القصة القصيرة

تـوش – زهير غانم

70425504 725275021270600 7496950704628563968 n 1

                     

توش..

هذا هو اسمه ، تعرفه اجيال القرية منذ زمن بعيد .. رجل ضخم ، وجهه .. حزمة ضوء لا تخفت او تهدأ ، معروف بابتسامته الدائمة وطيبته المعهودة ..

لا احد معه ، جاء لوحده ، وعاش لوحده ، ولا يعرف أحد من هو والده ، او امه ، او من هم اقاربه ..

رجل لا يكبر ، منذ أن رآه الناس ، وعرفوه فهو .. هو ..

يشاهد الناس وهم يكبرون ، او يموتون ، وهو على صورته الاولى .. حتى ان اهل القرية يتباركون به ، ويستأنسون بالتقرب اليه ، بل والأعجب والأغرب انه يكشف ما في الغد ، او يعرف حظوظ البشر ، رغم انه لا يتحدث الا قليلا ، ولا يقترب من الناس ، الا عند الضرورة ، وفي الحالات النادرة ..

يمارس الاعمال الشاقة والصعبة ، خاصة في حمل الاثقال والاحجار وما الى ذلك .. لا يقيم في القرية ، بل يأتي صباح كل يوم مع الضياء  الاول .. ثم يعود الى مكانه الذي لا يعرفه احد بل لم يفكر احد في اللحاق به ، ومعرفه مقره .. فالرجل مسالم ، هادئ ، يعمل ويأكل وفي احيان اخرى يلعب مع الاطفال .. ويتعلقون به .. لأنه يطعمهم ويلهو معهم .. والأجمل ما فيه انه يحكي للأطفال الكثير من قصص البطولة عن ابائهم وأجدادهم واحدا .. بعد واحد .. في أحيان أخرى يؤدي للصغار دور الراوي العارف بكل صغيرة وكبيرة وهذا السر الحقيقي لتعلقهم به ..

         ذات مرة ، وهي المرة الأخيرة ، سأله طفل :

– ما هو مستقبل قريتنا ؟

–        ماذا تقصد ؟

– نسمع ان الناس هنا ، يغزون اناساً اخرين هناك .. والمنتصرون منهم يدمرون كل شيء ، او ياخذون كل شيء .. هل هذا سيحدث عندنا ؟ .. ومتى ؟ ..

– سأخبرك في وقت لاحق .. لقد أثرت في الفضول والقلق والحيرة ..

سأله طفل اخر :

– هل صحيح انك عشت مع أجداد أجدادنا .. وانك تعرف كل شيء ..

– هذا امر معروف لدى الجميع ؟ ولا جديد فيه ..

سأله طفل ثالث :

– اذا كبرت فماذا سأكون ؟

اخر :

– متى يموت شيخ القرية ؟

اخر :

– وانت هل ستتزوج ؟

اخر:

– وهل سيكون لديك اطفال ؟

اخر:

– هل أحببت في حياتك ؟

و… و… و…

         حتى انه صرخ بالأطفال قائلا :

– ما بكم اليوم ..؟.. أيها المزعجون ..

ابتعد عن القرية ، كان الاطفال يشيعونه بنظرات الحب والاحترام .. وهو يبتعد عنهم شيئا فشيئا .. حتى غاب عن الانظار .. قاصدا مكانه الذي لا يعرفه أي انسان.. سواه فهو كما يبدو يقطع مسافة كبيرة .. وفي هذه الاثناء كان الحوار جاريا بين الاطفال :

– كيف لأنسان ان يقيم في الغابة ؟

–        بل كيف يعيش لوحده ؟ .. الا يحس بالملل او الضجر .. ؟..

–        ومن يقوم بخدمته والسهر عليه ؟– منذ ان رأيته وهو بنفس الملابس ! ..

– حتى في الأعياد والمناسبات لا يغيّر ملابسه !..

–        دقيق كالساعة ، يأتي في الوقت نفسه ويغادر القرية في الوقت نفسه ..

–        انه .. اقوى من عشرة ثيران او اكثر ..

–        ان صح القول لا احد يقترب منه .. اقصد لا أحد يفكر في ايذائه ؟ ..

– يبدو انه مثلنا، صحيح انه ضخم وقوي لكنه في أحاسيسه وشخصيته تشعر انك أمام طفل ..

– هل فكر أحدنا ان يساله من يكون ؟

– الكثير .. ولكنه لا يجيب على هذا السؤال ، او على شاكلته ؟ !..

–  لننتظر الى يوم غد .. فقد وعدنا بالاجابة مما سيحدث لقريتنا ؟..

– هل تعتقد انه سيصيب ؟..

–  لم يخطا في القول طول عمره ..

–  ولم يسأله أي رجل عما سألناه ..

– عليكم بالصبر .. فالغد قريب ..

بعد ان انتهى من عمله .. كان الأطفال يترقبون ذلك .. وهم على شغف كبير لمعرفة الاجابة .. تجمعوا حوله من كل جانب .. وصاح بهم ..

-اعرف .. اعرف ما تريدون .. سأجيبكم ولكني أريد ان اعرف قبل كل شيء .. لماذا تريدون ذلك ؟ .. ولماذا  لم يفكر اخرون ان يسألوا مثل هذا السؤال المحير ؟

– ربما لأنهم يخافون ! .. ربما لانهم لا يريدون ان يصدموا ..

–  بل .. ربما لانهم كبار .. والان .. نريد ان نرف .. ؟ !

 اجابهم (توش) بهدوء وحكمة :

– اندهش لأنكم تريدون معرفة ما سيكون .. هذا ليس بالموضوع السهل او الهين .. ومع هذا ما الذي دفعكم لذلك ؟ هل لديكم الاحساس الحقيقي بان الخطر سيأتي .. لقد فعلتم كل ما هو خير لان استعداد المرء للخطر .. افضل من حلوله دون أي تحسب او تحوط له .. وحتى لا اطيل عليكم فان الخطر قادم .. وعن قريب ، وسيأتي من الشمال وعلينا ان نبلغ سادة القرية ، او مجلسها لكي يأخذون الحيطة اللازمة ..

انتشر الخبر ، حتى ان شيخ القرية أرسل في اليوم التالي بطلب توش وسأله:

– هل ما سمعناه على لسانك .. فيه صحة ..

– انه كلام صحيح !..

– وهل انت واثق من كلامك ..

–        كل الثقة .. وبصورة جازمة وحاسمة ..

–        من اين لك هذه الثقة ؟

–        لا ادري ؟ .. انه مجرد احساس يمتزج باليقين .. ويقين يمتزج بالإحساس ..

– هل سمعت ؟ .. هل رأيت ؟ ..

– لا .. لم اسمع ، ولم اشاهد شيئا ..

– ولكنك تحس .. مجرد احساس اليس كذلك ؟

– تعرف اني لا اخطأ .. وتوقعاتي تأتي في وقتها !..

– انت تبعث الحيرة في نفوسنا ايها الرجل ..

– لا .. بل ابعث على الاطمئنان والارتياح ..

– نحن لا اعداء لنا ، واجزم اننا في وضع نطمئن له .. ولا اعتقد ان احدا يفكر في تدميرنا او غزونا

– لقد قلت لك ، بل اكدت لك .. والأمر امركم ، وان شئتم الاستعداد لما سيحدث وهذا افضل اذ لن نخسر شيئا ..

– نشكرك .. وارجو ان تكف عن إطلاق هكذا اشاعات . ارجوك ..

– ليست اشاعات وانت اعرف بذلك .. كما ان اجداد اجدادك اعرف منك بذلك .. الذين عرفتهم .. وعشت معهم ..

بعد ذلك ظل (توش) في وضع مرتبك فكان لا يحب الحديث مع احد ، حتى انه عزف عن الجلوس مع الاطفال . وظل يعمل كعادته وفي يوم من الايام .. وبعد حين .. عاد الى القرية صباحا ، فوجد اثار الدمار والحرق والنكليل والموتى .. هنا.. وهناك .. وعرف ان النبوءة قد تحققت ، وان الخراب قد حل في هذه القرية المسالمة .. والفقيرة .. فالناس هنا يعيشون في حالة استقرار وكفاف ، مع هذا فان القناعة تملا نفوسهم ، ورغباتهم واحلامهم انه لم ير باقي اهل القرية .. لا اثر للنساء ، او الاطفال .. بل بعض الرجال تم قتلهم او التمثيل بهم .. سمع  صوت انين عن قرب ، كان هنا احد الرجال ممددا وهو يحتضر ..

– ماء .. اريد ماء .. جلب له الماء وشربه اياه ببطء .. ثم سأله :

– ماذا حصل ؟ ..

– لقد هجم علينا هؤلاء الذين يطلقون على انفسهم بالوحوش .. واخذوا اهل القرية معهم وقتلوا من حاول مقاومتهم .. وهم قلة

– اين ذهبوا ؟..

– الى الشمال ؟..

– هل عرفت شيئا ؟

– انهم يبحثون عنك ، فكأنهم اخبرهم انهم لن يشعروا بالأمان حتى يجدوك ويقتلوك .. أحذر .. أحذر .. ياتوش ..

مات الرجل وهو في أحضانه .. وعرف انهم سيعودون الى القرية للعثور عليه ..

تساءل مع نفسه  :

– هل أعود الى مسكني ؟ .. انهم الان ينتشرون في كل مكان ولابد ان اخذ بالحيطه والحذر .. اذ لابد ان انقذ اهل القرية .. وسوف احفر حفرة كبيرة اغطيها .. وسوف يأتون في اليوم التالي .. ولابد ان يقعوا في الشرك .. لابد ..

انتظر مجئ الليل ، وبقوته الخارقة وبدون أي كلل او ملل .. حفر الحفرة التي خطط لها .. ثم غمر سطحها بالتراب .. وكما توقع تماما .. اتى جيش او ما يمكن تسميته بقطاع الطرق .. وقف في نهاية الحفرة .. فما كان منهم الا وان هجموا عليه وكان ما كان .. سقطوا في حفرة الموت .. حيث جمع فيها العقارب والافاعي بصورة ……… لا تصدق ..

سمع صوت الكاهن :

– لقد حذرتهم منك .. انت رجل مبارك ..

– انا انسان بسيط ، احب الخير ، واعمل من اجل احلال الخير ..

– اللعنة عليك .. فقد اوقعت بنا ..

– اين اهل القرية ؟ ..

– انهم على مسافة قريبة من القرية .. وضعناهم في اقفاص ..

– لماذا قصدتم القرية ؟

– لأنها مباركة بوجودك فيها ، وستشهد الخير الكثير بعد الذي حدث ..

– اعرف ذلك .. وبقيت في وجوم أترقب ان يحدث ما حدث ..

اخذ الكاهن بالصراخ ، فقد قتلته لدغات العقارب وعضات الأفاعي ..

على عجلة ، هرع للبحث عن قومه ، فوجدهم .. واطلق سراحهم .. وازدادت أفراحهم بعد القضاء على قطاع الطرق .. وقرروا جعل ( توش) شيخا للقرية ، الا انه رفض بشدة وقرر البقاء كما كان او كما  سيكون .. الا ان أهل القرية أصروا على تسمية قريتهم باسمه .. أي قرية (توش) وهكذا أصبحت (توش) القرية و(وش) الإنسان حالة واحدة .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading