القصة القصيرة

عمي .. والفؤادِ عليل – علي حداد

رجل مسن يرتدي نظارات ويبتسم بلطف، يجلس في غرفة مريحة.

الامة التي تعيش وحيدة مثل يتيمة ..

هي تلك التي خانها …..

الابناء

أحب ركوب البحر.. كسمكة..

والصعود الى السماء.. كطير

لكني لا أحب العيش على

الأرض .. كأبي الجعل..

1

لم يكن كأي عم عرفتموه.. هو أعجوبة الأعمام.. وأعجوبة الزمان.. كان بديناً.. مترهلاً.. بعينين جاحظتين.. وبرأس كبير.. ويدين سمينتين.. صغيرتين.. طريتين.. تنتهي بأصابع قصيرة.. وكان قد تولى تربيتي بعد وفاة أبي.. والذي سبقته أمي بسنين.. لم أكن أميل الى الكتابة عن نفسي وخواطري.. ومشاعري.. لكنه أجبرني على ذلك.. فرحت أعاند.. وأصر على فضحه.. ونشر هذه القصة.. وليس ذلك حسب، إنما راودتني رغبة قاتلة بأن أحولها الى (كصيد) حتى يتسنى للسادة البدو الرحل.. الاطلاع عليها، فعمي حالة انسانية قميئة أجد من الضروري أن تفضح نواياها .. ومآربها.. ومعاقل فكرها.. ومتاهاته.

وعلى الرغم من جهلي التام بالكتابة.. ودروبها.. ودهاليزها.. ومأزقها الكبير.. الذي يحرجك بين العارفين.. ويطريك حد الخجل الجاهلون لمعالم وحيثيات هذا الفن المقدس.. الرفيع.. وهناك من الكتاب (كما عرفت مؤخراً) من صنع العار بيديه – وهو باعتقاده يصيغ لنفسه درجات المجد والخلود – أما أنا فلست من هؤلاء.. وهؤلاء.. أنا أخترت الكتابة عن عمي لأنه الوحيد الذي له اليد الطولى في تحطيم شخصيتي.. والنيل منها.. كما عرفت.. وأيقنت من ذلك.. في نهاية المطاف..

– 2-

ذات مساء صيفي حار ورطب.. رحت أفكر بنفسي وما آلت اليه من مصير مجهول وصعب خاصة وأنا أحمل مفاهيم وقيم خاطئة أودعها في ذاتي وعقلي.. عمي.. فأوجع بذلك فؤادي. ورأسي.. وإذا بالباب يفتح على مصراعيه:

– لماذا لا تطرقين الباب.

– اسرار.. ألديك أسرار لا أعرفها؟

كلهم يبحثون عن الحقيقة.. وكأنني شخص مزيف تماماً.. أخبرتني انه ينتظرني.. نهضت بتثاقل.. أجر نفسي جراً.. ثم رأيته يبتسم ابتسامة عريضة ويضرب على ركبتيه بيديه السمينتين الصغيرتين:

– ها.. ماذا كنت تفعل في مخبئك؟

أنه أبداً لا يقبل أن يقول في (عرينك) .. ربما لإحساسه السخيف بأن لا أسود هناك غيره:

– كنت أفكر بكتابة رسالة الى صديق دهست زوجته بعربة وتحطمت جمجمتها.. المسكينة!

رفع حاجبيه.. وفتح فمه على سعته ومط شفتيه وسرح بذهنه.. ثم ضحك بانفعال قائلا:

– هذا موت لا يليق بالنساء، رجل ممكن.. امرأة مسكينة تتحطم جمجمتها.. هذه الصورة الخيالية .. تحتاج الى الكثير من التمحيص!!

ها هو ذا يشك.. ويطعن قلبي من جديد.. وهو ما زال يتحدث عن الكذب.. مرات كثيرة أعدت اعتباري الى حيث يجب أن يكون، ومرة واحدة ثرت في وجهه كأي عبد مل وسئم من عبوديته.. لكنه كان يستخدم كلمات ضخمة جداً.. مثلاً:

– أنت تحتل مساحة كبيرة من زمني..

أو

– أن حبك يجري في عروقي كالسيل.. الذي لا أستطيع أن أوقفه.. لذا أريدك أن تخبرني الحقيقة وأن تتحدث بشكل جميل.. ولطيف.. ونقي!!

كنت أحدق فيه.. ماذا يريد مني.. ايريد ان يصنع مني دمية يعلقها في مرآة عربته.. يريد ان يشنقني .. بلا موت!

– 3-

كانت حياتي تضج بعمي.. فهو لم يدعني لشأني ابداً.. وهو يملؤني بهواتفه.. ووجوده.. ورسائله السخيفة والتي عرج فيها على عيني

( يا أبن أخي.. لا تهتم ولا تتألم.. حين تسمع من أحدهم وهو يصيح ” أعور” فأنت مخطأ يا أبن أخي لأنك أعور بالضرورة).

انه في لحظة تمردي يحاول ان يذكرني بها.. ليضعفني.. أو ليهزني من الأعماق.. وربما أتاح الوقت لواحد منكم أن يسأل..

هل من المعقول.. أن يثير عمك كل هذه الضجة في حياتك..

نعم وسأضرب لكم مثلاً:

ذات ظهيرة جاءني على عجل و اصطحبني الى شارع الشيخ عمر.. وفي زحمة الطريق دفع بصبي أسمر يملأ المخاط أنفه وأزاحه عن طريقه، ثم دخلنا الى معمل (الرايمر) وراح يخاطب صاحب المعمل بصوت عال كانت الضجة في المعمل على اوجها. الاثنان كانا يتكلمان بصوت مرتفع.. وأحياناً كانا يجبران على وضع الكلمات في الأذن مباشرة.. وكذلك كان يفعل بقية العمال.. وعلى حين فجأة.. وحين اطفأ صاحب المعمل مروحة صغيرة سوداء ملطخة بالدهون .. ران على الجو هدوء عجيب.. حتى انني بقيت مأخوذاً.. هل من المعقول أن تثير هذه المروحة القذرة السوداء كل هذه الضجة؟

كذلك كان عمي.. أرجوكم صدقوني!

وحين خرجنا من المعمل فوجئنا بالصبي الأسمر وقد نظف أنفه من المخاط وكان يبكي وبيده كان يشد على حجارة.. فذهب يتوعدنا والشرر يتطاير من تلكما الحصاتين اللتين كان يرى بهما:

– أولاد الكلب..

لقد أفقدنا هيبتنا.. واتزاننا.. ولا أعتقد أن هناك مسلمين أهينا وطعنا في شخصيتيهما مثلما فعل بنا هذا الصبي.. اذ جعلنا نختبئ وراء أعمدة الأبنية الكبيرة وكذلك أعمدة الشارع.

فقد كنا أعزلين كما تعرفون

– 4-

كان الرجل يشارف على الغرق.. قلت لزوجتي مذهولاً مصعوقاً:

– لنحاول انقاذه في الأقل..

– لا تتدخل فيما لا يعنيك يا رجل..

ها هي تردد كلماته .. كببغاء.. كبومة.. ها هي ذي تطبق.. قيمه.. ومبادئه.. اللا اخلاقية مرة اخرى.. فأموت على قارعة الطريق.. لكني ما زلت أمشي معها.. ومعهم .. كميت. أحسست نفسي وكأنني متوحش.. دراكولا بيد واحدة.. وعين واحدة.. وكان الصلع يدب في رأسي.. والشيب في لحيتي وشاربي.. ومشاعري.

-5-

ذات يوم دعاني الى حفل، وفي الحديقة الكبيرة الغناء قدم لنا الخدم أفضل الفواكه، وأشكالاً من الطعام.. وقد أسر مجموعة فخمة من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال وجعل يحدثهم عن جبال الألب:

– أتعرفون أن جبال الألب مكتشفها رجل من مصر العربية.

– عجيب؟

– نعم جبال القلب، لكنهم يلفظونه الألب.. الألب يعشق كل كميل..كما تقول السيدة ام كلثوم….

وهكذا تموت كل الأساطير والحقائق والأوهام.

بعد ذلك راح يحدثهم عن أبو الجعل.. لقد اكتشفت ان أحداً لم يوجه لنا دعوة حضور هذا الحفل .. فقد مر بنا صاحب الحديقة الغناء ونظر الى مجموعة عمي بشزر تماماً كمن يقول:

– ما الذي جاء بهذا العفن القميء؟

وكان عمي يحاول أن يسيطر عليهم بعد أن دب فيهم الملل واليأس عدا صاحب (عجيب) الذي بقي مشدوداً الى عمي بخيط واهن ضعيف كخيط عنكبوت.

-6 –

في ليلة غبراء أرسل يطلبني لأمر.. رأيته يجلس منتفخ الأوداج يكاد ينفجر، مثل بالوعة توشك ان تغرق سكان البيت.. وما أن رآني حتى صاح:

– أجلس.

كانت زوجته البدينة قد رحبت بي وبطريقة مبالغ فيها.. على حين سمعته يطلق آهة طويلة ملوثة:

– أرجوك أن تنظر الى رقبة عمتك.. أنظرها فقط.

