فنون تشكيلية

 لوحة (لا تحزن) للفنان عباس الطائي – قراءة تحليلية

حجم اللوحة: 50/ 70سم

تاريخ الانجاز: 1412ه / 1992م

   نفّـذ الفنان عباس لوحته التي نشأ تكوينها (تصميمها) على عنصرين هما:

1/ الكتلة الرئيسة: هي الكتلة الخطيّـة المتضمنة لجزء من الآية القرآنية الكريمة المرقومة (4) من سورة التوبة، والتي تنصُّ على (لا تحزن إن الله معنا).

2/ أرضية أو خلفية اللوحة.

   يعتمد نجاح التكوين في اللوحة على حُسن أُسلوب الفنان في توزيع عناصره على المساحة المتاحة، بحيث يمنحها مظهرًا محبوكًا ومتوازنًا ومتناسقًا، وهذا ما يلاحظه المشاهد لهذه اللوحة حيث اختار الفنان عباس منطقة وسط اللوحة ليشغلها بالكتلة الخطيّـة الرئيسة، تاركًا حولها فراغًا محيطيًا أي أرضية اللوحة.

   استخدم الفنانون أنواعاً متعددة من أنظمة التكوين في لوحاتهم الخطيّـة، لكنَّ هذه اللوحة اعتمدت على تكوين السطر المتداخل أي التركيب الخفيف، فاتخذت كلمات الآية الكريمة مسارًا واحدًا وارتفع لفظ الجلالة فوقها، وبهذا يكون تسلسلها القرائي غير تتابعي، ويبدو أنَّ اعتماد الفنان عباس على الخط الكوفي القيرواني في إخراجها مرتبط بدلالة الجزء المخطوط من الآية القرآنية الكريمة، والتي تكشف عن قول الرسول الكريم (صلّى الله عليه وسلّـم) لصاحبه أبي بكر (رضي الله عنه) وهما في الغار أثناء الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة الى المدينة المنوّرة، والكفّـار يبحثون عنهما (لا تحزن) لأنَّ الله سبحانه وتعالى سينصرنا عليهم، والحزن مرتبط بدلالات الانكسار والهزيمة والخيبة، فيما يرتبط الانتصار بالقـوّة والظفر والتمكين، وبما أنَّ الطابع الهندسي يطغى على الخط الكوفي القيرواني؛ لأنّـه من الخطوط اليابسة أو الجافة والقوية أيضًا فكان هو الأنسب لخطِّ هذه الآية الكريمة.

    تميّـز الفنانون العرب والمسلمون بقابليتهم على التجويد الابتكار في الخطوط العربية، فلم تعرف هذه الخطوط نوعًا واحدًا فقط بل عرفت أنواعًا رئيسة، وتفـرّع عنها أنواع أُخرى أبدعها فنانون وضعوا قواعدها وأُصولها، وأتاحوا في الوقت نفسه فرصًا للفنانين الآخرين للتصرف الابتكاري عند تنفيذ هذه الخطوط في لوحاتهم، ومن هذه الفروع هو الخط القيرواني المتفرع عن الخط الكوفي الذي خطَّ به الفنان عباس هذه اللوحة، ويُـعدُّ هذا الخط من الخطوط التي لا تُـكتب مباشرة بالقصبة أو بقلم الخط، بل لا بُـدَّ من استخدام قلم الكتابة العادي والأدوات الهندسية، حيث يبدأ الفنان تصميمه بتحديد الحافات الخارجية للحروف بالمسطرة والقلم أولا، ثم يملأ مساحتها الداخلية بالحبر أو الفرشاة والألوان، وهذا ما فعله الفنان عباس في هذه اللوحة، التي أخرج كلماتها بحجم كبير وثخين الحروف في بعض أجزائها، وابتدأ بكلمة (لا) التي خطّ حرفيها متصلين مع بعضهما البعض، فحرف الألف أخرجه أولا – وكان حقه التأخير – بشكل عمودي قائم وترويسة مثلثة، ثم امتداد أُفقي صغير نحو جهة يمين اللوحة، ثم حركة اتجاهية مائلة نحو اليسار، ثم حركة اتجاهية صاعدة نحو الأعلى، ثم حركة اتجاهية أُخرى مائلة نحو يمين الكتلة وصاعدة الى الأعلى، فأنتج تعدد اتجاهات الحروف حركات ضمنية ايهامية، أسهمت في تفعيل عملية التواصل بين الكتلة والمُشاهد من خلال اثارة انفعاله البصري الايجابي بها، كما أنتجت أيضاً زاويا هندسية حادة.

    ومن باب التنويع الاثرائي لشكل الحروف تعامل مع حرف التاء من كلمة (تحزن) تعاملا فنيًا تمثّـل بإخراجه بشكل مائل يبدأ من جهة يسار الكتلة، ويكمل مساره الحركي نحو جهة اليمين، واعتمد على خاصية التكرار فكرر شكله في حروف الحاء والجزء الأول من حرفي الزاي والنون، ويلاحظ المشاهد أنّ قصدية الفنان عباس في تحقيق التشابه الشكلي الإخراجي لهذه الحروف قد ولّـد ايقاعًا شكليً من جهة، وتناسقًا وترابطًا بينها من جهة ثانية، كما أنَّ تجاورها أنتج حركة ضمنية وهمية مائلة لافتة للانتباه من جهة ثالثة، فضلا عن تمييزه لحرف الحاء بمنحه امتدادًا (تنصيلا) نازلا أطول.

   إنّ اختلاف سماكة الحروف من حيث ثخنها ورفعها يمنحها ثراءً بصريًا لافتا، ويتميّـز الخط القيرواني بحروفه الغليظة في بعض الأجزاء، ورفعها في أجزاء أُخرى، وهذا ما يلاحظه المشاهد في حرفي الزاي والنون في كلمتي (تحزن وإن)، حيث أخرج الجزء الثاني من حرف الزاي رفيعًا وممتدًا بحركة اتجاهية مائلة نحو جهة اليسار، ونازلة الى الأسفل، أمّـا الجزء الثاني من حرف النون فقد أخرجه بشكل هندسي صارم وحركة اتجاهية نازلة الى الأسفل، ثم حركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى نتج عنها زاوية حادة، وتراكب وتقاطع مع حرف النون من كلمة (إن) التي أخرجها بالأُسلوب ذاته، محققًا ايهامًا بالبُـعد الثالث وحركة ضمنية ايهامية، فضلا عن اتخاذها قاعدة ترتفع فوقها كلمة (معنا).

    وأخرج حرف الألف من كلمة (إن) برفعه مكانيًا بحيث وقع بعد حرف الألف من لفظ الجلالة، ويلاحظ المشاهد أنَّ التحريف المكاني لهذا الحرف، كان تحقيقًا لخاصية التكرار في حروف الألف واللام المتكرر من لفظ الجلالة، أمّـا من حيث الشكل فقد أخرجه بشكل عمودي صارم ومبالغ في طوله، ويبدأ بترويسة مثلثة، وينتهي بشكل قوسيّ متجه الى جهة يمين الكتلة، وهذا من خصائص شكل حرف الألف في الخط الكوفي القيرواني، فضلا عن أنَّ الجزء المقـوّس تراكب وتقاطع مع الجزء الثاني من حرفي الزاي والنون، فأنتج بذلك ايهامًا بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، ومنح شكل هذا الجزء من الكتلة ليونة خففت من صرامة مظهرها.

   يشير الرفع المكاني للفظ الجلالة الى بُـعده الدلالي من حيث التقديس والتعظيم لله سبحانه وتعالى من جهة، واتخاذه نقطة سيادة في الكتلة الخطيّـة من جهة ثانية، وجعل بقية حروف الآية الكريمة قاعدة له من جهة ثالثة، أمّـا حرف الألف فقد أخرجه بتكرار شكل الحرف نفسه في كلمة (إن)، ولكن دون مبالغة في طوله محققًا بذلك خاصية التباين بينهما، وتعامل مع حرف اللام المكرر بالشكل العمودي نفسه فأحدث ايقاعًا شكليًا، رغم التناقص الطولي الايقاعي المتسلسل لهذه الحروف من الجهة العليا، كما أنتج زاوية هندسية أيضًا، وهذا ما منح منظرها مشهدًا صارمًا يتضاد مع مشهد حرف الهاء الذي خطّـه الفنان عباس بشكل أقرب الى الدائرة غير المغلقة، لأنّـه يمتد الى الأعلى بشكل متناقص لينتهي رفيعًا ومتجاورًا مع حروف لفظ الجلالة.

    تعمل خاصية التضاد على تحقيق البُـعد الجمالي للكتلة الخطيـة وهذا ما تحقق في كلمة (معنا)، حيث أنّ حروف الميم والعين والنون من الحروف التي تأخذ شكلا أُفـقـيًا، فتضادت مع حروف الألف واللام المتكررة ذات الامتداد العمودي الصارم من جهة، والحروف النازلة عن السطر، وهي حروف الزاي والنون المتكررة من جهة مقابلة، ويلاحظ المشاهد أنَّ الفنان عباس أخرج حرف الميم بشكل يشبه القبّـة مع ميلان قليل نحو جهة اليمين، وخطَّ حرف العين بتكرار شكل حرف الميم ولكن دون ميلان محققًا تضادًا اتجاهيًا، أمّـا حرف النون فقد أخرجه بشكل هندسي صارم وزوايا حادة، وبالغ في الامتداد الطولي العمودي لحرف الألف بحيث يحيط بحرف الهاء من لفظ الجلالة من جهة اليسار. 

   إنَّ الاعجام في الخط العربي هو تنقيط الحروف، وبما أنَّ الخط الكوفي القيرواني يُـخطّ بدون نقاط فإنَّ الفنانين لجأوا الى استبدالها بشكل يشبه علامة الفتحة المائلة والصغيرة الحجم، وهذا ما التزم به الفنان عباس في هذه الكتلة، ففي حرف التاء من كلمة (تحزن) كرر شكل علامة الفتحة للدلالة على النقطتين، واختار موقعها فوق الحرف نفسه، وشغل الفراغ الواقع فوق حرف الزاي بعلامتين، الأُولى لحرف الزاي والثانية لحرف النون التي أزاحها عن مكانها الأصلي، وهو فوق الحرف نفسه؛ وذلك لأنَّ التوزيع المتوازن دون تكثيف في موضع وإقلال في موضع آخر يمنح شكل الكتلة تناسقًا بصريًا لطيفًا ومريحًا، أمّـا نقطة حرف النون في كلمة (معنا) فقد خطّـها فوق بداية الحرف نفسه، فأحدث تناسقًا لطيفًا بينهما، وخطَّ علامة حرف النون في كلمة (إن) فوق الحرف وفي جهة اليمين، فتناسقت اتجاهيًا مع حركة الحرف المائلة.

    تلعب الألوان دوراً كبيراً في إثراء مشهدية اللوحة، فالأشكال لا يمكن أن تظهر بدون لون يحددها ويجسّد دلالاتها، ولهذا وقع اختيار الفنان عباس على اللون الأصفر المتدرِّج والمتداخل مع لمسات من اللون البنيّ المحمر المتدرّج الى الدرجة الفاتحة لتلوين الكتلة الخطيّـة، فضلا عن اختياره للون الأبيض لتلوين الأجزاء العلوية للحروف، وتشير بعض الدلالات الايجابية للون الأصفر الحار الى النور والحركة والنشاط، كما تشير بعض الدلالات الايجابية للون الأبيض الى النور والنقاء والصفاء، وهي دلالات ترتبط ارتباطًا صميميًا بدلالات الجزء المخطوط من الآية الكريمة في هذه الكتلة، فأصبحت الألوان بذلك قوة جاذبة لبصر المشاهد، وأضفت إحساسًا بالحركة الضمنية الايهامية التي تولـدت من انتقال العين من لون الى آخر، وقـدّمت دليلا ملموسًا على وعي الفنان عباس وقصديته في هذه الاختيارات اللونية.

    تمثّـل الأرضية العنصر التكويني الثاني في هذه اللوحة، وكانت على شكل قطعة من الجلد الحيواني المدبوغ وغير المنتظم، ولـوّنها باللون البُنيّ المحمر المتدرّج والمتداخل، واللون البني لون حيادي يشير في بعض دلالاته الايجابية الى الاستقرار والأمان والسلام، والقيم الراسخة رسوخ الأرض؛ لأنّـه لون ترابها، لكنَّ إضافة اللون الأحمر أبرز دلالات ايجابية أُخرى هي الحيوية والقـوّة والاستمرار، وهي الدلالات ذاتها التي تشير إليها الآية الكريمة المخطوطة في هذه الكتلة، ولهذا يبدو أنَّ وعي الفنان عباس وادراكه لقيمتها الجمالية الناتجة عن الانسجام بينها وبين الدلالات، وتأثيرها البصري والنفسي على المُشاهد كان هو الداعي لاختيار هذا اللون.

   يؤدي الإطار وظيفة تحديد مساحة اللوحة، ويسهم في إبرازها ولفت نظر المشاهد إليها، ولهذا حدد الفنان عباس لوحته هذه باللون الأسود، وهو اللون نفسه الذي لوّن به الأعمدة الخشبية التي عرض عليها قطعة الجلد اللينة، وحرصَ على تظهير مناطق الضوء في القسم العلوي من هذه الأعمدة على شكل لمسات عمودية باللون الأبيض، واختار اللون الأسود فقط لقسمها الأسفل لتكون مناطق الظل، ويكشف التدقيق في شكلها عن اختلاف بيّـنٍ، فالأعمدة في جهتها العلوية اتخذت شكلا منحنيًا، أمّـا القسم السفلي منها فكان قاعدة تستند عليها قطعة الجلد، فحقق بذلك تضادًا شكليًا من جهة، وتنويعًا مظهريًا من جهة ثانية، وتقاربًا شكليًا مع الحروف العمودية من جهة ثالثة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading