لستَ ملزما بشيء، همس لنفسه.. كررها بصوت أعلى قليلا ليسمعها كمن يريد أن يؤكد لنفسه أنه مقتنعٌ بما قال… لا أسمع، لا أرى، لا أتكلّم، اتخذ قراره هذا بعد أن أدرك أن تلك هي أفضل طريقة لنسيان امرأة أهانته بتجاهلها.. وأمعنت في إهانته بتصنع الود.
في المقعد المقابل جلس رجل خمسيني، ملامح محايدة.. وحركة بطيئة، هادئة ومتزنة.. تحرّك القطار، ابتسم لجاره الجالس قبالته، انتابته مشاعر دافئة كما كل مرة يسافر في القطارات السريعة، يحجز مقعدا قرب النافذة، يحب مشاهدة اخضرار الحقول، إحساس غامر بالحنين إلى رائحة تراب الغابات والمراعي يأخذه في ما يشبه الحلم إلى طفولة يشتاقها.
ارتاح في مقعده، أغمض عينيه فرآها.. لماذا تبدو الآن مختلفة؟؟ حين رآها أول مرة أحس أعماقه تضاء وتضيء ما حولها، وحين ابتسمت كان كل ما في أعماقه من ظلام قد اندثر وبدت الحياة أكثر جمالا وغمره إحساس بأنه محاطٌ بالأمل وبالفرح، وحدّث نفسه في نشوة… يكفينا أن نحب امرأة لنلمس الأمل بأيدينا وتعانقنا الحياة.. تذكّر أنّه همس لنفسه دون وعي بعد ثالث لقاءاتهما في نزل صغير على شاطئ بحر مدينة طفولته سوسة، كان مأخوذا بحضورها ويخفي دهشة أن يكون الجمال قاسيا وحنونا وساحرا مرّة واحدة.. سمع نفسه تهمس له ،ستقتلك، لكنه لم يعر اهتماما لهمسة شاذة، شاردة، وحين انتبه قال لنفسه بصوت مسموع سيقتلني جمالها، يا ريت… في طريق عودته بعد اللقاء غمره إحساس بالرغبة في الكتابة.. “هناك أناس نكتشف من خلالهم أجمل ما فينا هناك علاقات وصداقات تضيئنا وتشفي أعماقنا من رواسب ماضينا وتعطر حاضرنا.. تُطَهّر أمسنا وتعطر يومنا، صداقات وعلاقات تغيرنا إلى الأبد…. نصبح بفضلها النسخة الأفضل والأجمل من ذواتنا ونكتشف فجأة أن للحياة طعما آخر، لذّة نكتشفها للمرة الأولى.. ضحكة نحسها للمرة الأولى… ودمعة لا علاقة لها بالحزن”… قرأ ما كتب باستغراب كأنّ لا وعيه كان يملي عليه ويصف ما لم يستطع هو إدراكه أو شرحه لنفسه.
انتبه إلى كتاب بيد جاره في المقعد المقابل انتظر فرصة تسنح لقراءة العنوان “الحب: وجهة نظر شعرية” ابتسم ساخرا في سره واشتعل رأسه بأفكار وأحاسيس لم يدرك لها معنى… نظر إلى ساعته، ساعتان ويصل إلى محطته..
تذكر أنّها في بداية تعارفهما حيث كانت العلاقة نَدِيّةً دافئة فائضة بالوعود (هل كان يحلم؟ أم يخدع نفسه) أخبرته أنها تعشق الثعابين والأفاعي والعقارب، صُعقَ.. قالت لو سمحت الظروف كنت سأربيهم.. هل كانت تلمّح لشيء ما، لما حدث له معها بعد أعوام من علاقة ظنها خاصة وصلبة؟ هل كان عليه أن يستقرأ الأيام، أن ينظر خلف سحر تلك النظرة وجاذبية الحضور ليرى ما لا يرى بالعين، أم أن بصيرته أعماها الجمالُ ككل مرّة؟
“حاول تفتكرني” أحس بحرج فرنّة هاتفه كانت مرتفعة، نظر إلى جاره الإنجليزي في المقعد المقابل.. ابتسم له الجار بود فزال الحرج، فكّر في تغيير رنة الهاتف التي رافقته لسنوات رغم عشقه لأغنية عبد الحليم ول”حاول تفتكرني” بشكل خاص فالذكريات ما عادت تضيء الحاضر بجمال الماضي.. الذكريات زمن ميّت وحنين مَرَضِي لا فائدة منه، قَيْدٌ يشدنا إلى الوراء بسلاسل الزمن.
منذ أقل من أسبوع، بعد أن وصله صوتها واضحا وموقفها لا مواربة فيه رغم محاولة يائسة للمجاملة، اتخذ قراره.. قال لنفسه الصداقات، الحب، الألفة، المشاعر لا تُستجدى، تقتحمك فجأة أوقد تهيمن عليك ببطء، حتى تستعبدك، تقضي آلاف الساعات في محاولة أن تكون جديرا بأن تحيا سعيدا، جديرا بأن تُحِبّ وتُحَب، ترتوي وتُروي لتكتشف أنك تسبح في الرمل، في صحراء بلا ماء ومليئة بالثعابين… فتح الكمبيوتر ألغى كل تواصل معها، ومع مرور وقت قصير يومين أو ثلاثة لم يعد يفكر فيها أو في تفاصيل حياتها اليومية، حتى ذلك الصوت الداخلي الذي كان يردّد اسمها بلا انقطاع والذي لم يخفت لحظة أصبح يُحرّض عليها وضدها.. كلما لامست مشاعره ذكرى من ذكرياتهما الجميلة يقنعه الصوت نفسه أن الكرامة أهم من المشاعر، أعلى وأسمى.. وأنّه يرفض أن يكون جسرا تدوسه وتمر عليه لتعبر إلى أحلامها أو تشبع غرورا أنثويا مُقنّعا… لا أرى لا أسمع لا أتكلّم.. منع نفسه من كل أنواع التواصل معها حتى في خياله، لا يراها لا يسمع منها أو عنها ولا يكلّمها حتى يستعيد نفسه من بين براثنها، وكم كان سعيدا حين نجح في ذلك بسرعة غير متوقعة ورغم أنه لم يعترف لنفسه صراحة أن غضبه لأجل كرامته هو ما فتح عينيه على حقيقتها وأدى تباعا إلى نجاحه في غسل دمه وخلاياه منها، أحس براحة، تنهد، بعمق أشعل سيجارة وهو يردد في راحة، لا أرى لا اسمع لا أتكلّم…
ولأنه لا يرى لا يسمع لا يتكلم عاد إليه صفاؤه وعاد إليه وضوح الرؤية.
انتبه إلى ضجة في عربة القطار، كأنه يفيق من غيبوبة أو من حلم صحو.. جلبة نزول وصعود بعض المسافرين في محطة فرعية.. نظر من النافذة.. فتاة بملابس خفيفة تدخن بمتعة قبل أن ترمي عقب السيجارة في اتجاهه وقد رأته يراقبها بشراهة جنسية.. نظر إلى عقب السيجارة على الأرض، ابتسم بمرارة.. كانت تحتاجني كما يحتاج مدمن سيجارة…دخنتني ثم رمتني، كلماتها الأخيرة كانت واضحة (عجبك وإلا طير قرنك)*… باعتني بلا ثمن.
تحرّك القطار من جديد.. في لحظة ضعف شاذة حاول أن يجد لها أعذارا.. أنا من رسمتها في خيالي امرأة من ورق الورد وعطره وزَيّنْتها بالمُثُلِ والأحلام.. آمنت بها حد العبادة فلم أر امرأة غيرها.. رأيتها في كل جمال وفي كل ضحكة وفي كل ابتسامة وكانت أمل كل شيء.. امرأة من حلم وليست امرأة من واقع… والأصل أنّها ككل النساء من لحم ودم، من واقع مليء بالمتناقضات، تختزل كل طباع الأنثى.. هي أنثى أخرى لا أكثر ولا أقل.
وصل القطار إلى محطته الأخيرة.
*كان عجبك وإلّا طيّر قرنك: باللهجة التونسية: إذا لم تكن راضٍ غادر