مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

الأسطورة والمعنى – فراس السواح

وهكذا وقع اختيار الآلهة على إيتانا ليكون أول ملك أقيم لحكم الناس، وتنتهي مقدمة النص. بعد ذلك ندخل إلى متن الأسطورة الذي يتألف من جزأين، أو قصتين، تم الربط بينهما عند مفصلٍ معينٍ في سبر الأحداث، لسببٍ يبدو غير واضح من الوهلة الأولى. فبعد صعود إيتانا على العرش في كيش، نمت شجرةٌ عملاقة وارفة الظلال، وجاءت إليها حيةٌ فاتخذت من قاعدتها وكرًا لها ولصغارها، ثم حط على قمتها نسرٌ فصنع له ولفراخه عشًّا، وقد تعاهد الاثنان على العيش بسلامٍ وعلى اقتسام الطعام فيما بينهما؛ فإذا اصطاد النسر فريسة جاء بها إلى المكان وترك الحية وصغارها يقتسمونها معه، وإذا اصطادت الحية فريسةً جاءت بها أيضًا وتركت النسر وفراخه يقتسمونها معًا. ثم وثَّق الطرفان عهدهما هذا بالقسم أمام الإله شَمَش؛ إله الحق والعدالة، على احترام الاتفاق وعدم النكوث بالعهد. سارت الأمور سيرًا حسنًا، واحترم كلٌّ من الحية والنسر اتفاقهما، إلى أن كبر فراخ النسر ولم يعودوا بحاجةٍ إلى رعاية، عندئذٍ أضمر النسر في قلبه شرًّا وراح يتحيَّن الفُرص لأكل صغار الحية:

عندما كبر فراخ النسر وشبُّوا،

أضمر النسر مكيدةً شريرةً في قلبه.

ثم تحدث إلى فراخه قائلًا:

إني لآكلٌ صغار الحية.

سيشتعل غضبها عليَّ بالتأكيد،

ولكني سوف أطير عاليًا وأختبئ في الأجواء،

ثم أهبط إلى أعلى الشجرة فقط لأخطف من ثمرها.

فقال له فرخ مزغب كثير الحكمة، قال لأبيه:

لا تفعل ذلك يا أبي؛ لأن شبكة شَمَش سوف تُمسك بك.

ولكن النسر لم يستمع لنصيحة ابنه الحكيم، وبينما كانت الحية غائبة عن وكرها نقض النسر عهده وانقضَّ فأكل صغارها ثم هرب. وعندما عادت الحية بصيدها واكتشفت ما فعله النسر، بكت وذرفت دموعها أمام الإله شَمَش ضارعة إليه أن يثأر لها من النسر، استجاب شَمَش لدعاء الحية ورسم لها خطةً تُوقع بالنسر. سيدفع إليها ثورًا مقيدًا في الفلاة، عليها أن تقتله وتختبئ في أحشائه، وعندما تحط طيور السماء لتأكل من الجيفة سيأتي النسر بينها أيضًا، وعندئذٍ عليها أن تنبري له وتقبض عليه فتنتزع مخالبه وتنتف ريش أجنحته، ثم ترميه في حفرةٍ عميقةٍ ليموت هناك من الجوع والعطش. تسير الخطة بنجاحٍ، وتأتي الطيور لتأكل، ويهمُّ النسر أن يحط معها ليأكل أيضًا، ولكن فرخه الحكيم يحذره من احتمال كمون الحية في بطن الثور لتثأر لصغارها منه. تردد النسر قليلًا ثم أقدم، عندئذٍ انقضَّت عليه الحية من مكمنها فاقتلعت مخالبه ونتفت ريشه، ثم ألقته في الحفرة العميقة غير آبهة لتوسلاته، ومضت تاركة إياه لمصيره. راح النسر يتضرع في كل يومٍ إلى شَمَش علَّه ينقذه من ورطته، فقال له شَمَش:

إنك مخلوقٌ مؤذٍ وشرير، وقد أحزنت قلبي.

لقد ارتكبت فعلًا مرذولًا من قِبَل الآلهة، لا يقبل الصفح.

ها أنت تموت، ولكني لن أقترب منك،

بل سأقيِّض لك رجلًا، فاطلب منه عونًا.

هنا تنتهي القصة الأولى وتبدأ القصة الثانية التي تعود بنا إلى إيتانا الصالح؛ فإيتانا عاقر، وقد شارف على الشيخوخة دون أن يُرزق بغلامٍ يخلفه على العرش، وهو يصلي في كل يوم ويقدم قرابينه إلى الآلهة من أحسن مواشيه؛ علَّها تنظر إليه بعين العطف وترفع عنه لعنة العقم. ثم يعلم عن نبتةٍ مزروعةٍ في السماء تشفي من العقم، فيدعو الإله شَمَش أن يجعل هذه النبتة في متناول يده. يستجيب له الإله ويدله على مكان النسر الحبيس، فيحرره ويشفيه لقاء أن يطير به إلى السموات العلا، لجلب نبتة الإخصاب التي تتعهدها هناك عشتار بالرعاية والسقاية. يأتي إيتانا إلى حفرة النسر ويخبره بمشيئة شَمَش، ثم يعمل على شفائه وتعويده على الطيران مجددًا. وعندما يتعافى النسر يرتقي إيتانا ظهره فينطلق به صعدًا في طبقات الجو العليا، حتى تبدو الأرض وكأنها بستان صغير ويبدو البحر الواسع وكأنه قدر ماء، ولكن قوى النسر تخور ويعترف بعجزه عن المضيِّ قُدمًا أبعد من ذلك، ثم يهوي عائدًا إلى الأرض. لدى رجوعه إلى كيش يرى إيتانا أحلامًا غريبة عن رحلةٍ ثانيةٍ إلى السماء، منها الحلم التالي الذي قصَّه على صديقه النسر:

رأيت أننا نمضي عبر بوابة آنو وإنليل وإيا،

هناك ركعنا معًا، أنا وأنت.

ثم رأيت أننا نمضي معًا، أنا وأنت.

عبر بوابة سن وشَمَش وأدد وعشتار.

هناك ركعنا، أنا وأنت.

رأيت بيتًا فيه نافذة غير موصدة.

دفعتها، فانفتحت وولجت إليها،

فرأيت هناك فتاة مليحة الوجه مزينة بتاج.

وهناك عرش منصوب (…)،

وتحت العرش أسُود رابضة مزمجرة.

فلما ظهرتُ لها قفزت نحوي.

عند ذلك أفقت من نومي مذعورًا.

يرى النسر في حلم إيتانا بشارةً بنجاح محاولة ثانية لهما في ارتقاء السماء، فيقرران التحليق مجددًا. تنجح المحاولة ويصل النسر بإيتانا إلى سماء آنو، حيث يدخلان بوابة آنو وإنليل وإيا، فيسجدان هناك ثم يجتازانها إلى بوابة سن وشَمَش وأدد وعشتار، فيسجدان هناك ثم يفتح إيتانا البوابة ويدخلان، وهنا ينكسر الرقيم وتتوقف القصة، ولكن من المؤكد أن الجزء المفقود يقص عن كيفية حصول إيتانا على نبتة الإخصاب والعودة بها إلى الأرض؛ لأننا نعرف من وثيقة ثِبْت ملوك سومر، أن الملك إيتانا كان أول ملك على كيش بعد الطوفان، وأنه الذي أسس لسلالة كيش الأولى، وأن وريثه على العرش كان ابنه المدعو بالح.

إن لدينا من الأسباب ما يرجح انتماء هذه الأسطورة إلى مطلع عصر السلالات في منطقة سومر (حوالي ٢٦٠٠ق.م.)، فرغم أن أقدم نص لها، وهو النص البابلي القديم، يرجع إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد؛ إلا أن العثور على عددٍ من الأختام الأسطوانية التي ترجع إلى العصر الصارغوني (حوالي ٢٣٠٠ق.م.)، والتي نرى عليها مشهدًا يمثل صعود إنسان ما إلى السماء على ظهر نسر، يؤكد لنا أن أسطورة إيتانا كانت معروفة خلال أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، وأن جذورها تضرب أبعد من ذلك في عصر السلالات الأولى، وإلى زمنٍ قريبٍ من صعود أسرة كيش الأولى، أول وأقوى الأسر الحاكمة في سومر، والتي كان ملوكها ينتمون إلى الذخيرة السكانية السامية لا السومرية، على ما تدل عليه أسماؤهم، ولكن ما معنى هذه الأسطورة؟ وأية رسالة تحمل لنا؟

رغم الحيرة التي يسببها لنا احتواء الأسطورة على قصتين غير متجانستين، إلَّا أن رسالتها واضحةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ؛ ذلك أن الهاجس الرئيسي هنا هو التأسيس لأصل مؤسسة الملكية التي «هبطت من السماء»، على حد تعبير النص البابلي القديم. فأسطورتنا هي أسطورة أصول، وتنتمي إلى تلك الزمرة من أساطير الأصول التي تهدف إلى تسويغ المؤسسات الاجتماعية القائمة وتجذيرها في البدايات الميثولوجية الأولى، من أجل إسباغ طابع القداسة عليها. فمطلع النص يعود بنا إلى الأزمان الميثولوجية البدئية، عندما كانت الآلهة تضع اللمسات الأخيرة على الكون الذي خرج لتوِّه من رحم الهيولى البدئية. فكانت مؤسسة الملكية أول ما التفتت إليه بعد أن انتهت من هندسة «المكان»، وشكلت جهات العالم الأربع ووضعت مخطط أول مدينة للإنسان وأرست لها الأساسات. وبعد أن خلقت الآلهة منصب الملك وحددت له شاراته ورموزه، راحت تبحث عن رجلٍ يشغل ذلك المنصب فوجدته في إيتانا الصالح. تنتقل الأسطورة بعد ذلك إلى تجذير مؤسسة الملكية الوراثية أيضًا في الزمن الميثولوجي؛ فهذه قد هبطت أيضًا من السماء عن طريق نبتة الإخصاب التي جلبها إيتانا من هناك فوهبته ولدًا ووريثًا على العرش.

ولكن ما معنى قصة الحية والنسر؟ ولماذا جُعلت بمثابة مدخلٍ إلى المتن الأساسي للأسطورة؟ إن القراءة الأولى للنص تغرينا بالنظر إلى قصة الحية والنسر على أنها مجرد حكاية، ذات طابعٍ تشويقيٍّ تم إدماجها في السياق العام للقصة الرئيسية لأغراضٍ أدبية محضة؛ إلا أن التلازم الطويل بين القصتين في جميع النصوص التي وصلتنا للأسطورة، وعبر أكثر من ألف عام، يدفعنا إلى استبعاد هذا التفسير القريب والبحث عن تفسيرٍ آخر.

إن مفتاح الولوج إلى سر العلاقة بين القصتين، هو التساؤل المشروع الذي يخطر بالبال عقب قراءة النص وهو: لماذا كان على النسر أن يمر بتجربته الأليمة تلك قبل أن يصعد بإيتانا إلى السماء؟ ألم يكن بمستطاع الإله شَمَش أن يوكل لهذا النسر نفسه أو لغيره مهمة الصعود، دون أن يكون قد تعرَّض لتلك الأحداث التي أودت به إلى أعماق الحفرة حيث وجده إيتانا؟ إن الجواب على التساؤل متضمَّن في بنية النص نفسه الذي يقول لنا صراحة، ومن خلال توكيده على الربط العضوي بين القصتين، إنه كان على النسر أن يمر بتجربته مع الأفعى قبل أن يكون قادرًا على التحليق في طلب نبتة الإخصاب. فهذه التجربة هي التي أهَّلته وجعلت منه نسرًا مختلفًا عن بقية النسور. فما الذي تضمَّنته التجربة مع الحية، وأية قوى استثنائية أكسبته إياها؟

تتضمن التجربة مع الحية حدثين مهمين قادا إلى حدثٍ ثالث هو مركز القصة بكاملها. ويمكن تصوير هذه الأحداث الثلاثة وفق المخطط الآتي:

figure1

وإني أرى في الحدثين الأولين مرحلتين في طقس عبور وتعدية (Initiation) في المرحلة الأولى يأكل النسر صغار الحية، وفي المرحلة الثانية يلقى في قاع حفرة أو بئر عميقة في باطن الأرض. فأما أكل صغار الحية فهو إجراءٌ طقسي يؤدي إلى إكساب النسر قوًى تتعلق بالإخصاب؛ لأن الحية هي رمز للخصوبة في ثقافات الشرق القديم ورمز للشفاء أيضًا. أما الهبوط إلى قاع البئر المظلم فهو إجراءٌ طقسي مشابه من حيث الغاية. فلقد كان على النسر أن يموت رمزيًّا في باطن الأرض-الأم؛ لكي يُبعث من جديد معافًى ومزودًا بقوًى تتعلق أيضًا بالإخصاب زودته بها ننخرساج، الأرض. أما الشجرة التي كانت مسرح الصراع بين النسر والحية، فتُمثل مبدأ الحياة الذي قوامه قطبان: الموجب والسالب؛ المبدأ الذكري والمبدأ الأنثوي. وهنا يتجسد المبدأ الذكري في النسر الذي يسكن قمة الشجرة ويطير في السماء، وتجسِّد الحية المبدأ الأنثوي الملتصق بالأرض. وما الصراع بين النسر والحية إلا تمثيلٌ للتناقض بين المبدأين. لقد هبط النسر أولًا من القمة إلى الأرض حيث جحر الحية، ثم هبط أعمق من ذلك في غياهب البئر حيث رحم الأرض، لينطلق بعد ذلك في طلب النبتة التي تتعهدها بالرعاية عشتار إلهة الخصوبة الكونية. هذا المغزى السِّرَّاني لعلاقة النسر بالحية يفسر لنا عدم جدِّية العقاب الذي تعرَّض له النسر، ومسارعة الإله شَمَش إلى العفو عنه ليوكل إليه المهمة التي صار الآن صالحًا لها، بعد أن تحوَّل من خلال الطقس الذي مر به، من نسرٍ عاديٍّ إلى نسرٍ قادر على إتمام مهام لا يقدر عليها غيره.

ولإلقاء مزيدٍ من الضوء على التفسير الذي أتقدم به هنا، سوف أستعرض فيما يأتي عددًا من التصورات الأسطورية الموازية والمستمدة من الميثولوجيا المقارنة. ففي ميثولوجيا الشعوب في أوروبا الشمالية هناك شجرةٌ كونية عملاقة يتموضع عليها عالم الآلهة وعالم البشر وعالم العمالقة وعالم الموتى. فهي تمد رأسها إلى الأعلى نحو عالم الآلهة وتضرب جذورها في العالم الأسفل عالم الموتى. ونجد هذا التصور نفسه في ميثولوجيا شمال ووسط آسيا، وفي ميثولوجيا معظم الثقافات الشامانية. ففي الأساطير الفنلندية، تقوم هذه الشجرة باعتبارها مركزًا للكون وتعمل على ربط أجزائه وأقاليمه المختلفة، على أوراقها يتغذى الآلهة وبين أغصانها تولد الأرواح. ومن خلال تجديد حياتها تلقائيًّا، فإنها تعمل على تجديد حياة الكون وعوالمه، وتقدم في الوقت نفسه للإنسان وسائل تحقيق الخلود. وتمثل التقاليد الشامانية شجرة الحياة هذه على هيئة جذع حُفرت عليه درجات سلَّم، تُعين الشامان على الارتقاء نحو العوالم العليا في رحلته الوجدية، حيث يعبر سلسلة السموات وصولًا إلى السماء العليا حيث يقيم الآلهة. وفي أحيانٍ كثيرة نجد أن شجرة الكون أو الحياة هذه، مسكونة من قِبل الكائنات نفسها التي وجدناها في أسطورة إيتانا والنسر. ففي بورنيو الجنوبية يجري تمثيل الشجرة الكونية وقد سكنت الحية عند قاعدتها وسكن النسر في قمَّتها. وتقول الأسطورة إن الصراع بينهما يقود إلى تدمير الشجرة، ولكنها تنبعث جديدة مرةً أخرى. وفي الميثولوجيا التيوتونية هنالك سنجاب ينقل الرسائل العدوانية بين النسر الذي يقيم في قمة الشجرة والحية التي تسكن في قاعدتها.١٢

(٤-٣) النموذج المعقد

أسطورة خصاء آنو

أسطورة خصاء آنو هي نصٌّ حواري يعود إلى أواسط الألف الثاني قبل الميلاد. والحوريون هم شعب يتعلم لغة خاصة لا تنتمي إلى عائلة اللغات السامية ولا إلى عائلة اللغات الهندو أوروبية. وقد بدءوا بالتسرب التدريجي من الشمال إلى مناطق الجزيرة السورية خلال النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، واستطاعوا تكوين عدد من المدن القوية فيها. وقد شكَّل هؤلاء الحوريون القاعدة السكانية العريضة التي قامت عليها مملكة ميتاني القوية بقيادة شرائح عسكرية ذات أصول هندو–أوروبية، اختلطت بالحوريين وجمعتهم في مملكةٍ واحدة. سيطرت مملكة ميتاني على مناطق حوض الخابور الأعلى في سوريا، وبلغت أوج قوتها إبان القرن الخامس عشر قبل الميلاد، حيث استطاعت إخضاع معظم مناطق الجزيرة العليا وسوريا الشمالية والوسطى، وصارت القوة الثالثة في المنطقة إلى جانب مملكة الحثيين في الأناضول ومملكة مصر في الجنوب. تقول الأسطورة:١٣

«في الأزمان القديمة، ألالوس (= إيل) كان ملكًا في السماء. وطيلة مدة جلوسه على عرش السماء، كان آنوس (= آنو) الأول بين الآلهة، يقف بين يدي ألالوس ويركع عند قدميه ويقدم له كأس الشراب. مضت تسع سنوات وألالوس ملك في السماء. ولكن في السنة التاسعة، قام آنوس فنازع ألالوس السيادة وقهره في المعركة، فهرب من وجهه وهبط إلى الأرض المظلمة، ثم صعد آنوس إلى العرش. طيلة مدة جلوسه على العرش كان كوماربي الجبار يقدم له الطعام ويركع عند قدميه ويقدم له كأس الشراب. مضت تسع سنوات وآنوس ملك في السماء، ولكن في السنة التاسعة قام كوماربي فنازع آنوس السيادة وقاتله مثلما قاتل آنوس ألالوس. وعندما لم يستطع آنوس الصمود أمام كوماربي انتزع نفسه من بين يديه وهرب، وكطيرٍ حلق في السماء. اندفع وراءه كوماربي فأمسك بقدميه وجرَّه من هناك ثم عض على قضيبه فانسال سائله المخصب إلى بطن كوماربي. عندما ابتلع كوماربي مَني آنوس واستقر في جوفه،١٤ استدار آنوس نحو كوماربي مبتهجًا ضاحكًا وقال له: ها أنت سعيد لما أخذته في جوفك، ولكن سعادتك لن تطول؛ لأني زرعت في داخلك وزرًا ثقيلًا. لقد جعلتك تحبل بإله العاصفة النبيل، كما جعلتك تحبل بنهر دجلة الذي لن تطيق حمله، وأيضًا بتاسميشو النبيل (وزير إله العاصفة). ثلاثة آلهة مخيفة زرعت بذورها في بطنك. فامضِ الآن وانطح رأسك بصخور جبالك. لما انتهى آنوس من كلامه تابع طريقه نحو السماء واختبأ هناك. عند ذلك بصق كوماربي بعض المادة التي ابتلعها على الأرض فولد منها تاسميشو ونهر دجلة.»

أما كوماربي فقد مضى إلى مدينة نيبور السومرية ليطلبَ مشورة إيَّا؛ إله الحكمة الرافدي، ولكن النص مُشوَّه في هذا الموضع ولا ندري ما الذي دار بين الطرفين. ثم نرى كوماربي، ما زال في نيبور يَعُدُّ الأشهر المتبقية لمدة الحمل، والجنين في بطنه ينمو، إلى أن اكتمل وجاءت ساعة المخاض. ولما لم يكن كوماربي مجهزًا كما النساء لأداء ولادةٍ طبيعية فإنَّ آلام المخاض تشتد عليه، وإله العاصفة في بطن أبيه لا يجد طريقةً للخروج بسلام. وهنا يتدخل الإله المخلوع آنوس لمساعدة إله العاصفة؛ لأنَّه يعوِّل عليه في الانتقام من كوماربي. وتبدأ مشاورة بين آنوس وبين إله العاصفة الحبيس في الداخل، حول الطريقة التي يمكن بواسطتها حلُّ المعضلة، ويجري بحث كل الاحتمالات الممكنة في أفضلية المنفذ الذي لا يمكن لإله العاصفة شق طريقه عبره. ويبدو أن اختيار المنفذ كان أمرًا في غاية الصعوبة؛ لأن الخروج من إحدى الفتحات، كما نفهم من شذرات الموضوع المشوه في الحوار، سوف يتسبَّب في تعطيل عمل العضو أو الحاسة المقابلة عند إله العاصفة عقب ولادته؛ فالخروج من عين كوماربي سوف يُسبب له العمى، والخروج من الأُذن سوف يصيبه بالصمم. وهكذا تم استبعاد جميع المنافذ العليا بما فيها جدار الرأس؛ لأن الخروج من الرأس سوف يبلبل عقل إله العاصفة. بعد ذلك يتم بحث احتمالات المنافذ السفلى، فيقترح إله العاصفة أن يقوم بشق مؤخرة كوماربي والنفاذ عبرها، ولكن آنوس يستبعد هذا الإجراء ويحذره من مخاطر، غير واضحة في السطر المشوه، ثم يجري اقتراح الخروج من مكانٍ يدعوه النص «بالموضع الحسن» دون تعيين اسمه. وبما أنه لم يبقَ من المنافذ السفلى سوى السرة والقضيب، فإن هذا الموضع الحسن ينطبق على واحدٍ منهما ولا شك. تشتد الآلام على كوماربي فيأتي إلى حضرة الإله إيا، ويتهاوى أمامه من الألم وهو يصرخ كالمجنون: أخرِجوا إليَّ ابني، أعطوني ابني لأبتلعه. يرسل إيا في طلب مجموعة من السحرة لأداء طقوس تُعين كوماربي على الوضع، فيأتي السحرة فيمددون الإله ثم يقدمون القرابين ويقرءون التعاويذ، ويعملون جهدهم في الحفاظ على شرج كوماربي من اقتحام ابنه له. يقوم إله العاصفة بمحاولةٍ أخيرة للخروج من مؤخرة كوماربي ولكنه يخفق. عند ذلك يتجه نحو الموضع الحسن وينبثق من هناك إلهًا متكمل القوة والرجولة (يلي ذلك فجوة في النص). أمَّا ما تبقى من الشذرات فنفهم منها أن آنوس المخلوع قد ساعد إله العاصفة على خلع أبيه والاستيلاء على عرش السماء.

وفيما يتعلق بالموضع الحسن الذي خرج منه إله، يرجِّح بعض دارسي هذه الأسطورة، ومنهم G. S. Kirk من جامعة كامبريدج،١٥ أن يكون المعني به هو القضيب؛ وذلك لسببين: فالقضيب هو العضو المقابل لعضو الولادة عند المرأة؛ وهذا ما يجعله أكثر ملاءمةً لتقليد العملية عند الرجل. كما أن القضيب باعتبار دوره في عملية الإخصاب هو الوحيد الذي يحسن اقترانه بإله العاصفة بما هو إلهٌ للخصب أيضًا.١٦ غير أني أرجح أن يكون العضو المعني هو السُّرة؛ لأننا نفهم من الحوار بين آنوس وإله العاصفة أن الخروج من أي موضعٍ في جسم كوماربي سيسبب العطب في العضو المقابل عند إله العاصفة. من هنا فإن من الأجدر أن يكون القضيب هو أكثر الأعضاء استبعادًا؛ لأنه ما الذي يجنيه إله الخصب من اقترانه بالقضيب إذا كان هو نفسه فاقدًا لوظيفة القضيب؟

والآن، ما الذي يعنيه هذا النص ذو البِنية المعقدة المتراكبة؟ لماذا وقعت تلك الانقلابات المتوالية في السماء؟ لماذا عض كوماربي قضيب أبيه وابتلع سائله المخصب؟ ولماذا كان على إله العاصفة أن ينمو في بطن أبيه من دون أم؟

من الأدوات القوية التي تعيننا على التعامل مع النص الأسطوري المفرد، إرجاعه إلى النسق الميثولوجي الذي ينتمي إليه؛ لأن هذا النص إنما يكتسب معناه ومغزاه من خلال موقعه في ميثولوجيا الثقافة التي أنتجته، ومن خلال ترابطاته مع الأساطير الأخرى التي تنتظم وإياه في نسقٍ واحد؛ وذلك مثلما تكتسب الكلمة المفردة معناها ومغزاها من موقعها في سياق الجملة المفيدة. يضاف إلى ذلك ضرورة تحديد الزمرة التي تنتمي إليها الأسطورة ضمن النسق الميثولوجي ذاته، وذلك كأن تكون أسطورة أصول وتكوين أو أسطورة خصب أو أسطورة طقسية من نوعٍ خاص … إلخ. وهذا التحديد يعتمد على معاينتنا المبدئية للشكل في ضوء معارفنا السابقة والخبرة المكتسبة في هذا الميدان.

وبتعبيرٍ آخر، فإنه من غير المجدي في المرحلة الأولى من الإقبال على النص، تفسير أسطورة مصرية مثلًا عن طريق المقارنة مع أسطورةٍ إغريقية، أو النظر إلى أسطورةٍ أفريقية على ضوء الميثولوجيا البابلية، بل لا بدَّ أولًا من النظر إلى الأسطورة في ترابطاتها المحلية ضمن نسقها وضمن زمرتها. فإذا أتممنا هذه المهمة المبدئية استطعنا بعدها الانطلاق إلى إجراء المقارنات البعيدة منها والقريبة، ولكن ضمن نظامٍ صارم في الوقت ذاته، يبتعد بنا عن تلمُّس المشابهات السطحية التي تقود إلى نتائجَ متسرعة، ويُبقي على فهمنا لأية أسطورة نتخذها لغاية المقارنة، ضمن بيئتها والثقافة التي أنتجتها. إن مثل هذا المنهج الصارم في المقارنة يجب أن يحلَّ محل المنهج القديم الذي اختطَّه السير جميس فريزر في موسوعته المعروفة: الغصن الذهبي The Golden Bough، في أوائل هذا القرن، ومارس تأثيرًا على سلسلةٍ من الباحثين في الأنثروبولوجيا النظرية والميثولوجيا، كان أولهم روبرت بريفو Robert Briffault في كتابه The Mothers، وآخره جوزيف كامبل في ثلاثيته The Masks of God حيث يتم تقديم الفكرة الأسطورية ثم إتباعها بحشدٍ من الأمثلة الموضحة المستمدة من ثقافاتٍ متباعدة، والمنتزعة من سياقاتها وترابطاتها المحلية.

وفيما يتعلق بنصِّ خصاء آنوس الذي بين أيدينا، فإننا لا نستطيع أن ندرسه على الخلفية الثقافية الحورية؛ وذلك لندرة النصوص الحورية، وخصوصًا الأدبية والأسطورية منها. فنحن لا نملك حتى الآن سوى نصَّينِ ميثولوجيين حوريين مكتوبين باللغة الحثية. من هنا لا بدَّ لنا من اللجوء إلى ربط نصنا بأكثر الأنساق الميثولوجية قربًا إليه، وهو النسق الأكادي/البابلي. فلقد تجاور الحوريون مع سكان وادي الرافدين، ومارست الثقافة الأكادية على الحوريين تأثيرًا أكبر من تأثير الثقافة السورية. يدلنا على ذلك استخدام اللغة الأكادية في كتابة معظم الوثائق الحورية/الميتانية، وتداخل بانثيون الآلهة الحورية مع بانثيون الآلهة البابلية.

ومن ناحيةٍ ثانية، فإن الصلة الوثيقة بين الجماعات الحورية والجماعات الهندو أوروبية التي وفدت إلى مناطق الحوريين، بعد قدوم هؤلاء بفترةٍ قصيرة، وشكلت طبقةً حاكمة في مملكة ميتاني التي كان الحوريون قاعدتها السكانية، تدفعنا إلى البحث عن روابطَ ثقافية حورية-هندو أوروبية يمكن لها أن تضيء جوانب من موضوعنا، وإلى أخذ نسقين ميثولوجيين هندو أوروبيين بعين الاعتبار، هما النسق الحثي والنسق الإغريقي. فلقد شهد النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد عددًا من التحركات والهجرات لجماعاتٍ رعوية محاربة تتكلم بلغاتٍ هندو أوروبية. فإلى آسيا الصغرى توجهت الجماعات التي عُرفت تاريخيًّا باسم الحثيين، وإلى مناطق الشمال السوري توجهت الجماعات التي عُرفت باسم الميتانيين، وإلى أرض اليونان القارية توجهت الجماعات التي حملت إليها اللغة الإغريقية. ويغلب الظن أن الحوريين والميتانيين والحثيين والإغريق كانوا يتشاركون مناطق السكن نفسها، قبل أن يبدءوا تحركاتهم الكبرى.

هذا عن النسق. وأما عن الزمرة التي تنتمي إليها أسطورة خصاء آنوس، فإن النص لا يُخفي لأول وهلةٍ شبهه من حيث البنية العامة بأساطير التكوين في كلٍّ من بابل واليونان، ولكننا لا نعثر على ما يشبهه في الميثولوجيا الحثية؛ لأن ما نعرفه حتى الآن عن الميثولوجيا الحثية لا يحتوي على نصٍّ متكامل في الأصول والتكوين. من هنا فإن مقارنة أسطورة خصاء آنو بأساطير التكوين البابلية والإغريقية، سوف تقدم لنا الإضاءات اللازمة على النص.

تقوم أسطورة التكوين البابلية على عنصر الصراع بين أجيال الآلهة. وهذا الصراع يعكس ثلاثة عصور متتابعة تؤدي في النهاية إلى استتباب نظام الكون بعد خروجه من رحم العماء. ففي البدء كان العماء المائي ممثلًا بثلاثة آلهة هي تعامة؛ الماء المالح والأم الأولى، وأبسو؛ الماء الحلو والزوج الأول، وممو؛ الذي ينتج عنهما والذي نرجِّح أن يكون الضباب المنتشر فوقهما. ثم أخذت هذه الآلهة البدئية تتكاثر؛ فنشأ عنهما أولًا الثنائي لهمو ولهامو (اللذان يمثلان في تفسير المدرسة الطبيعانية الطمي والرواسب المائية)، وعن هذَين نشأ الثنائي أنشار وكيشار (اللذان يمثلان في تفسير المدرسة الطبيعانية الجانب السماوي والجانب الأرضي من خط الأفق)،١٧ ثم أنجب أنشار وكيشار بكرهما آنو، وأنجب آنو ابنه إيا الذي كان واسع الحكمة شديد الدهاء والذكاء وأكثر قوة وعتيًّا من آبائه. وقد كان هذا الجيل الثاني من الآلهة في حالة حركة دائبة، يصخبون في جوف تعامة ويسببون الأرق والإزعاج للآلهة القديمة، حتى فكرت بإفنائهم والتخلص من ضجيجهم لتعود إلى حال السكون الأولى. وبعد تشاورٍ في الأمر قرَّر أبسو شن حملة على الجيل الثاني، ووقف إلى جانبه ممو، أما تعامة فآثرت الحياد لعدم رغبتها في قتل أبنائها. فبادر الجيل الثاني إلى تعيين إيا قائدًا عليهم. وعندما التقى الجمعان قام إيا بإلقاء تعويذته السحرية على أبسو فشُلَّت حركته، ثم عمد إليه فقتله وأسر وزيره ممو. وفوق أبسو؛ الماء العذب، أقام إيا مسكنه وعاش فيه مع زوجته دومكينا. وفي بيت الأقدار هذا، كما يصفه النص، وُلد مردوخ بكر إيا ودمكينا والذي يصفه النص بقوله: «تخلب الألباب قامته، تلمع كالبرق عيناه، ويخطو بعنفوانٍ ورجولة. بفنٍّ بديع تشكلت أعضاؤه، لا تدركه الأفهام ولا يحيط به خيال.»

ابتهج الآلهة بمقدم مردوخ وأعلوه فوقهم جميعًا. خلق آنو الرياح الأربع وسلَّمها إليه، فراح مردوخ يصرف الرياح ويحدِث فيها الأمواج التي اضطربت لها تعامة، فصارت قلقلةً حائرة تحوم على غير هدًى، والآلهة البدئية الأخرى نسيت الراحة في خضم العاصفة الهائجة، فجاءت إلى تعامة تحرضها على القتال والانتقام لزوجها القتيل. خلقت تعامة أحد عشر نوعًا من الوحوش المخيفة وجهزت جيشًا وضعت على رأسه الإله كينغو، وتهيأت لشن المعركة. أما الإلهة الشابة من الجيل الثالث فقد لجأت إلى مردوخ وأسلمته القيادة بعد أن تنصَّل منها أفراد الجيل الثاني. لما التقى الجمعان اضطربت صفوف جيش تعامة لمرأى مردوخ وخارت قواهم، فتقدَّم مردوخ واشتبك مع تعامة في معركةٍ منفردة. رمى عليها شبكته التي تحملها الرياح الأربع، ثم أفلت في جوفها الرياح الشيطانية فتهاوت عند قدميه. عند ذلك عمد إلى قتلها ثم شقها إلى نصفين صنع من واحدهما السماء ورفعها إلى الأعلى، وأرسى الآخر فصنع منه الأرض. ثم التفت بعد ذلك إلى صنع بقية أجزاء الكون وتنظيمه. وأخيرًا صنع الإنسان من ترابٍ ممزوج بدم الإله كينغو الذي جرى إعدامه. وكان هذا آخر عمل مبدع قام به؛١٨ معه ابتدأت سيادة الجيل الثالث من الآلهة على الكون.

رغم عدمت تشابه الأحداث في الأسطورتين البابلية والحورية، واختلافهما في التفاصيل؛ إلا أنهما تقومان على فكرةٍ أساسية واحدة هي فكرة الصراع بين أجيال الآلهة. ففي الأسطورة البابلية تتتابع ثلاثة أجيال من الآلهة هي جيل أبسو فجيل إيا فجيل مردوخ. وهذا التتابع هو تمثيلٌ رمزي لكيفية خروج الكون من مرحلة العماء الذي لا شكل له، إلى مرحلة التشكيل والتكون، فمرحلة التنظيم. وفي الأسطورة الحورية تتتابع أربعة أجيال: هي جيل الألوس، فجيل آنوس، فجيل كوماربي، فجيل إله العاصفة. وتفيدنا مقارنة الأسطورتين في فهْم مغزى الصراع الذي يدور بين أجيال الآلهة في الأسطورة الحورية. فهذا الصراع ليس سياسيًّا يهدف إلى السيطرة على عرش السماء، وإنما هو أيضًا نوعٌ من التمثيل الرمزي لمرحلة تنظيم العالَم في التصورات الحورية. ورغم الشكل المختزل للأسطورة الحورية وعدم احتوائها على تفاصيل مشابهة لتفاصيل الأسطورة البابلية، فإنها يجب أن تُدرس وتُفهم على هذا الأساس.

وتقدم لنا أسطورة التكوين الإغريقية من جانبها نموذجًا أقرب من حيث البنية والأحداث إلى الأسطورة الحورية. يقول هزيود في كتابه أصول الآلهة: «في البداية لم يكن سوى العماء المائي المظلم المتسع بلا حدود. من هذا العماء ظهرت جَيا؛ الأرض الراسخة الأثداء، وبعدها ظهر إيروس؛ الحب الذي دخلت قدرته في صلب الأشياء والكائنات جميعًا. كما وُلد من العماء أريبوس؛ الهاوية المظلمة، ووُلد الليل، ومنهما وُلد الأثير والنهار. ثم إن جَيا؛ أول الآلهة، خلقت الجبال العالية والبحر الواسع بأمواجه المتناغمة، وأنجبت دون زوجٍ بكرها أورانوس؛ السماء المتوجة بالنجوم، فغطاها من جهاتها جميعها وتزوجته. وعند قران الأرض والسماء ظهر الآلهة التيتان؛ إلا أن هؤلاء لم يروا النور لأن أورانوس كان يبقي على أولاده سجناء في أعماق أمهم الأرض غير عابئ بتوسلاتها. وعندما ولدت جيا كرونوس، اتفقت معه على التخلص من أبيه وتحرير إخوته. كمَنَ كرونوش عند فوهة رحم الأرض ومعه منجلٌ حادٌّ زوَّدته به أمه. وعندما أقبل أورانوس لمضاجعة زوجته مساء، انبرى له كرونوس وخصاه بالمنجل ثم رمى بأعضائه التناسلية بعيدًا. سالت الدماء من الجرح النازف وسقطت على التربة فوُلدت منها الإيرينيات ربات الانتقام، والعمالقة، وحوريات الدردار. أما الأعضاء المفصولة فقد وقعت في البحر وتسربت منها المادة المخصبة فصارت زبد البحر الذي تمخَّض وأنجب أفروديت؛ وبذلك ينتهي عصر أورانوس ليبدأ عصر كرونوس.

تزوَّج كرونوس من أخته رحيا التي خرجت من باطن الأرض مع بقية الآلهة التيتان، ولكن سلوك كرونوس حيال أولاده لم يكن بأفضل من سلوك أبيه. فبعد صعوده إلى سُدة السلطان أخذ يبتلع أولاده من رحيا حال ولادتهم، خوفًا من منازعة أحدهم له مثلما فعل هو بوالده. وهكذا كبر وترعرع الجيل الثاني من الآلهة في جوف أبيهم كما كبر وترعرع الجيل الأول في جوف أمهم. وعندما ولدت رحيا آخر أبنائها زيوس كانت عازمةً على الاحتفاظ به، فدفعت إلى كرونوس حجرًا ملفوفًا في قماط فابتلعه معتقدًا أنه المولود الجديد. أما زيوس فقد أخفته أمه في جزيرة كريت وعهدت به إلى الحوريتين إدراستيا وإيدا ابنتَي ملك الجزيرة. وعندما كبر صمم زيوس على العودة والانتقام من أبيه. وهناك أجبره على أخذ شراب جهَّزته الإلهة ميتيس، وسبَّب له الإقياء الذي ساعد إخوة زيوس على الخروج من جوف أبيهم، ثم نفاه إلى أقاصي الأرض حيث أقام هناك بعيدًا عن مشكلات العالَم.»١٩

تكشف هذه الأسطورة الإغريقية عن تشابه في البنية العامة، وفي العناصر الرئيسية مع الأسطورة الحورية، على ما تُبينه المقارنة الآتية:

  • (١) جَيا أول الآلهة تنجب أورانوس/السماء، وتتزوجه.– ألالوس أول الآلهة وأبوهم ينجب آنوس/السماء الذي يخدمه طيلة تسع سنوات.
  • (٢) أورانوس يسود على الكون ويسجن أولاده في باطن الأرض جيا، وبينهم كرونوس آخر مواليد جيا.– يتمرد آنوس على ألالوس فيقصيه عن العرش ويحكم بدلًا عنه.
  • (٣) يتمرد كرونوس على أبيه ويخصيه بمنجلٍ حادٍّ عندما أقبل لمضاجعة أمه.– يتمرد كوماربي على أبيه ويعض على قضيبه بأسنانه.
  • (٤) ينسكب دم الجرح من أورانوس وينسكب على الأرض وينتج عن تلاقح الدم والتربة العمالقة وآلهة أخرى.– يبتلع كوماربي سائل أبيه، ثم يبصق منه على الأرض فينتج عن تلاقح الأرض والسائل إلهانِ. أما بقية المادة فتنزل إلى بطن كوماربي وتنتج بذورها إله العاصفة، الذي ينمو في بطن أبيه.
  • (٥) كرونوس يسود ويبتلع أولاده، كما يبتلع زيوس رمزيًّا عن طريق ابتلاعه الحجر ملفوفًا في قماط، بينما يشب زيوس في مخبئه حتى بلوغه سن الرشد.– كوماربي يسود وإله العاصفة ينمو في بطنه حتى يبلغ الرشد في وقت المخاض.
  • (٦) يتشاور إله العاصفة مع آنوس حول أفضل طريقة للخروج من بطن كوماربي.– تتعاون الإلهة ميتيس مع زيوس بإعدادها شرابًا مقيئًا يساعد الآلهة الحبيسة على الخروج من فم كرونوس، بما فيهم الحجر الذي ابتلعه على أنه زيوس نفسه.
  • (٧) كرونوس يتقيأ أولاده بالإكراه وزيوس يقهره وينفيه. زيوس يسود.– إله العاصفة يخرج بالقوة وبعون تعاويذ إيا السحرية فيقهر أباه وينفيه. إله العاصفة يسود.

نلاحظ من هذه المقارنة مدى تشابه الأسطورتين في البنية العامة وتوافق عناصرهما الرئيسية. ورغم أن زيوس في الأسطورة الإغريقية قد نجا من الابتلاع نتيجة حيلة دبرتها أمه؛ إلا أني أرجح أن ابتلاع الحجر هو عنصرٌ مستحدث على الشكل الأصلي للأسطورة، وأنها كانت تتضمن في الأصل قيام كرونوس بابتلاع زيوس، ثم خروج هذا على رأس إخوته بطريقةٍ ما؛ ذلك أن خدعة جيا تبدو لي فكرة مستمدة من الفولكلور الشعبي، وواهية الصلة بالأفكار الميثولوجية الأصيلة.

وكما قلنا عند مقارنتنا مع الأسطورة البابلية، فإن الأسلوب المختزل للنص الحوري، وخلوه من التفاصيل التي يمكن أن تضيء لنا ماهية كل عصر من العصور المتتابعة، وما يقابله من التحولات الكونية التي قاد تسلسلها إلى تنظيم الكون، يخفي طابعه العام كنصٍّ في أصول العالم وتنظيمه. إلا أن البنية المشتركة بين النص الحوري والنص الإغريقي يجب أن توجه أنظارنا إلى رؤيته في الإطار العام لأساطير الأصول وتنظيم العالم، ودراسته على هذا الأساس.

غير أن الأسطورة الحقيقية لا تسلِّم نفسها لمستوى واحد من التفسير لأنها تقوم في الأصل على عدة مستويات من الطرح الزمني؛ الأمر الذي يفرض علينا بالمقابل أن نعمد إلى حفرياتٍ تخترق المستوى الأول للتفسير لتصل إلى المستويات التحتية للطرح الأسطوري. وفي حالة أسطورتنا المركبة هذه، فإن تفسيرنا المبدئي لا يعطي كل عناصر الأسطورة حقها من التوضيح. فصراع الأجيال يمكن أن يجري دونما حاجة إلى ابتلاع الأولاد في الأسطورة الإغريقية وإقامتهم في بطن أبيهم إلى بلوغ سن الرشد، وأيضًا دونما حاجة إلى حبَلٍ ذكَري وولادة غير طبيعية في الأسطورة الحزينة. فكيف نفسر هذه العناصر في الأسطورتين؟

إنَّني لا أستطيع تلمُّس أي معنًى لهذه العناصر الغريبة في الأسطورتين إلا من خلال صراع الثقافة الأمومية القديمة مع الثقافة الذكرية البطريركية الجديدة، ومنعكسات هذا الصراع في الميثولوجيا. والفكرة التي تقوم عليها هذه العناصر هي فكرة الحَمْل الذكري التي نستطيع التعرف عليها في أكثر من أسطورةٍ إغريقية.

إن عنصر ابتلاع السائل المنوي والحمل بإله العاصفة في الأسطورة الحورية، يعادل من حيث القيمة الرمزية عنصر ابتلاع الأولاد في الأسطورة الإغريقية. وكلَّا هذَين العنصرَين يخدم فكرة الحمل الذكري. وهي بقية ميثولوجية من بقايا الصراع الكبير بين الميثولوجيا الذكرية والميثولوجيا الأمومية، والذي عكس ذلك الصراع الاجتماعي الحاسم عند مطالع التاريخ، عندما كانت المجتمعات الإنسانية تنتقل من الثقافة القروية إلى الثقافة المدنية.٢٠ فالإله الذَّكر في الأساطير التي تقوم على هذه الفكرة، يدَّعي لنفسه أهم وظيفة من وظائف الأنثى، ويثبت أنه قادرٌ على الحمل أيضًا. وغالبًا ما يكون هذا الحمل حملًا من الدرجة الثانية؛ أي إن المولود الإلهي الجديد يدخل في جسد الأب بعد خروجه من رحم الأم، حيث يقيم فترةً كافية تطهره من آثار الأمومة وتقطع روابطه بكل ما تمثله الأم من قيمٍ أنثوية. لقد عاش الآلهة التيتان من أولاد الأرض جيا في رحم أمهم وترعرعوا هناك في فترة حملٍ طويلة استمرت حتى شبُّوا عن الطوق. وهؤلاء التيتان هم آلهة الثقافة الأصلية في بلاد اليونان قبل قدوم القبائل الهندو أوروبية إليها. أما الآلهة الأوليمبيون من إخوة زيوس، وهم الآلهة الحقيقيون للقبائل الإغريقية الهندو أوروبية ذات التقاليد البطريركية؛ فقد خرجوا من رحم الأم رُضَّعًا ليكبروا ويشبوا عن الطوق في جوف أبيهم. وإذا كانت الأم قد أعطتهم الحياة البيولوجية، فإن الأب هو الذي وهبهم الحياة الثقافية.

ولدينا أسطورتان إغريقيتان أخريان تقومان على عنصر الحمل الثاني الذكري؛ هما أسطورة مولد ديونيسيوس وأسطورة مولد أثينا. في أسطورة مولد ديونيسيوس تطلب سيملي من زوجها زيوس أن يظهر لها في هيئته الأصلية كإلهٍ للصواعق والبروق، وعندما يفعل ذلك تموت سيملي هلعًا من المنظر المخيف وتهبط إلى العالم الأسفل وهي حاملة بديونيسيوس. يستطيع زيوس إنقاذ الجنين من بطن أمه ولكن قبل اكتمال نموه، ثم يعمد إلى شق فخذه ويودِع الجنين هناك ويخيط الشق عليه. يُكمل الجنين ما تبقَّى له من شهور الحمل، ثم يخرج إلى الحياة في ولادةٍ ثانية بعد أن أمضى قِسمًا من أشهر الحمل في رحم أمه وقسمًا آخر في فخذ أبيه. أما في أسطورة مولد أثينا، فإن زيوس يقوم بابتلاع ميتيس أولى زوجاته؛ الإلهة الفائقة الحكمة، وذلك إثر نبوءة حذَّرته من أنها حاملٌ بمولودٍ سوف يتحدى سلطانه. تُكمل ميتيس فترة حملها في جوف زيوس ثم تلد الإلهة أثينا التي صعدت إلى رأس أبيها تحاول الخروج دون جدوى. انتاب زيوس صداعٌ أليم بسبب اضطراب أثينا في رأسه، وهنا تطوع الإله الحداد هيفيستوس لحل المشكلة وعمد إلى شج رأس زيوس بفأس، ومن الجرح العميق خرجت أثينا في عدة الحرب الكاملة.

ولرُبَّ سائلٍ يسألنا هنا: كيف ينطبق تفسيرنا لفكرة الحمل الثاني على الإلهة أثينا وهي امرأته؟ ولتوضيح هذه النقطة يجب أن ننظر إلى شخصية أثينا كما رسمتها الميثولوجيا الإغريقية. فأثينا هي ربَّة الحرب وربَّة الذكاء والحصافة، وحارسة المدن الحصينة، وحامية البنائين والنحاتين وأصحاب الحرف. لم تتزوج ولم يخفق قلبها بحب أحدٍ بل حافظت على عذريتها ولم يقربها رجل. تُمثلها الأعمال الفنية دائمًا في عدة الحرب الكاملة.٢١ فأثينا والحالة هذه أقرب لأن تكون فكرة مجردة منها لإلهة محددة مشخصة. إنها الأفكار التي تصدر عن عقل الرجل، والذكاء البرجماتي الذي يصنع بواسطته تقاليد المدنية. إن الرجل يحبل ويلد أيضًا كما المرأة ولكنه يلد الأفكار التي تصدر عن رأسه كما صدرت أثينا عن رأس أبيها. إنه الحمل على المستوى الثقافي الذي يعادل حمل المرأة على المستوى البيولوجي الطبيعاني. من هنا قامت هذه الأسطورة البطريركية بتكريس «الفكرة» كمولود ذكري، يتكون في جوف الرجل ثم يخرج من رأسه بعد أن تطهر من آثار الأمومة وتنقى من شوائبها. لقد ذهب عالِم النفس المعروف سيجموند فرويد إلى القول بأن الأنثى في المجتمع الذكوري تملك في لاشعورها حسدًا للذكر من امتلاكه للقضيب، ولكن يبدو أن الرجل كان يملك من لاوعيه حسدًا للمرأة بسبب مقدرتها على توليد الحياة بالحمل والإنجاب، وذلك قبل أن يوطد سيطرة قيمة الذكرية في مجال المجتمع والسياسة. فكان عليه أن يُثبت من خلال الأسطورة مماثلته لها في هذه الوظيفة الأساسية.

ولعلنا واجدون في طقوس العبور التي يخضع لها الفتيان في بعض الثقافات التقليدية، ما يوضح الخلفية الثقافية التي يقوم عليها عنصر الحمل الذكري، بما هو تطهير المولود من آثار الحمل الأمومي، وهو العنصر الميثولوجي الذي وصل أعلى درجات التطرف في أسطورة خصاء آنوس الحورية، عندما حمل كوماربي مباشرة من قضيب أبيه، فنما في بطنه إله العاصفة في غنًى عن الحمل الأوَّلي في رحم امرأة. فلدى العديد من القبائل البدائية،٢٢ يُترك الأطفال الذكور في عُهدة أمهاتهم منذ الولادة إلى سن البلوغ. ثم يخضع الفتى الذي قارب سن البلوغ إلى طقس تطهيري رمزي، يخلصه من شوائب الفترة التي قضاها في رعاية أمه وفي بيئةٍ نسائيةٍ بحتة، ويهيئه للانضمام إلى عالَم الرجال. وهنا يأتي ممثلون عن رجال القبيلة فينتزعون الفتى من بيت أمه ويعزلونه في كوخٍ خارج القرية، حيث يخضع لأنواعٍ مختلفة من التابو المتصل بعالَم النساء. وبين الحين والآخر يعود الرجال إليه فيؤدون حوله طقوسًا خاصة تساعده على الولادة الجديدة من عالَم النساء إلى عالَم الرجال. وأخيرًا يخرج من معتكفه ليغدو عضوًا كاملًا في جماعة الذكور البالغين. وفي أول خروج له من عزلته غالبًا ما تتضمن الإجراءات الطقسية قيام الفتى بتأدية حركاتٍ رمزية أمام أمه من شأنها الإيحاء بانقطاعه نهائيًّا عنها وازدرائه للعالَم النسائي.

نأتي الآن إلى النوع الرابع من الأساطير، وهو النوع الذي يستعصي على التفسير، ولا نستطيع حياله إلا الخروج بافتراضاتٍ تبقى أفضل من «الفوز من الغنيمة بالإياب»، على حد قول المثل المعروف.

(٤-٤) النموذج المستغلق

أسطورة إنكي وننخرساج

البطلان الرئيسيان في هذه الأسطورة السومرية التي أُلخصها هنا، هما: إنكي إله الماء العذب والحكمة، وننخرساج الأم/الأرض. عاش إنكي وننخرساج عند مطلع الأزمان في أرض دلمون؛ الجنة النقية الطاهرة التي لا يعرف ساكنوها الألم والمرض والشيخوخة، ولا يعتدي فيها مخلوقٌ على آخر، ولكن الأرض كانت قاحلةً، فطلبت ننخرساج من زوجها إنكي أن يُجري الماء في الجزيرة، ففعل ذلك بمعونة إله الشمس وإله القمر، فاخضرَّت الأرض وارتوى الزرع. ثم أخرج إنكي قضيبه وروى الأخاديد في الأرض وغمر حقول القصب، وأمر رسوله وتابِعه إيسموند، بألا يسمح لأحد أن يقترب من السبخات المائية. بعد ذلك ضاجع إنكي زوجته فحملت منه، وبعد تسعة أيام يعادل كلٌّ منها شهرًا كاملًا أنجبت الفتاة ننمو، التي ترعرعت بسرعةٍ إلى طور الصبا. وبينما كانت الفتاة تتجول عند السبخات المائية رآها إنكي، فقطع بمركبه إلى الضفة الأخرى وضاجعها هناك. حملت ننمو من أبيها، وبعد تسعة أيام يعادل كلٌّ منها شهرًا كاملًا أنجبت الفتاة ننكورا. وبينما كانت ننكورا تتجول في السبخات المحظورة جاءها إنكي وضاجعها فحملت منه، وبعد تسعة أيام يعادل كلٌّ منها تسعة أشهر وضعت الفتاة أتو. وقبل أن يعمد إنكي إلى إغواء البنت الجديدة، تقول لها ننخرساج بألا تستسلم له قبل أن يأتيها بأنواعٍ معينة من الخضار والثمار من الأراضي الصحراوية البعيدة، بينها العنب والخيار. ويبدو أنها كانت تعتقد بعدم قدرة إنكي على استنبات تلك المناطق، ولكن إنكي يفيض بمائِه على الأراضي البعيدة ويرويها، ويقوم بستانيٌّ لا نعرف هويته برعاية النباتات حتى تكبر وتنمو فيأتي بها إلى إنكي. يقدم إنكي النباتات إلى أتو فتستسلم له، ولكن ننخرساج تسرع إليهما وتنتزع بذور إنكي من بين ساقَي الفتاة. لا ندري ماذا فعلت ننخرساج ببذور إنكي؛ لأن النص ينتقل مباشرةً من انتزاع البذور إلى القول بأن ثمانية أنواع من النباتات قد وُلدت منها. نمَت النباتات وكبرت. وبينما إنكي يتجول مع تابعه إيسموند، وقع بصره على النباتات الغريبة فسأله عن أسمائها، وكان كلما ذُكر له اسم واحدة منها اقتلعها له فأكلها، وذلك «ليعرف أسماءها ويقدر مصائرها»، على حد قول النص، وهكذا حتى أتى عليها جميعًا. تثور ننخرساج لفعلة إنكي وتلعنه قائلةً: إلى آخر أيامك لن أنظر إليك بعين الحياة. ثم تختفي.

يقع إنكي مريضًا إثر لعنة ننخرساج، وتستوطن في جسده ثماني عللٍ بعدد النباتات التي أكلها. يؤدي مرض إنكي إله الماء إلى قحط يعمُّ الأرض، فيجزع الآلهة ويبحثون عن ننخرساج يلتمسونها أن ترفع لعنتها عن إنكي فلا يجدونها. وأخيرًا يتطوع الثعلب للبحث عنها فيجدها. وعندما تحضر إلى مجمع الآلهة يمسكون بأطراف عباءتها ويرجونها أن ترفع لعنتها عن إنكي فتستجيب. تعمد ننخرساج إلى وضع إنكي في فرجها ثم تسأله عن الذي يؤلمه:

ننخرساج أجلست إنكي في فرجها:

– ما الذي يوجعك يا أخي؟

– إن … يوجعني.

– لقد استولدت لك الإلهة أيو.

– ما الذي يوجعك يا أخي؟

– إن فكي يوجعني.

– لقد استولدت لك الإلهة ننتولا.

– ما الذي يوجعك يا أخي؟

– إن أسناني تؤلمني.

– لقد استولدت لك الإلهة ننسوتوز.

– ما الذي يوجعك يا أخي؟

– إن فمي يؤلمني.

– لقد استولدت لك الإلهة ننكاسي.

وتستمر هذه الحوارية حتى تستولد ننخرساج ثماني إلهات للشفاء بعدد أوجاع الإله إنكي الذي يسترد صحته وعافيته. وتنتهي الأسطورة على هذا النحو.٢٣ ورغم أن النص شديد التكثيف والإيجاز عند هذه النقطة، ولكننا نفهم منه أن ننخرساج تستولد إلهات الشفاء الثماني هذه من بطن إنكي، وأن هذه الإلهات هي النباتات الثماني التي أكلها فتحولت في بطنه إلى كائناتٍ إلهية تحاول الخروج إلى الحياة. وربما لهذا السبب قامت ننخرساج بوضع إنكي في فرجها ليكون قادرًا على إطلاق النباتات من جوفه فيما يشبه الولادة الطبيعية.

يقع هذا النص في حوالي ٢٧٠ سطرًا، هو خالٍ تقريبًا من النقص والتشوهات وواضح الكلمات والصيغ والتعابير، وخالٍ من الإشكاليات اللغوية. ومع ذلك فإن التأمل في معناه يضعنا أمام جدار مصمت لا نافذة فيه ولا باب. فما الذي تقصد أن تقوله هذه السلسلة من الأحداث التي تنتقل بنا من شيفرةٍ إلى أخرى؟ وأيُّ معنًى يكمن خلف هذا النص الذي يتسلسل دونما روابط منطقية، ودونما سببية مقنعة؟

لا شك أن التحليل المتأني يساعدنا على فهْم أجزاءٍ متفرقة من النص، ولكن دون أن نستطيع ربط هذه الأجزاء في النهاية بما يساعدنا على استيعاب الرسالة الإجمالية. من الجوانب الواضحة مثلًا أن الجنة الأولى التي تم زرعها في الأرض إنما نتجت عن اتحاد الماء بتربة الأرض؛ أي زواج إنكي-الماء من ننخرساج-الأرض. فنحن في مطلع النص أمام أسطورةٍ تنتمي إلى ميثولوجيا الأصول والتكوين، وهي تبدأ بوصف كمال البدايات قبل أن يتطرق الفساد إلى مظاهر العالَم ويدخل في نسيج الحياة. كما أننا أمام تأسيسٍ لفكرة صلة العلاقات الجنسية بخصب الأرض، وتبادلها تأثيرًا سحريًّا تعاطفيًّا. فزواج إنكي من ننخرساج يأتي بعد سلسلةٍ من نشاطات إنكي الإخصابية. وهذا الزواج يعمل بدوره على الإيحاء للطبيعة بالإخصاب. وفي نهاية النص نجد أنفسنا أمام جانبٍ إيتيولوجي تسويغي يفسر كيفية ظهور إلهات الشفاء ووظيفتهن في علاج الأمراض. قد تُشعرنا هذه التفسيرات وتشغلنا عن بقية التفاصيل، أو تعطينا مسوغًا لتجاهلها كما تجاهلها الآخرون من دارسي هذه الأسطورة. وهذا ما لن نفعله هنا. فماذا عن قيام إنكي بمضاجعة ابنته ثم حفيدته فابنتها أيضًا؟ ما الذي تمثله هذه الإلهات الثلاث المدعوات ننمو وننكورا وأتو؟ لماذا هرعت ننخرساج ونزعت بذور إنكي من رحم أتو؟ لماذا ابتلع إنكي بناته الثماني وهنَّ النباتات التي نمت من بذوره المنتزَعة من رحم أتو؟

إن استعراض أهم التفسيرات التي قدمت لهذا النص يدلنا على مدى غموضه واستعصائه، وبقاء رسالته خفية على مناهجنا وطرائقنا في التفكير.

في كتابه الصادر عام ١٩٦٣م تحت عنوان «السومريون»، لم يضف الباحث المرموق في السومريات صموئيل نوح كريمر أي جديد في تفسير هذه الأسطورة، على ما قدَّمه عام ١٩٤٣م في كتابه الميثولوجيا السومرية. فبدلًا من السعي إلى إلقاء أضواء جديدة على النص، نراه يتابع ويوسع عقد المقارنات بين النص السومري وأسطورة الفردوس التوراتية. فجنة إنكي وننخرساج تشبه في براءتها الأولى جنة آدم وحواء. والمياه التي فجَّرها إنكي لسقي دلمون تشبه النهر الذي جرَّه يهوه في جنة عدن والذي تفرَّع إلى أربعة أنهر. واللعنة التي نزلت على إنكي جرَّاء أكله النباتات الثماني، تشبه اللعنة التي نزلت على آدم جرَّاء أكله من ثمار شجرة المعرفة. ثم يسير كريمر شوطًا أبعد في عقد مثل هذه المقارنات الواهية، عندما يعقد صلةً بين اسم حواء في النص العبري واسم إحدى إلهات الشفاء المدعوة نن-تي، والتي استولدت لشفاء ضلع إنكي. فالاسم بالسومرية يعني سيدة الضلع، حيث المقطع الأول نن يعني سيدة، والثاني تي يعني الضلع. كما أن الاسم في الوقت نفسه يعني سيدة الحياة أو التي تحيي؛ لأن المقطع تي يؤدي أيضًا معنى صنع الحياة؛ وبذلك تشبه هذه الإلهة حواء التي وُلدت من ضلع آدم؛ فهي سيدة الضلع، ويفيد اسمها معنى صنع الحياة في الوقت نفسه.٢٤ ونحن لو سلَّمنا جدلًا بمشروعية مثل هذه المقارنات، فإننا لا نجد فيها ما يلقي ضوءًا على النص السومري. وكريمر نفسه لم يخلص منها إلى نتيجةٍ واضحة. إضافةً إلى أنه قد تفادى تمامًا معظم العناصر الغامضة في النص.

أما ثوركيلد جاكوبسن، الباحث المعروف الآخر في السومريات، فيقدم لنا في كتابه The Treasures of Darkness٢٥ تفسيرًا ذا طابع عمومي يقفز فوق التفاصيل. يرى جاكوبسن أن الأسطورة ترجع في أصولها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، حين تأسست في جنوبيِّ وادي الرافدين شبكة من القنوات المائية التي أحدثت انقلابًا اقتصاديًّا كبيرًا، قام على الإفادة القصوى من ماء النهرين الكبيرين. من هنا، فإن العنصر الرئيسي الذي تقوم عليه الأسطورة هو زواج إنكي الذي يمثِّل ماء النهر، من ننخرساج التي تمثل حقول الطمي التي تحف به. فإنكي-الماء، يفيض في جزءٍ من السنة ليروي المناطق اللحقية الممتدة على الضفتين، ثم يعود النهر تدريجيًّا إلى سريره الأصلي تاركًا التربة ننخرساج بعد أن لقَّحها، وأثناء انحساره يكشف عن أرضٍ مخصبة أخرى تنتج بدورها نباتات جديدة هي إلهات النبات الثلاث ننمو وننكورا وأتو. وفي انتظار عودة النهر مرةً أخرى إلى الفيضان، يكون إنكي مريضًا والإلهة ننخرساج التي لعنته مختفية عن الأنظار، وذلك إلى أن يعثر عليها الثعلب وتعود لشفاء المريض.

يتَّبع هذا التفسير، وبدقةٍ متناهية، منهج جاكوبسن الذي يمكن أن ندعوه بمنهج المجاز الطبيعاني، الذي يجعل من ظواهر الطبيعة شخصيات إلهية، ويرى إلى الأسطورة باعتبارها بنية رمزية تقابل نقطة فنقطة جانبًا من العالَم الطبيعاني. ورغم أن تفسيره هنا يبدو جذابًا للوهلة الأولى ومنسجمًا مع روح المنهج المستخدم؛ إلا أننا سرعان ما نتبين أنه قد قفز فوق العديد من التفاصيل المهمة، شأنه في ذلك شأن كريمر. ولسوف أحاول من جانبي تقديم تفسير يطمح إلى شموليةٍ أكثر، ويعمل على الإحاطة بمعظم التفاصيل التي تركها الآخرون، والربط فيما بينها على نحوٍ مقنع، ولكن مع الاعتراف مسبقًا بالتقصير عن بلوغ الأرب.

إن نصًّا على هذا القدر من الغرابة والتعقيد، ذو بنيةٍ متراكبة تتطلب منا أن ننظر إلى مستوياته من زوايا مختلفة، بحيث تعطينا كل زاوية مستوًى للفهم مختلفًا ومكملًا للمستويات الأخرى؛ فالنص كما رأى جاكوبسن بحق، هو نتاج فترة مبكرة من الثقافة السومرية، كانت خلالها مشغولةً بتأسيس البِنى التحتية لنظام ري وإنتاج زراعي دام ألفين من السنين على أقل تقديرٍ. والشخصيتان الرئيسيتان هنا هما الماء والتربة، وما نجم عن علائقهما من مظاهرَ تنتمي إلى عالم الطبيعة والنبات. وهذا هو المستوى الأول لفهم الأسطورة. أما المستوى الثاني فتأمُّلي فلسفي، ومفتاحنا إليه هو الحالة التي كانت عليها أرض دلمون في البدايات الأولى، والحالة التي صارت إليها بعد ذلك، مع النظر إلى سلسلة الأسباب والنتائج التي قادت إلى تبدُّل الأحوال. فأرض دلمون كما يصفها مطلع النص هي: «مكانٌ طاهر، مكانٌ نظيف، مكانٌ مضيء؛ حيث لا يفترس الأسد ولا يفترس الذئب؛ حيث لا يعرف أحدٌ رمد العين ولا أوجاع الرأس؛ حيث لا يشتكي الرجل من الشيخوخة والمرأة من العجز؛ حيث لا وجود لمنشدٍ يندب ولا لجوال ينوح.» ولكن ما الذي حلَّ بهذه اليوتوبيا البدئية بعد ذلك؟ لقد هُزت أركانها وتضعضعت أُسسها، فحلَّ الشقاق محل الوئام، والمرض محل الصحة الدائمة، وتنازع الإرادات محل التناغم المطلق والانسجام. وباختصار؛ فنحن هنا أمام سقوط ذريع من عصر البراءة الذي وصفته الميثولوجيا السومرية في نصوصٍ أخرى، منها هذا النص:

في تلك الأيام، لم يكن هناك حيةٌ ولا عقرب ولا ضبع،

لم يكن هناك أسدٌ ولا كلب مسعور ولا ذئب،

لم يكن هناك خوفٌ ولا رعب،

لم يكن للإنسان منافس،

في تلك الأيام كانت شوبور، أرض المشرق،

أرض الوفرة وشرائع العدل،

وسومرة، أرض الجنوب، ذات اللسان الواحد،

أرض الشرائع الملكية،

وأوري، أرض الشمال، الأرض التي يجد فيها كلٌّ حاجته،

ومارتو، أرض الغرب، أرض الدعة والأمان،

وكان العالَم أجمع يعيش في انسجامٍ تام،

وبلسانٍ واحد يسبِّح الكل بحمد الإله إنليل.٢٦

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading