’في غير محله‘ و’يصب في مصلحة‘ هذا الطرف الرجعي أو ذاك. وجرى الدفاع عن هذا الموقف في العادة على أساس أن الحالة الدولية، والضرورة الحرجة لتحالف أنغلو-روسي، تتطلبان هذا الموقف. ولكن كان من الواضح أن هذا مجرد تبرير، فالإنتلجنتسيا الإنجليزية، أو جزء كبير منها، قد تطور لديها ولاءٌ وطنيٌ نحو الاتحاد السوفييتي، وباتوا يشعرون في قلوبهم بأن إبداء أي شك بحكمة ستالين ضرب من ضروب الكُفر. أصبحوا يرون أن الأحداث في روسيا، والأحداث في غيرها من الأماكن، ينبغي التعامل معهما بمعايير مختلفة، فالإعدامات التي لا تُحصى (التي حدثت أثناء التطهير الذي جرى بين عامي 1936-1938) صفَّق لها مناوئون مخضرمون لعقوبة الإعدام، وبدا أنه من المقبول بالطريقة نفسها إذاعة أخبار المجاعات عندما حصلت في الهند ومن ثم إخفاءُ أخبارها عندما حصلت في أوكرانيا. وإذا كان ما أتحدث عنه صحيحاً قبل الحرب، فإن الوسط الفكري اليوم ليس في حالٍ أفضل بكل تأكيد.
ولكنني أستدرك الآن لأعود للحديث عن هذا الكتاب الذي كتبته، ردة الفعل تجاهه من قبل معظم المثقفين الإنجليز سوف تكون بسيطة إلى حد كبير: ’ما كان يجدر به أن يُنشر‘، وطبعاً فإن كتاب المراجعات أولئك، العارفين في فن تشويه السمعة، سوف لن يهاجموه على أرضية سياسية، بل على أرضية أدبية. سوف يقولون أنه كتاب ممل وسخيف وإهدار معيب للورق، وقد يكون كلامهم صحيحاً، ولكن من الواضح أنه ليس القصة كاملة، فالمرء لا يقول بأن كتاباً ’ما كان ينبغي أن يُنشر‘ لمجرد أنه كتاب سيء، إذ أن هنالك أطنان من القمامة التي تطبع يومياً دون اعتراضٍ من أحد. إن الإنتلجنتسيا البريطانية، أو معظمها، سوف تعترض على هذا الكتاب لأنه يتعدى على قائدهم ويتسبب (حسب رؤيتهم) بضرر لقضية التقدم. ولو كان توجه الكتاب معاكساً لذلك لما قالوا عنه شيئاً من ذلك القبيل، حتى لو كانت عيوبه الأدبية أفقعَ بعشر مرات مما هي عليه. إن نجاح نادي الكتاب اليساري على مر أربع أو خمس سنوات يوضح أنهم مستعدون لتحمل الجلافة والابتذال في الكتابة ما دام الكتابُ يقولُ لهم ما يودّون سماعه.
المسألةُ المطروحةُ هنا بسيطةٌ جداً: هل يحق لكل رأي، مهما كان غير محبوب، بل حتى لو كان غبياً، بأن يُسمع؟ لو أنك طرحتَ الموضوع على هذه الشاكلة فإن كلَّ مثقف إنجليزي تقريباً سيجيبك بـ’نعم‘. ولكن أعطِ هذا الطرح صيغة أوضح، واسأل: ’وماذا عن مهاجمة ستالين؟ هل من حق هذا أن يُسمع؟‘ وسوف تأتيك الإجابة في معظم الأحيان: ’لا‘. والسبب أنه في هذه الحالة يوجد تحدٍ للأرثودكسية الحالية، وعندها يتلاشى مفهوم حرية التعبير عن الرأي. وبالتأكيد فإن المرء إذ يطالب بحرية الصحافة والتعبير عن الرأي فهو لا يطالب بحرية مطلقة. يجب أن يكون هنالك حد، أو على الأقل فإن بقاءه مؤكد، ما دامت المجتمعات المنظمة مستمرة. ولكن الحريّةَ، كما قالت روزا لوكسمبورغ هي “حريةٌ لذلكَ الآخر”، والمبدأ نفسه موجود في كلمات فولتير الشهيرة: “أنا أحتقر ما تقول، ولكن سأدافع حتى الموت عن حقك في قوله”. إذا كانت الحرية الفكرية، وهي دون شك إحدى العلامات المميزة للحضارة الغربية، تعني أي شيء على الإطلاق، فهي تعني أن للجميع حقاً في أن يقولوا ويطبعوا ما يظنّون أنه الحقيقة، والشرط الوحيد لذلك هو أن لا يؤذي بقية المجتمع بطريقة لا شك فيها. الديمقراطياتُ الرأسمالية والنُّسخُ الغربية من الاشتراكية تعتبر هذه الحرية مسلَّماً بها، وحكومتنا، كما وضحت آنفاً، لا تزال تظهر احترامها لهذا المبدأ إلى حد ما. والناس العاديون في الشارع لا يزالون يؤمنون على نحو مُبهَم بأنه: “أظن أنَّ لكل شخص حقاً في رأيه”، وقد يكون سبب ذلك في جزء منه هو أنهم لا يتبنون أفكاراً معينة بحيث يكونون غير متسامحين مع ما هو عكسها. وحدهم أعضاء الإنتلجنتسيا الأدبية والعلمية (أو على الأقل هم الرئيسون في ذلك) وهم الناس الذين يفترض بهم أن يكونوا حرّاس الحرية… وحدهم هم الذين بدأوا يكرهونها، في النظرية كما في الممارسة.
إحدى الظواهر الغريبة في زمننا هو الليبرالي المرتد. فعلاوةً على الادعاء الماركسي المعروف بأن ’الحرية البرجوازية‘ مجرد وهم، بات هنالك ميلٌ متفشٍ للقول بأنك لا تستطيع أن تدافع عن الديمقراطية إلا بأساليب شمولية. فإذا كان المرء يحبُّ الديمقراطية – كما يقولون – فعلى المرء أن يسحق أعداءها بأي وسيلة ممكنة. ومن هم أعداؤها؟ يتبيَّن دوماً أنهم ليسوا الذين يهاجمون الديمقراطية بوعي وعلى الملأ فقط، بل أولئك الذين يهددونها ’موضوعياً‘ عن طريق إفشاء عقائد خطأ. بكلمات أخرى، الدفاع عن الديمقراطية يتطلّبُ تدميرَ كلّ استقلالٍ للفكر، وقد استُعمل هذا المنطق لتبرير التطهيرات الروسية على سبيل المثال. إن أكثر المدافعين عن الروس حماسةً كان يدرك أن الضحايا ما كانوا كلهم مذنبين في كل ما اتهموا به: ولكنهم باعتناقهم آراء مهرطقة يتسبَبونَ بأذية ’موضوعية‘ للنظام، وبناءً على ذلك فليس من السليم إبادتهم وحسب، بل تشويه سمعتهم باتهامات كاذبة أيضاً. المنطق نفسُه استُخْدِمَ لتبرير الكذب الواعي جداً الذي جرى في الصحافة اليسارية بحق التروتسكيين وأقليات جمهورية أخرى في الحرب الأهلية الإسبانية. ومن ثم استُخدم للعواء ضد الحق في المحاكمة العادلة عندما أطلق سراح موزلي في 1943.
هؤلاء الناس لا يفهمون أنك عندما تشجع الوسائل الشمولية فقد يأتي اليوم الذي تُستخدم فيه ضدك وليس من أجلك. إذا جعلت سجن الفاشيين بلا محاكمة مسألة عادية، فإن الموضوع ربما لن يتوقف عند الفاشيين وحدهم. بعد وقت قصير من إعادة السماح بنشر ذا ديلي وركر، كنتُ أقدمُ محاضرةً في جامعة وركنغمنز في جنوب لندن. كان الجمهور معظمه من المثقفين من الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى-الدنيا، وهو نوع الجمهور نفسُه الذي كان يلتقي في فروع نادي الكتاب اليساري. وكانت المحاضرة قد تطرقت إلى حرية الصحافة، وعندما انتهيت، فاجأني عدة مُسائلين وقفوا يسألونني: ألا تظنُّ أن رفعَ الحظر عن صحيفة ذا ديلي وركر كان غلطة كبيرة؟ وعندما سألتهم لماذا، قالوا أنها صحيفةٌ ذاتُ ولاءٍ مشكوك في أمره، ولا ينبغي التسامح معها في وقت الحرب. وجدت نفسي أدافعُ عن ذا ديلي وركر وهي الصحيفةُ التي اجتهَدَتْ غير مرة في مهاجمتي. ولكن من أين تعلم هؤلاء الناس هذا التوجه الشموليّ فعليّاً؟ من المؤكد إلى حد كبير أنهم تعلموه من الشيوعيين أنفسهم! التسامح والكياسة متجذران بعمق في إنجلترا، ولكنهما ليسا منيعَين، ومن الواجب المحافظة عليهما على قيد الحياة، وذلك ينبغي أن يكون في جزءٍ منهُ عبرَ جهدٍ واع. إنَّ نتيجةَ تكريس العقائد الشمولية هي إضعافُ الغريزة التي تستعملها الشعوب الحرة لمعرفة ما هو خطير وما هو غير ذلك. قضيةُ موزلي توضِّحُ هذه المسألة، كان من الصحيح جداً احتجازُ موزلي في 1940، سواءً ارتكب جريمةً من الناحية التقنية أم لم يرتكب، لأننا كنا في حالة دفاع عن أرواحنا وليس بوسعنا السماح لخائن محتمل أن يمشي بحرية. أما إبقاؤه أخرس، وبلا محاكمة، في 1943 فقد كان فضيحة. والإخفاق العام في فهم هذا الواقع دليل على سوء الحال، مع أنه من الصحيح أن التحريض ضد إطلاق سراح موزلي كان مُتصنّعاً في جزء منه، وتبريراً لاستياءات أخرى في جزء آخر منه. ولكن كم بالضبط من الانزلاق الحالي نحو الممارسات الفاشية يمكن أن نتتبع جذورَه إلى ’معاداة الفاشية‘ التي وجدت في السنوات العشر الأخيرة وقلة الضمير التي تبعتها؟
من المهم استيعابُ أن الهيستيريا الحالية حول روسيا ليست إلا عارضاً لإضعاف التراث التحرري الغربي بشكل عام. لو أن وزارةَ المعلومات تدخلتْ ومنعتْ صدورَ هذا الكتاب على نحو قطعي، فإن أكثرَ الإنتلجنتسيا الإنجليزية لن ترى ما يقلق في ذلك. يصادف أن الولاء الكامل للاتحاد السوفييتي هو الأرثوذكسية الحالية، وحيث تكون المصالحُ المفترضةُ للاتحاد السوفييتي معنية فهم ليسوا مستعدين لتقبل الرقابة والحذف وحسب، بل التزييف المتعمد للتاريخ أيضاً. على سبيل المثال أذكر قضية واحدة: عند موت جون ريد، صاحب كتاب عشرة أيام هزت العالم (وهو سرد حي لأحداث الأيام الأولى من الثورة الروسية) انتقلت الحقوق الفكرية للكتاب إلى الحزب الشيوعي البريطاني، والذي أعتقد أن ريد قد تركها لهم في وصيته. بعد بضعة سنوات قام الشيوعيون البريطانيون (بعد أن أتلفوا كل ما استطاعوا إيجاده من النسخ الأصلية) بإصدار نسخة مُشوهة حذفوا منها ذكر تروتسكي وحذفوا أيضاً المقدمة التي كتبها لينين. لو كانت هنالك إنتلجنتسيا راديكالية في بريطانيا حينها، لكان هذا التزوير افتُضِحَ واستُنْكِرَ في كل صحيفة فكرية في البلاد. لكن الذي حصل هو القليل أو لا شيء من الاعتراض. فقد رأى الكثير من المثقفين البريطانيين أنه شيء طبيعي، وأن القبول بهذا الافتراء الصريح يعني أكثر بكثير من أن الإعجاب بروسيا بات موضة رائجة في الوقت الحالي، فمن الممكن جداً أن هذه الموضة لن تدوم. وما أدراني، لربما مع حلول موعد صدور هذا الكتاب قد تكون وجهة نظري أنا هي التي أصبحت مقبولة بشكل عام. ولكن ما نفع هذا بحد ذاته؟ إن تبديل أرثوذكسية بغيرها ليس تقدماً بالضرورة. إن العدو في هذه الحالة هو عقل الجراموفون، بغض النظر عما إذا كان المرء يتفق مع الأسطوانة التي تصدحُ أصواتها من داخله في هذه اللحظة بالذات.
أنا على اطلاع جيد على كل الأقوال المُعترضة على حرية الفكر والرأي: تلك التي تدعي أن هذه الحرية غير قابلة للوجود، وتلك التي تقول بأنها لا ينبغي أن توجد، وأجيبُ عنها ببساطة بأنها لم تقنعني، وأن حضارتنا على مر أربعمئة عام تأسَّست على رأي مغاير لها. على مدى عقدٍ مر، كنت على اعتقاد بأن النظام الروسي القائم شيء شرير في معظمه، وأدعي حقي في أن أقول ذلك، على الرغم من أننا حلفاء مع الاتحاد السوفييتي في حربٍ أريدُ أن أرانا ننتصر فيها. ولو اضطررتُ لاختيار سطرٍ أبرر به نفسي، فإنني سوف أختار هذا السطر من ميلتون:
باسمِ القوانين المعروفة للحرية العتيقة.
إن كلمة عتيقة تشير إلى حقيقة أن الحرية الفكرية تقليد عميق الجذور، ومن دونه، فإن وجود ثقافتنا الغربية المميزة مشكوكٌ في أمره. وهذا التقليد بالذات هو الذي يدير له الكثير من مثقفينا ظهورهم بوضوح. لقد قبلوا المبدأ القائل بأن كتاباً ينبغي أن ينشر أو يُقمع، يُمدح أو يُشتم، لا بناءً على فضائله، بل حسبَ نفعيته السياسية، وهناك آخرون لا يعتنقون هذا المبدأ ولكنهم يصادقون عليه بفعل جبن محض. والمثال على ذلك هو إخفاقُ دعاة رفض العنف البريطانيين، الكثيرين وذوي الصوت العالي، في رفع صوتهم ضد العبادة المتفشية للعسكرة الروسية. فعلى حد روايةِ دعاة نبذ العنف هؤلاء: كلُّ العنف شرير، وقد حثُّونا في كل مرحلة من مراحل الحرب على الاستسلام أو، في أقل الأمر، على الوصول إلى سلام بناء على المساومة. ولكن كم من هؤلاء تجرأ يوماً في اعتبار الحرب شريرةً بنفس الطريقة عندما يشنها الجيش الأحمر؟ يبدو أن الروس لديهم الحق في الدفاع عن أنفسهم، بينما فِعْلُنا المثلَ خطيئةٌ قاتلة. ليس أمامَ المرء أن يفسّرَ هذا التناقض إلا بطريقة واحدة، وهي: رغبة جبانة في البقاء على اتفاق مع أكثرية الإنتلجنتسيا، والتي أصبحت وطنيتها موجهة نحو الاتحاد السوفييتي أكثر منها نحو بريطانيا. أنا أعلم أن الإنتلجنتسيا البريطانية لديها الكثير من الأسباب لجبنها وقلة صدقها، بل إنني أحفظ عن ظهر قلب المنطق الذي يبررون به أنفسهم، ولكن دعونا على الأقل نرفضُ سماعَ المزيد من الهراء حولَ الدفاع عن الحرية ضد الفاشية. إذا كان للحرية من معنى، فهي تعني الحق في أن نقولَ للناس ما لا يرغبون سماعه، والناس العاديون لا يزالون يؤمنون بهذه الفكرة على نحو مبهم، ويتصرفون على أساسها. في بلادنا حال سيء، والأمور ليست بهذا السوء في كل البلدان: فهي لم تكن كذلك في فرنسا الجمهورية، وليست كذلك في الولايات المتحدة اليوم… إذْ في بلادنا: المتحررون هم الذين يخافون الحرية، والمفكرون هم الذين يشنِّعون على الفكر، ومن أجل لفت الاهتمام إلى هذه الحقيقة كتبت هذه المقدمة.

الطيب الحصني
إحدى الظواهر الغريبة في زمننا هو الليبرالي المرتد. فعلاوةً على الادعاء الماركسي المعروف بأن ’الحرية البرجوازية‘ مجرد وهم، بات هنالك ميلٌ متفشٍ للقول بأنك لا تستطيع أن تدافع عن الديمقراطية إلا بأساليب شمولية