ففعلت ثم أردف بسرعة:

– وأنظر بإمعان الى باطن كفها.

وكانت أنثى البالوعة قد كشفت لي عن باطن كفها بسذاجة .. وبلا حياء.. ثم استرسل مبتسماً:

– ارأيت كم هي أصيلة؟

– نعم.

– الفرس العربية أصيلة.. أتدري لماذا؟

– أدري..!

– لأنها اولاً تحمي فارسها حين يشتد وطيس المعركة ويسقط ارضاً.. وثانياً لأنها في الليل تنبئ عن العدو.

– اخبرتني أنها تصهل لتبشر بقدوم ضيف.

– ضيف.. عدو.. لا فرق.. المهم

وبدأت اتثاءب لا مفر من جحيم أبو الجعل.. أو جحيم هنري باربوس لا مناص.. ففكرت للحظة ان أعضه من لوزتيه.. لكن اولاً كانت ملابسي ستصطبغ بلون دمه الأسود.. وثانياً ان العض ليس من شيمة الرجال.

– 7-

وحين أعود الى البيت متعباً خائر القوى.. أجد عمي على مقربة مني يأكل ويشرب وينام.. ويعطس .. معي.. فأبنته التي (زوجناكها) بقوة السلاح.. تشبهه الى حد بعيد لكنها بلا شارب، وهناك فروق بسيطة لا يعد لذكرها اهمية فهي لا ترتدي (البنطلون) بعد ان كانت قد سمعت الكثير من التعليقات حول العربات.. على كل حال، لذلك كله تراني لا أجد فرقاً كبيراً.. بينها.. وبينه.. وربما كنت الوحيد في هذا العالم، بل وفي هذه الكواكب السيارة.. الذي يعاني من رباط الزوجية المقدس هذا.. وعلى سنة الله ورسوله..وأحياناً أندب حظي وأبكي منزوياً بعيداً عن الأنظار كفأرة وقعت بين مخالب هر أسود يتلظى من الجوع، ولأول مرة في التاريخ ايضاً.. يحدث لكائن حي أن يتمنى ومن الأعماق .. أن يكون يتيماً، يتيم العم والعمة والخال والخالة، يتيماً بهذا المعنى من الصديق والعدو.. من شرطي المرور ومن الموظفين والموظفات والمراجعين والمراجعات.. وحيداً، مواطناً بلا وطن، لا أحد يفتح عليه الباب ولا أحد يسأله عن الوقت.. مثل آدم في أول الخلق.. بلا حواء.. وأنا أعتقد أن ابنة عمي لو كانت زوجته.. ما كانت هناك بشرية إذن..

– 8-

لكني غبي ولعين.. حين استمعت الى عمي وهو يحدثني عن الإنسان حين ينام وحده طول العمر..و حين يعتاش على طعام السوق.. وعن الإنسان عندما يغسل ملابسه بيديه.. وينظف غرفته بيديه.. قال أن هذه الممارسات اليومية هي ممارسات حيوانية.. وخنزيرية.. هكذا يريد لنا الغرب أن نكون.. أن نصير حيوانات بلا انتماء..

وبما انني انسان متحضر ولأثبت ذلك في رأسي ورؤوس الآخرين خضت هذه التجربة البربرية.. لكني على يقين كبير من انها كبوة حصان أصيل..

– 9-

منتصف شهر تموز.. منتصف النهار.. وإذا تسنى لك ورأيت رجلاً أصلع تحرقه شمس تموز.. وينظر الى العالم بعين واحدة.. ويقف منتصف ساحة الطيران.. فمن رأيت هو أنا.. أنا أعيش الآن حراً وسعيداً أغسل ملابسي بنفسي.. وآكل الفلافل.. وأنام وحيداً.. أتقلب في الفراش كسمكة في البحر.. اتقلب في الفراش كطير في السماء.. لقد طلقت عمي وزوجته.. وابنته، ولم أعد أرى عالمه وصاحب (عجيب) المبهور بأحاديثه.. هذا البوق كسرته أيضاً.. وفي المحكمة نظرت الى رقبة عمتي وباطن كفها فراعني ما رأيت من هجينيةَ!!

وقعت على ورقة الطلاق بيدي اليسرى وبقوة واصرار.. تسلمت القرار بيدي الوحيدة.. لأني كنت كريم اليد كما كان يقول عمي جدوع وهو يحدث عمتي نعيمة وابنته شكيبة.. عن يدي المقطوعة.. وعن المفاهيم والقيم المقطوعة.. التي تفسد .. الروح .. فالقلب..

فالشارع….فالقرية….فالمدينة….

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading