القصة القصيرة

طيبة فاهم ابراهيم – معلمة المصارعة…

20504 56203340a6e0c354c57b7b665fc25e32

في عالم المصارعة تجري غرائب لا قبل لاحد خارج حلبات النساء وعوالمهن ادراكها، فهي دنيا قائمة بذاتها يصعب تخيلها الا من عشن أحداثها التي تصل حد الغرابة في كثير من الاحيان.
جمعتنا مدرسة اعدادية واحدة، كانت ثريا التي تسبقنا بمرحلتين تمارس رياضة المصارعة وتنغمس فيها حد الغرق، ولا يمكن لفتاة مباراتها والصمود او مجرد المزاح معها، فقد حباها الله طولا جميلا وجسدا قويا وبراعة وسرعة جعلها من اول مصارعات العراق اللواتي يمكن ان يمثلن العراق ويحصدن نتائج طيبة.
عند يوم الاحتفاء بعيد المرأة، تبسمت مديرة المدرسة وهي تعلن عن مفاجأة كبرى، نادرة وفريدة من نوعها، الا وهو نزال بين البطلة ثريا ومعلمة الرياضة الست آلاء..
كان هذا الاعلان بمثابة قنبلة ألقيت علينا، اذ لم يحدث من قبل ان صارعت طالبه معلمة ولو على سبيل الطرافة ، ولم يحدث أي تحدّ من هذا النوع، ولا نعلم ما موقف المعلمة لو صرعتها تلميذتها، وبتنا في حيرة من أمرنا تماما.
ارتقت المتصارعتان الحلبة وسط ذهولنا وترقبنا للاحداث، انقسمنا إلى طالبات متلهفات، وأخر حائرات ، وقلة قليلة من معترضات يمططن شفاههن باستهجان، في حين وجدت الامر اعتياديا مادامت مباراة نسوية خالصة وجمهور نسائي بحت ، لاضير فيها من التداخل وتبادل المسكات والرفع والرمي على الحلبة.
ابتدا النزال بمسكة تفادتها الست آلاء وأخرى افلتت منها، ثم سرعان ما أخذت المعلمة زمام الامور، فلعبت معها لعبا ارضيا قويا، امتصت قوة الطالبة تماما، وتحول النزال بعد دقائق الى مسكة ارضية عنيفة للغاية، استسلمت فيها الطالبة اخيرا ، حيث خارت قواها تماما ولم تسعفها خبرتها في تقديم شي يذكر خلال النزال..
حين أعلنت المديرة وهي الحكم نتيجة النزال، تناولت الست آلاء مكبر الصوت ووضعت قدمها على الطالبة وهي مرتمية على الارض وقالت بلهجة يبطنها التهديد والتخويف :
هاقد صرعت اقواكن ووضعتها تحت قدمي، احذركن من اي سلوك يغضبنا، ويكفي ان ترسل اية معلمة احداكن لي، ليكون هذا هو مصيرها المعتم.
حملت الطالبات البطلة الخاسرة من الحلبة شبه مغمى عليها ، وانتهى النزال بسحقها تماما وسط ذهول الجميع.
ظلت السيدة آلاء مصدر رعب لجميع الطالبات، فالبطلة ثريا التي طرحت رجلين ارضا بباب المدرسة إثر تعرضهما للطالبات، أصبحت تحتها نسيا منسيا، وهذه المربية بطولها الفارع وجسدها القوي تهرب الطالبات المخالفات من مجرد ارسالهن لها، وسرعان ما أصبحت مديرة المدرسة عقب تقاعد المديرة.
تخرجت وولجت كلية الحقوق واحترفت المصارعة والملاكمة ولم اخسر نزالا واحدا، وانغمست في حياتي حتى صارت أقوى البطلات تحسب لي الف حساب.
ذابت سيرة ثريا بين طيات الحياة، وتباعدت سير زميلاتي وصويحباتي في خضم حياة مثل بحر هائج لا يعرف الهوادة، وبقي لدي عدد محدود من حبيبات القلب اللواتي اعدهن شطر حياتي.
كنت اتدرب واذوب في الحديد حين اخبرتني مدربتي ان بطلة وخبيرة المصارعة الدولية آليا قد وصلت، وهي تود التعرف على بطلة البلاد.
كانت محاطة بعدد من النسوة اللواتي خصصن لحمايتها وخدمتها، نهضت وصافحتني واستغربت حين علمت انها ابنة بلدي، ثم صعقت اكثر حين تيقنت اني التقيت هذه السيدة من قبل، ولربما جالستها او كانت صديقة لإحدى شقيقاتي الكبيرات أو لأمي، رباه اين التقينا وانا انظر نحو امرأة اشعر أني جالستها ردحا طويلا من الزمن، ثم تذكرت انها السيدة آلاء، ها هي بشحمها ودمها أمامي، نهضت من موضعي وسألتها مباشرة، ست آلاء؟ المعلمة البطلة؟ أنت الست آلاء؟
تبسمت وقالت لي : ومن اين تعرفينني؟ اجبتها: طالبتك وتلميذتك.. وكيف انسى صاحبة اغرب نزال في التاريخ ضد ثريا..
ضحكت معلمتي من أعماق قلبها واوضحت ان هذا النزال نقطة تحول في حياتها، اذ ان الفوز على الطالبة جعلها تفكر في احتراف المصارعة مليا، فأحالت نفسها على التقاعد وهي بسن صغيره وسافرت نحو قبرص لتخوض عشرات النزالات قبل ان تصبح بطلة اتحاد دولي ثم اجتذبتها بضعة اتحادات لتكون خبيرة دولية تنظم البطولات وتشرف على النزالات.
فرحت بوجودها بيننا وحدثتها عن اللعبة وواقعها وما تكابده الفتيات من معاناة ومصاعب، والنتائج التي حققناها في اللعبة، ثم طلبت منها ان تبيت معي في داري وسوف نحتفي بها انا ووالدتي وشقيقاتي، فضحكت وقالت : وجيش النساء الذي معي؟ اجبتها : كلهن ضيفاتي، فطبعت على رأسي قبلة شكر، واخبرتني ان دارها واهلها لم يزلوا كما هم والجميع بانتظارها، واكتفينا بتبادل أرقام الجوال.
عقب يومين، زارتني في النادي وانا اؤدي تمارين الحديد، فنهضت وعانقتها، عندئذ طلبت مني نزالا وديا في اللعبة!!
صدمت بطلبها، بل صعقت وعدت خطوتين للخلف، فأنا قد صارعت عشرات السيدات والبنات، وفزت بالقاضية على كل من تبارين معي، لكنني لم اتخيل ان انازل معلمتي واستاذتي، وهل من فتاة تصارع امها وهل من لاعبة تباري من تنظر لها بتقديس واحترام؟
قبلت جبينها معتذرة واجبتها : كل امراة مستعده لمصارعتها وتحطيمها الا من علمتني حرفا، تخيري من مرافقاتك المصارعات من انازلها وسوف اقضي عليها خلال دقائق معدودة،اما اللعب معك فحتى لو كان نصرا فهو خسارة فادحة.
لم تلبث ان ضمتني بشدة وهمست بأذني : سامحيني طيوب، انا فرحة حقا لانك انتصرت بخلقك وحسن تربيتك واشعر بالنجاح، وقطف ثمار التعب، ويوما ما سأحضر الى هنا لأصحبك معي بطلة عالمية لعبا وخلقا لا يشق لك غبار.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading