النثر الفني

فلسطين تطل من المرآة – رياض الشرايطي

17 486

في المرآة، تنظر فلسطين إلى نفسها،

ترى مدن تقف على ساق واحدة،

رئة معلّقة في الفراغ،

بحرا يتدحرج على سلالم الهواء،

وشمسا تعاد خياطتها كلّ صباح من حطام المنارات ..

في زقاق ضيّق، يقلّب طفل صفحة السّماء

يجد غرابا يلوك ضوء أخضر

وحقلا ينزف سنابل من دمّ

وبيتا ينام على ظهره كحلم مغدور

يردّد ذاكرته في آخر النّشيد ..

فلسطين تحيك “غنبازا” من شظايا القمر

تطرّزه بأسماء ماتت واقفة

تبعث برسالة إلى قنبلة لم تنفجر بعد:

“إذا أتيت، تعالي بلطف،

البيت مليء بالأطفال النائمين في صدور آبائهم”…

في غزّة،

تسير السّماءُ على عكّازين

تتعثّر بحبل الغسيل المعلّق بين كفّي شهيد،

تسقط منه غيمة

نصفها نار ونصفها خبز مفقود

يأكل النّازحين دخانها

وينامون على طرقات مجروفة ..

في نابلس،

يربّي اللّيل ذئبا في حضنه

يرضعه أغاني قديمة

عن الشهداء والأمّهات

ثمّ يطلقه في الشّوارع

يعوي بالسّكاكين

في لحم الجنود

كأنّه أنفاس الجبل الأخيرة ..

في الخليل

ينبت الزّجاج من عيون الحجارة

تمشي البيوت بلا أبواب

تسير الدروب بلا نهايات

والأرصفة تصطفّ انتظارا

لعودة أقدام أُحرقت في الفجر ..

في يافا،

يجلس البحرُ على رصيف قديم

يقلّب صور العائدين الذين لم يصلوا

يحصي أسماء السّفن التي غرقت في الموانئ الممنوعة

ثمّ يعيد رسم الموج كأنّه طائر منسيّ في قفص ..

في اللّد

تتجوّل الأشجار بين البيوتِ المهجورة

تحمل على أغصانها صوت المؤذّن الاخير

تربّت على حيطان المسجدِ العاري،

ثمّ تمضي كأنّها ظلّ لذكرى لا تموت ..

في صفد ،

تلملم الرّيح ثوبها من أسلاك الحدود

تحمل في جيوبها قصائد لم تكتب

وتطرق برأسها قليلا

حتّى تخرج من الحكاية بلاد بكاء ..

في عكّا،

يربط البحر لسانه بحبل المراكب،

يدخّن غليونا مصنوعا من حطام السفن،

ويحكي للنوارس عن زمن كان فيه الملح حرّا

والشمس لا تخشى الوقوف طويلا على الأسوار ..

في بيت لحم،

يعيد المسيح ترتيب صليبه

يمسح عن جبينه غبار الزّمن

يطرق باب المغارة القديمة

فيفتح له الصّدى الباب وحيدا ..

في جنين،

تنبت البنادق مثل زهرِ اللّيمون

تتدلّى من الشرفات كأنّها أغصان زيتون متمرّدة

وتنتظر أن ينهي المساء صلاته

كي تطلق الصّباح من فوهاتها ..

في طولكرم،

تمضي الحقول وحيدة نحو الأفق،

تتبع ظلّها الممدود على الأسلاك

تقطف من الهواء عناقيد الصّمت

وتزرع في اللّيل حقلا من الأمل المسروق ..

في قلقيلية،

تنام الشّوارع في قفص من جدران

يحلم الأطفال بسلالم تصل إلى الغيوم

لكنّ انياب الأسلاك الشائكة

تأكل أحلامهم

فتنزف المدينة غبارا من أجنحة مقصوصة ..

في طبرية،

يطفو القمر مثل مركب قديم

يبحث عن مَن يعيد ترتيب موجه

ويعيد إليه أسماء الذين غرقوا واقفين

و يرمّم وجوه العابرين بالنسيان ..

في حيفا،

يرتدي البحر قميصا من رماد،

يغنّي لأزقّة لم تعد تعرف جلدها

ويحفر على الشّاطئ عرق العائدين

و ميناء مغلق بوجه رياح غريبة ..

في الرملة،

تتسلّق الحكايات اكتاف البيوت المغلقة،

تدقّ على النوافذ بأصابع الهواء،

الدّاخل مليء بصمت

لا يريد أنْ يجيب ..

في بيسان،

تركض الجداول بين أشجار التيّن

تحمل في مياهها أصوات مَن مرّوا،

و المدينة تنظر خلفها

فالأرض تعرف أنّ كلّ الطّرق السرّية

مفتوحة في ذاكرة باب التّراب ..

في أريحا،

ينهض الصّباح بطيئا مثل حلم قديم،

يمسك النّخيل بأعمدة النّسيم،

ويهزّ الأرض كي تستيقظ الينابيع

و تعيد ترتيب الطّوفان على مهل

من جديد ..

في رفح،

يتدلّى النهار من حبال الشّمس،

تلتقطه الأمّهات بعيونهنّ الذّابلة

تطعمنه للأطفال كسكرة انتظار

و يرسمن على الجدران أبوابا مفتوحة على الغد ..

في سلفيت،

يخيط القمر رداء للسّماء

تطرّزه النّجوم بحروف الشّهداء

وكلّما مرّت غيمة سوداء،

تغسله بالضياء كي يبقى ناصعا كالحنين ..

في دير ياسين،

يجلس الموت على مقعد الحديقة

يحصي أسماء الذينَ غادروا ولم يعودوا،

شجرة اللّوز ترفض الإنحناء

وتزهر رغم أنف الرّيح والمجزرة ..

في القدس،

تنحني الجدران كي تهمس للأرض،

تحكي لها عن الحروب القديمة،

عن أقدام الذين مشوا ولم يصلوا،

وعن مدينة تنام بعين واحدة،

تراقب السّماء لئلا تسرق ..

في بيت جالا،

يمرّر النسيم أصابعه بين أغصان الكرمة،

يسرّح شعر الحقول برفق،

ويخبّئ في عيون العصافير رسالة

لم يستطع البريد حملها إلى الغائبين ..

في دورا،

تصلّي الجبال بصوت النّحيب

تمشي فوق الحصى كراهب قديم،

تضمّ في صدرها أسماء المقاتلين،

وتخفي في نفق سرّيّ راية لم تنكّس ابدا ..

في البيرة،

يقف الفجر عند ناصية المقهى،

يتلصّص على حديث العائدين،

يستمع إلى حكايات القتل و الحصار،

يشرب قهوته على مهل،

كي لا يزعج الأشجار

حارسة أبواب الوطن ..

في كفر قاسم،

يزهر الدّمُ على الإسفلت،

تفتح الشّوارع ذراعيها للعائدين،

لكنّ الظلّ وحده يعبر،

يلقي التّحية على التّراب الناطق بالشهداء،

ويعود إلى صمت المقابر ..

في المجدل،

تقف السنابل على أطراف أصابعها،

تنظر نحو البحر المخبّأ خلف الأسلاك،

ترفع رأسها قليلا،

تنتظر أن يعيد الموج مفتاح البيت.

في عسقلان،

يتمشّى الوقت بين الأزقة كسائح غريب،

يبحث عن الشرفات التي أطفئت أنوارها،

يضع أذنه على حجارة السّوق القديم،

لكنّه لا يسمع سوى أصوات الخطوات الرّاحلة.

في إمجِدِل،

تتوضّأ الأشجار برائحة التّراب،

تتّجه نحو الشّمس كمصليّة عتيقة،

تتلو أسماء الذين مرّوا،

ثمَّ ترفع أغصانها للفضاء كي يحمل نحيبها ..

في بيت ساحور،

يضع الراعي عصاه فوق كتفه،

ينظر نحو التّلال الممتلئة بالانتظار،

يغمض عينيه على مشهد لا يتغيّر،

ويهمس للنّاي بأنّ القطيع لم يعد كاملا ..

في الناصره،

يفتح المساء شبّاك السّماء،

يطلّ منها المسيح بحزن،

يبحث عن وجه أمّه بين الوجوه،

فلا يرى سوى ظلّها،

ينحت في الهواء شكل الوطن مصلوبا.

في سخنين،

تمشي القبور في شوارع المدينة،

تبحث عن أصحابها الذين لم يعودوا،

تقرع الأبواب بحذر،

فتاتي الأجوبة من الرّيح،

محمّلة برائحة الأمل المحروق ..

في أم الفحم،

تتدلّى الشمس من سقف السّماء كقنديل منهك،

يضيء الوجوه التي تعلّمت أن لا تنام،

يرسم على الجدران ظلالا لم تمح

كأنّ كلّ بيت يحمل في صدره مرآة للغائبين ..

في الطيبة،

تحفر الكلمات أنفاقا في الحجر

تتسلّل عبر الشّوارع الخلفية

كأشباح الأغاني القديمة

تغفو فوق العتبات المكسورة،

و تنهض فجأة 

استعدادا لجولة أخرى من الصّمود.

في النّقب،

يرقص الرّمل على إيقاعِ “الدّبكة”

يرسم على الكثبان خريطة للمنفى،

و يترك عند الأطراف فجوة

ربّما تعود القوافل ذات يوم ..

في دالية الكرمل،

يتمشّى الضّباب بين الدّوالي

يقرأ على الصخور 

تواريخ ميلاد الرّاحلين،

ثمّ يكمل رحلته إلى المدى،

حاملا معه حكاية لم يكتب لها أنْ تنتهي ..

في جبل المكبر،

ينظر الصخر إلى المدينة البعيدة،

يمسح بيده الغبار عن الذّاكرة،

ويوشوش للطريق:

“لن تكوني وحدك،

ما دام الجرح يفتح فمه ليحكي.” ..

في دير البلح،

تنحني النخيل نحو الأرض،

تحكي للتّراب قصص المقاتلين،

تهزّ سعفها كأنّها تحيّي العابرين،

ثمَّ تعود إلى وقفتها

شامخة رغم كلّ الأعاصير ..

في المجدل عسقلان،

تحمل الرّياح رائحة الرّغيف العتيق

تدور حول الحواري

كما لو أنّها تبحث عن باب،

تدفع بأصابعها أبواب الزّمان،

لكنّ الصدى وحده يفتح لها ..

في كفر ياسيف،

تعيد الطرقات ترتيب خطوات الغائبين،

ترسم على التّراب أشكالا تشبه الذّاكرة،

وتترك على الحوافّ نافذة مفتوحة،

لصوت قد يأتي محمّل بالبشرى ..

في مسعدة،

يطلّ الشّفق على التلال المحتلّة،

يغمض عينا ويفتح الأخرى،

يخشى أن يرى الحقيقة كاملة،

فيترك نصف الحلم للنائمين،

ونصفه الآخر للذين لا ينامون ..

في قيسارية،

تبحر المدينة في حلم بعيد،

تقف الأطلال على الشاطئ كحرّاس ذاكرة،

تنظر إلى البحر وتسأل:

“هل أرجعت إليّ الذين أخذوك إليهم؟” ..

في الخليل،

يمسك الحرم الإبراهيميّ بثوبه المثقوب،

يخبّئ في طيّاته أنين احجار الارصفة،

و الأسواق لا تزال تفتح ذراعيها،

تمسح الغبار عن أعمدة الحنين.

في طوباس،

تنبت السّنابل من تحت الأحذية الثّقيلة،

تشقّ الأرض كما يشقّ الحلم المنفى،

ترسل للنّجوم إشارات سرّية،

كي تمطر ذات يوم مفاتيح العودة …

في فلسطين، يقشّر المساءُ جلده،

ينظر إلى نفسه في ماء الحوضِ المهدوم،

يرى وجوها تحلّق كالفراشات فوق الجدران

ويرى حجارة تتكئ على نبض العائدين ..

فلسطين تمدّ يدها إلى اللّيل

تنتشل منه ضوء منقّطا بالدّخان

تضعه في جيبها كبرتقالة سرّية

وتضحك من سذاجة النسيان ..

في فلسطين، يقشّر المساء جلده،

ينظر إلى نفسه في ماء الحوض المهدوم،

يرى وجوها تحلّق كالفراشات فوق الجدران

ويرى حجارة تتكئ على نبض العائدين ..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading