مظاهر السخرية وتجلياتها في الأدب العربي – رحاب حسين
تعد السخرية أحد أهم المواضيع التي تجلّت في الأدب العربي منذ أوجّ نشأته وظهوره، وتعرف السخرية على أنها طريقة من طرق التعبير يستعمل فيها الشخص ألفاظا تقلب المعنى الى عكس ما يقصده المتكلم حقيقة وهو النقد، والنقد اللاذع بصورة الضحك والاستهزاء وغرض الساخر منها دوماً هو النقد أولاً والإضحاك ثانياً، وغالباً ما يكون الغرض منها التعريض بنواقص المجتمع وسلوك أفراده، حيث تعد السخرية من أكثر الظواهر ارتباطا بالمجتمع، لأنها تعطي الساخر صفة المتحدث الرسمي للمجتمع وتمنحه الضوء الأخضر ليشرع في نقد من يحيدون عن الأعراف ويخرقون القوانين والقواعد السائدة في ذلك المجتمع.
فن بلاغي
ان السخرية نوع من الهزء قوامه الامتناع عن إسباغ المعنى الواقعي أو الحقيقي على الكلمات والإيحاء عن طريق الأسلوب وإلقاء الكلام بعكس ما يقال، وتتركز عن طريق طرح الأسئلة مع التظاهر بالجهل وقول شيء في معرض شيء آخر، أو عن طريق توظيف الفنون البلاغية كالذم بما يشبه المدح، وقد تنوعت مظاهرها وأسبابها ودوافعها عند الشعراء فقد اتخذها البعض وسيلة للهزءِ من الواقع الاجتماعي أو السياسي في جيله وعصره، أما البعض الآخر فقد اتخذها وسيلة للسخرية من الأشخاص وألوانهم وهيئاتهم الجسدية والتعريض بثقال الدم منهم، ويعد هذا النوع من السخرية من أشد انواع السخرية وقعا على النفس لما يتركه من أثر في نفس المهزوء منه، وقد اثبتت بعض الدراسات ذلك حينما عرضت اساليب متهكمة تقابلها اساليب كلام اعتيادية، حيث اتضح لهم بأن الأسلوب التهكمي الساخر كان له الأثر الأكبر عن طريق اعتبار المساهمين بالدراسة ان الأسلوب المتهكم أقوى بأسلوب إدانته للفعل الذي تتمحور حوله الدراسة.أسباب الميل إلى الأساليب الساخرة عند الشعراء
يعد الأدب الساخر من أقرب الأنواع الأدبية للأدب الرمزي، وذلك لكونه يسعى غالبا في تعمية الحقائق وإخفاء ردود الفعل الغاضبة والضيقة تجاه موضوع معين من مواضيع الحياة، حيث تتسع عنده دلالات المعاني وتتعدد التأويلات، ويلجأ الأدباء في شتى العصور لتوظيف هذا النوع من الأدب لأسباب منها التخوف من السلطة الحاكمة، حينما يكون التصريح غير مباح وقد يكون ثمنه نهاية حياة الشاعر، كما قد يلجأ الأديب اليه عندما يكون غير قادر على اظهار غضبه، او لكون الموضوع أكبر منه فتصبح السخرية ملاذه النفسي الوحيد لتحقيق الانفعال وثورته، ففي استعمال السخرية تجاه ما هو محزن من الأمور يكون أقوى وأشد تأثيراً وأقدر على تحقيق الهزة النفسية والوجدانية عند المتلقي من التعبير بالكلام الحزين عما هو محزن.
فالساخر انسان متمرد لا يرتضي الواقع، وإنّما يسعى بطموحه نحو المثال ولهذا هو من أكثر انواع الأدب رصدا لظواهر وعيوب المجتمع، في المتابعة والالتقاط.
الأساليب التي تتجلى عن طريقها السخرية الأدبية
مما لا شكّ فيه ان أول صورة للسخرية وأقدمها في تاريخ البشرية وأكثرها انتشارا كانت عن طريق المحاكاة في الكلام والمشي، والحركات الجسمية بأنواعها المختلفة، ومن أقدم طرق السخرية تتم بالصوت عن طريق تقليد الأصوات بتفخيمها وخفضها وتلوينها واعطائها نبرات خاصة يفهم السامع أن الغرض منها هو الاستهزاء والسخرية، أما في الأدب العربي فقد استعان الشعراء بالعديد من الأساليب لتحقيق السخرية أهمها:
١- معالجة الأمر الحقير كأنه عظيم وهذا ما يسمى في الأدب العربي قديما (بأسلوب الذم بما يشبه المدح)، كقول الشاعر:
خَلا مِن الفضْلِ غيرَ أني أراهُ فِي الحُمقِ لا يُجارى
كما ظهر نوع آخر من فنون الكلام سُمي بـ (الهجاء في معرض المدح)، وكان متسعا لأن يؤتى فيه بكلام ظاهره مدح وباطنه هجاء وسخرية، كقول الشاعر:
أبو جعفرٍ رجلٌ عالمٌ بما يُصلح المعدةِ الفاسدة
تَخوف تخمةَ أضيافه فعودهم أكلة واحدة
ففي عبارة (فعودهم أكلة واحدة) تعريض ببخل المدعو بأبي جعفر، حيث لا يوجد على مائدته غير صنف واحد من الطعام.
٢- الرد بالمثل: وهو أسلوب قائم على التبادل، وكثيرا ما يرتبط بالفكاهة والضحك لمجرد التسلية، حيث يكون الرد أشد سخرية ولذعا، كما جرى بين الشاعرين حافظ ابراهيم وأحمد شوقي من مداعبة ساخرة فكاهية، حيث قال حافظ ابراهيم قوله:
يقولون إنا الشوق نار ولوعة فما بال (شوقي) أصبح اليوم بارداً؟
فرد عليه أحمد شوقي قائلا:
وأودعت إنساناً وكلباً أمانةً… فضيعها الإنسان والكلب حافظ
فأوهم كل منهما السامع في شيء مع ذكر اسم صاحبه طرفة وفكاهة.
٣- اللعب بالألفاظ والمعاني عن طريق القلب والكناية والتورية والتعريض، كقول الشاعر:
بيضُ المطابخ لا تشكو إماؤهم طبخ القدور ولا غسل المناديل
وقول آخر:
مطبخ داود في نظافته أشبه شيء بعرش بلقيس
ثياب طُباخه اذا اتسخت أنقى بياضا من القراطيس
٤- الهزل الذي يراد به الجد، وهو أن يقصد المتكلم مدح انسان أو ذمه فيخرج عن ذلك المقصد مخرج الهزل والمجون اللائق بالحال، كقول أبي العتاهية:
أرقيك أرقيك بسم الله أرقيكا من بخل نفسك عل الله يشفيكا
ما سلم كفك الا من يناولها ولا عدوك الا من يرجيكا
٥- التبشير في موضع الإنذار أو الوعيد كقول ابن الرومي:
فيا له من عمل صالح يرفعه الله إلى أسفل
مظاهر السخرية في الأدب العربي
السخرية من الظواهر الاجتماعية:البخل: كان غالبا سخرية كاريكاتورية تقوم على تضخيم مساوئ البخلاء، حيث جعل الساخر منه مشوها، وخارجا عن المألوف، كقول ابن الرومي ساخرا من أحد البخلاء ويدعى عيسى، حيث أنشد فيه قوله:
يقتر عيسى على نفسه وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره تنفس من منخر واحد
وكقول ابي نواس في بخيل يدعى (الفضل):
رأيت الفضل مكتئبا يناغي الخبز والسمكا
فقطب حين أبصرني ونكس رأسه، وبكى
فلما أن حلفت له بأني صائم ضحكا
وقد نالت ظاهرة البخل والبخلاء النصيب الوافر من سخرية الشعراء بها، حتى كانت لبعضهم مؤلفات خاصة بها ككتاب البخلاء للجاحظ، فقد شاعت هذه الظاهرة في العصر العباسي كثيرا رغم التطوّر الذي شهده ذلك العصر، ولما كان العربي يرى أن: في البخل عار فاضح ونقيصة على أهله والجود أبقى وأوضح
فقد كان لازما على الشعراء والكتّاب للنيل من هذه الظاهرة، كونها لا تعكس صورة صحيحة لما عرف به المجتمع العربي من كرم وجود وإكرام.
السخرية من الجبناء والغدارين
عرف العرب بالشجاعة، ورباطة الجأش، فكان الجبن والغدر صفتين ذميمتين قد تخلق بهما بعض الأشخاص في المجتمع العربي وانطوت عليهما نفوسهم وتطبعت بهما، حيث كان العرب يرون بقبول الدية وترك الثأر عار ومنقصة تلحق الفرد والقبيلة، كسخرية الأخطل من قوم حيث قال:
لا يثأرون بقتلاهم إذا قتلوا ولا يكرون يوما عند احجار
أما الغدر، فصفة ذميمة عرف بها قديما (أبو رغال)، حتى أن جريرا قد استعار صفة الغدر من أبي رغال ليلصقها بالفرزدق، وذلك في قوله:
إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر أبي رغالِ
السخرية من الأوضاع
السخرية من الظواهر الاجتماعية وتشتت الأوضاع وسيادة الأزمات والحرمان على بعض المجتمعات، المعاصرة تمثلها قصيدة الذبابة المسافرة، وهي تتحدث عن ذبابة ركبت كتف الشاعر أحمد الوائلي النجفي وهو في طريقه الى الدخول في الطائرة، وكلما حاول دفعها عادت مرة أخرى، حتى نزلت معه على أرض المطار المقصودة، يقول ساخرا من الأوضاع السائدة في بلده:
أذبابتي أشكو إليك هواننا
وضياعنا والباقيات كثيرُ
أترين أنا من سلالة آدم
أم أننا للسائمات نصير؟
نحن الرواحل سيم من أكتافنا
ما استنكفت أن ترتضيه حمير
فهي التي عملت بأكل شعيرها
ولكم نكدّ وما هناك شعيرُ
السخرية من السياسة
تعد الأوضاع السياسية البائسة العامل المهم والدافع الأول، لتوجه الشعراء نحو نقد هذا الوضع البائس وما يلحقه من أسى في حياة المحكومين، وغالبا ما تكون السخرية مغطاة خلف رموز وكنايات، إلا أن بعض الشعراء حاول أن يلغي تلك الحدود، كدعبل الخزاعي هاجيا وساخرا من أحد ملوك بني العباس في قوله:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة ولم تأتنا عن ثامن لهم الكتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة كرام إذ عدوا وثامنهم كلب
وإني لأعلي كلبهم عنك رفعة لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
وكقول أبي العلاء المعري:
يَسوسونَ الأُمورَ بِغَيرِ عَقلٍ
فَيَنفُذُ أَمرُهُم وَيُقالُ ساسه
فَأُفَّ مِنَ الحَياةِ وَأُفَّ مِنّي
وَمِن زَمَنٍ رِئاسَتُهُ خَساسَه
السخرية من هيئة الناس وعيوبهم
عدّ هذا اللون من السخرية، من الألوان الممقوتة، لما له من تأثير في نفسية الآخرين، وما فيهم من عيوب خلقية أو جسدية، وقد نهى عنه القرآن الكريم، في قوله تعالى: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ»، إلا أن الشعراء لم يردعوا أنفسهم عن هذا الأمر، كقول ابن الرومي ساخرا من أنف ابن حرب، قائلا:
لك أنفٌ يابن حربٍ انفت منه الأنوف
أنت في القُدسِ تصلي وهو في البيت يطوف
وقول الحطيئة ساخرا من نفسه:
ابت شفتاي اليوم الا تكلما بشر فما ادري لمن انا قائله
ارى لي وجها شوه الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله
وقول ابن حزمون في نفسه:
تأملت في المرآة وجهي فخلته كوجه عجوز قد اشارت الى اللهو
اذا شئت ان تهجو تأمل خلقتي فان بها ما قد اردت من الهجو
وكسخرية حافظ ابراهيم من رجل عظيم البطن فهو يصفه بأنه يعطل سير أسلاك الكهرباء التي تحار إذا اراد ان تتخذ طريقا لها في كرشه الضخم مع أنها غالبا لا تعوقها أية حواجز: يقول حافظ في ذلك:
عطّلت فنّ الكهرباء فلم تجد شيئا يعوق مسيرها إلّاكا
تسري على وجه البسيطة لحظة فتجوبها وتحار في أحشاكا
السخرية من ممتلكات الناس وأدواتهم
كان لصديق أحمد شوقي الطبيب سيارة، قديمة، فجعل شوقي منها اضحوكة يتندر بها الجيران فهي ضعيفة لا تقوى على السير بالنهار من جانبيها إذا اراد تحريكها، فهي غريبة الطبع تمشي من تلقاء نفسها وتقف من تلقاء نفسها وهي مثال للسخرية، اذ يتصايح وراؤها الاطفال كما يتصايحون عندما تمر فوقهم طائرة يقول فيها شوقي:
لكم في الخط سيارة حديث الجار والجارة
إذا حرّكها مالت على الجنبين منهارة
وقد تحرن أحيانا وتمشي وحدها تارة
ولا تشبعها عينٌ من البنزين فواره
السخرية من سوء الأخلاق:
وهذا النوع من السخرية شغل جوانب مهمة في مساحات الأدب، كقول أحدهم في من ساءت اخلاقه:
اعد الوضوء اذا نطقت به متذكرا من قبل ان تنسى
واحفظ ثيابك ان مررت به فالظل منه ينجس الشمسا
السخرية في علم النفس
وهكذا يربط علماء النفس بين ظاهرة الضحك والأدب الساخر ويرون ان الضحك أثر مصاحب للسخرية، وهذا لا يمكن إطلاقه، لأن السخرية في ذاتها رفض وان تغلفت بمظهر اخر، والضحك الذي نراه عند الساخر لم يأت لغاية الفرح، وانما هو استعلاء على الاحساس بالمرارة واليأس ولون من ألوان الاستخفاف ووجه من وجوه الرمز الهادف، وقد تعددت مظاهر السخرية وخير ما تمثلت به عند بعض الشعراء هو نقد الواقع الاجتماعي والسياسي والظروف المأساوية التي عانت منها مجتمعاتهم انذاك.
القبس





