صوت الجدار الرابع✍️أسماء أقيس جزائرية مقيمة في فرنسا

ذاك الحاجز الوهمي بين المتفرج والمشهد، بين القارئ والكاتب، بين الحياة والحكاية.
جدار لم يُذكر في القصائد، ولم يُحبّ كما حُبّت النوافذ، ولا شُتم كما شُتمت الأقفال.
إنه هناك، صامت، شفاف، يرانا ولا نراه، يسمعنا ولا نجرؤ على مناداته.
جدار يتيم بلا وطن، بلا تاريخ، بلا قلب. لكنه الجدار الوحيد الذي يحفظ أسرار الجميع.
كان يُقال إن المسرحيين وحدهم يعرفونه، وإن الممثل هو الوحيد القادر على كسره.
لكنني منذ سنواتٍ، بدأت أسمع صوته.
ليس في المسارح، بل في الحياة.جالسة وحدي، أتحدث إلى نفسي، فإذا بصوتٍ داخلي يهمس لي: “لا تمثّلي أكثر، أنا أراك.”
إنه الجدار الرابع قد سقط بيني وبيني.
سمعت صوته لأول مرة، يقول لي:
“كم من مرةٍ عشتِ وكأنكِ على خشبة؟
كم من مرةٍ قلتِ ‘أنا بخير’، بينما داخلكِ كان ينزف؟
كم من مرةٍ أدّيتِ دور القوية، الصبورة، الحكيمة، بينما كل ما أردته هو أن تصرخي؟
أنا كنت هناك، خلف ابتسامتك.
أنا الجدار الذي كنتِ تظنينه وهمًا.
لكنني كنتُ حقيقيًا، أراقبكِ، وأحتفظ بكل ما لم تقوليه.”
يا لهذا الصوت.
لم يكن ناعماً ولا قاسياً، بل صادقًا.
ولأول مرة، شعرت أن هناك من عرفني من الداخل… لا من الصور ولا من الكلمات.
عرفني من السكون، من الأدوار الصغيرة التي لعبتها أمام المرآة كل صباح،
من ترددي حين أفتح رسالة، من رعشة أصابعي حين أمحو حرفًا كتبته ثم خفت أن يُفهم.
صوت الجدار الرابع لا يشبه أي صوت.
فهو لا يلوم، لا يعاتب، لا ينصح.
فقط… يراك.
يراك دون أداء، دون سيناريو، دون صوت خارجي.
يراك كما أنت.
اليوم كتبت لأكسر جداراً لا يُكسر.
لا لأُبهر أحداً، ولا لأفضح قلبي، بل لأقول:
ليس كل من يراك… يراك.
هناك جدارًا، ربما في غرفتك، أو في عينيك
يراك كما لم يرَك أحد من قبل.
فاهمس له، يوماً ما.
فربما صوته… هو صوتك الذي ضاع حين اعتقدت أنك تمثل.
أسماء .أقيس
جزائرية مقيمة في فرنسا





