لماذا أنسحب شعراء التفعيلة الحقيقيون من المشهد الأدبي؟إعداد/ علي صحن عبد العزيز

تنويه لابّد منه: أصل فكرة التحقيق للناقد الدكتور مصعب القريشي مقالة منشورة على صفحته الشخصية، أما المداخلات الواردة فهي ضمن الآراء الواردة على المقال ولقد أخذت (بتصرف) بعد أستحصال موافقته الأولية بذلك.
(المقدمة)
كان النقد سابقًا ميزان الأدب وضميره، يميّز الجيد من الرديء، ويكشف الزيف من الأصالة أما اليوم فلقد غاب الناقد الجاد وحلّ مكانه “المدّاح الصحفي” الذي يكتب بالمجاملة أو بالطلب ، وهذا الأنهيار النقدي أفسح المجال أمام كل من يكتب جملة نثرية أن يعلن نفسه “شاعرًا كبيرًا ، كما أن ظهور جيوش من كتّاب النثر وأمتلاء الصفحات الأدبية بنصوص نثرية سطحية لا تملك وزنًا ولا موسيقى شعرية ولا خيالاً شعريًا حقيقيًا وهي نصوص في حقيقتها خواطر شخصية أو منشورات فيسبوكية تمت ترقيتها قسراً إلى مرتبة “قصيدة نثر”وبهذا الدور السلبي ساهمت بعض الصحف في تضليل القارئ ودفع شعراء التفعيلة الحقيقيين إلى العزلة والصمت ولذا فأن انسحاب شعراء التفعيلة الحقيقيون الذين يعرفون الوزن والتفعيلة والموسيقى الداخلية وجدوا أنفسهم غرباء في مشهد أدبي يسيطر عليه الجهل والتطبيل وإختاروا الصمت والأبتعاد، لأن المشهد أصبح مزدحمًا بالهواة والمنتحلين وتجدهم اليوم
يتفرجون ساخرين من هذا الهذيان النثري الذي يُسمّى شعراً، ويترحمون على زمن كانت القصيدة تُكتب لتبقى، لا لتُنسى بعد يوم.
أنحدار الذوق العام
سهى الأمير : السّقوط في الفوضى حالة عامّة والمشهد الأدبي هو الوجه المكشوف لها ، وعندما ينحدر الذوق تتدهور الحياة ويسقط الجمال فريسة الأهواء.
غياب الرؤية
نزار النداوي : أتفق تمامًا حول غياب النقد الجاد وتفشّي المجاملة، وما ترتّب على ذلك من ترويجٍ للركاكة. وأرى أن الأمر لا يقتصر على كتّاب النثر والنقّاد المزيّفين فحسب، بل يشمل أيضاً أولئك الذين نصبوا أنفسهم حُرّاسًا للقصيدة العمودية، وهم لا يجيدونها أصلًا ، أما القول بموت التفعيلة بموت روّادها، أو بتوقّفها عند أسماء بعينها (وهو ما قرأتُه من ضمن ما قرأت من تعليقات المشاركين) فهو رأي ضيّق الأفق، لأن التفعيلة تطوّرت كثيراً بعدهم، وأتّسعت لتجارب أكثر نضجًا ووعيًا بالشكل والموسيقى واللغة وبلند الحيدري نفسه (وأنا أقدّر تجربته وصدقه مع ذاته ومع جمهور الشعر) أوضح في برنامج «هذا هو» على قناة العربية أن (الروّاد) كانوا في مرحلة تجريبية، وأن إخفاقاتهم كانت نتيجة غياب وضوح الرؤية أمامهم ، وهذا وحده دليل على أن الشعر ليس ملكاً لأحد، بل هو رحلة متجددة في الوعي والخلق الخلل الحقيقي في مشهد الشعر اليوم يكمن في عوامل عدّة، من أبرزها أزمة الوعي الجمالي التي تاهت بين التطبيل والجهل بين من يرفع الخواطر إلى مرتبة القصيدة، ومن ينهب التاريخ ليُثبت أنه الشاعر الأخير.
ندرة الإبداع الحقيقي
محمود عمر : شيء طبيعي أن ينحدر الشعر مع غياب النقد الأدبي الراقي والواعي بعيدًا عن المجاملات التي سادت الساحة الإبداعية الآن، وإن ندر الإبداع الحقيقي في زماننا هذا ، وفي مسار الإنحدار الحادث في كل مناحي حياتنا بداية من قمة السياسة وحتى في المعاملات اليومية بين الجميع.
الشهرة الزائفة
اسمعيل اللامي : أصبحَ ٱلنّقدُ مُحابيًا ومُتكسّبًا في نفسِ ٱلوقتِ حاشا بعضَ ٱلأقلامِ ٱلأصيلة فهو يَقومُ ٱليومَ عَلَى ٱلعَلاقاتِ ٱلشّخصية وٱلحزبيّةِ وٱلشّهرة ٱلزّائفة وٱلمال وَهناك مَنْ يكتبُ عن فلانٍ وفلانٍ بكذا مبلغ ، ناهيكَ عَنِ ٱلجنْسِ ٱللّطيف.
غياب النقد الجاد
نجلاء البحيري : أقدّر جدًا هذا الطرح العميق وقلقك المشروع على الذائقة الشعرية وغياب النقد الجاد ، لكن أسمح لي أن أوضح نقطة نحن كشعراء نثر نراها من الداخل ، قصيدة النثر ليست بالضرورة خواطر سطحية وليست تمرّدًا على الوزن بل هي شكل شعري آخر له معاييره الخاصة ومنها الموسيقى الداخليّة والإيقاع النفسي التكثيف والأقتصاد في اللغة ، والتكثيف والأنزياح والصور العميقة والدهشة الشعرية ، التاريخ نفسه يشهد أنّ كبار الشعراء كتبوا النثر دون أن يفقدوا جوهر الشعر نزار قباني كتب نصوصًا نثرية لكنها بقيت شعرًا في موسيقاها وصورها محمود درويش في الكثير من نصوصه المتأخرة أقترب من قصيدة النثر ، فالشعراء أنسي الحاج، سركون بولص، محمد الماغوط أسسوا مدرسة كاملة في الشعرية النثرية وكانوا يمتلكون أدوات أكبر من كثير من شعراء الأوزان ، إذن المشكلة ليست في قصيدة النثر المشكلة في من يكتب بلا أدوات وفي من يصفّق لهم بلا وعي مثلما ظهر الشعر الحر في زمنٍ ما وأتُّهم بأنه فوضى تظهر قصيدة النثر اليوم لماذا أنسحب شعراء التفعيلة الحقيقيون من المشهد الأدبي؟
سهولة النشر
بثينة هرماسي : بالحقيقة التراجع الذي تتحدث عنه أصاب قصيدة التفعيلة كما أصاب قصيدة النثر، لأن المشكلة لم تكن يوماً في الشكل، بل في المضمون، في الروح الشاعرة التي باتت غائبة عن كثير مما يُكتب اليوم تحت أي لافتة ، نحن نعيش زمنًا باتت السهولة تُنشر، والعمق يُهمل ، الأدب اليوم في أيدي جمهور واسع من المتابعين على المنصات، لا في أيدي النقّاد والقرّاء الواعين كما كان من قبل ، وأصبح النجاح يُقاس بعدد الإعجابات لا بمدى الإبداع ، وبهذا تحوّلت الكتابة الشعرية من تفعيلةٍ كانت أو نثرًا إلى عرضٍ سريع في سوقٍ يستهلك ثم يركن على الرف ، وما تراه من “انهيار الذائقة” لا يعود إلى قصيدة النثر في ذاتها، بل إلى غياب الحسّ الفني الذي كان يميز الشاعر الحقيقي عن الكاتب العابر ،فالقصيدة أيّاً كان شكلها إن فقدت صورتها الشعرية، ولغتها المتوهّجة، وإيقاعها الداخلي، سقطت إلى النثر العادي حتى لو كانت موزونة ومقفاة ، أما عن قصيدة النثر تحديدًا، فهي ليست كتابة سهلة كما يُظن، بل كتابة دقيقة تتطلّب إيقاعًا داخليًا خفيًا لا يتنبّه له إلاّ القارئ اليقظ ، فالشاعر فيها لا يستند إلى وزنٍ ظاهري، بل إلى موسيقى تنبع من تركيب الجملة ومن النَفَس الشعري ذاته، لذلك، فإنّ من يستهين بها أو يكتبها أستسهالاً، يسقط سريعًا في النثر المسطح، تمامًا كما يسقط من يكتب التفعيلة بلا خيال ولا صور فالمشكلة ليست في قصيدة النثر ولا في التفعيلة، بل في من يكتب دون وعيٍ شعريّ أو جهدٍ فنيّ ، وما نحتاجه اليوم ليس أن نحاكم الأشكال، بل أن نستعيد جوهر الشعر نفسه: الصورة، اللغة، النغمة، والدهشة ، فكما قلتَ بحق: الحداثة ليست فوضى، ولكنها أيضًا ليست وصاية على شكلٍ دون آخر.





